استطاع الكاتب المسرحي الإماراتي إسماعيل عبدالله من تحويل النص العالمي (حرم معالي الوزير) للكاتب اليوغسلافي (برانسلاف نوشيتش) إلى خلطة حكائية محلية تحاول ملامسة بعض السلبيات في الواقع الاجتماعي الإماراتي التي رافقت التحولات والمتغيرات بعد ظهور النفط، ورغم خصوصية النص وتصويره في إطار خاص لهذه المتغيرات داخل عائلة تنقلب حياتها رأساً على عقب بعد تعيين الزوج وزيراً.
إلا أن أجواء المسرحية التي أخرجها بحرفية عالية المخرج الإماراتي حسن رجب وطقوس الفرجة التي أشاعها على مفردات النص، أخرجت (حرم معالي الوزير) من كونها تمثل حكاية لعائلة خاصة لتلامس عن قرب هموماً اجتماعية عامة، وتطرح بجرأة بكوميديا خفيفة الظل بعضاً من أهم القضايا الاجتماعية في المشهد اليومي الإماراتي، ولئن كان المصطلح صحيحاً؛ فإن معد النص إسماعيل عبدالله ومخرجه حسن رجب استطاعا إلى حد كبير (أمرتة) النص العالمي في فضاء من البهجة والمتعة البصرية والحسية، كما استطاعت (حرم معالي الوزير) أن تنقض على الفساد بكوميديا ساخرة.
(حرم معالي الوزير) التي شاركت قبل فترة في أيام الشارقة المسرحية ونالت إعجاب النقاد والجمهور، جرى عرضها مساء أمس الأول ومساء أمس على خشبة (مسرح أبوظبي) في منطقة كاسر الأمواج برعاية نادي تراث الإمارات، لتكون أول عرض مسرحي يدشن خشبة المسرح الجديد الذي يستقبل مدينة أبوظبي بأضوائها البراقة من ناحية الكورنيش، واجتمع أبطال النص المسرحي في إثرائه من حيث الأداء والحركة وتقمص الشخصيات، وهم: الفنانة أشجان بدور (عذيجة) حرم معالي الوزير، عبدالله صالح، محمد سعيد، عادل إبراهيم، أمل محمد، عذاري السويدي، إبراهيم المازم، وآخرون من الممثلين الشباب الذين أشركهم مخرج النص فأضافوا نكهة وحيوية خاصة للعرض.
تتناول المسرحية في إطار شعبي وكوميدي التغيرات الاجتماعية التي تحدث لعائلة إماراتية متوسطة الحال بعد أن يتم اختيار الزوج ليصبح وزيراً، وعندها تظهر الشخصية الرئيسية للنص (عذيجة- الفنانة أشجان) والتي ستصبح من إنسانة عادية إلى (حرم معالي الوزير)، فتنخرط في لعبة (الإتيكيت) والمظاهر الاجتماعية البالغة الترف، وتذهب بهذا الاتجاه بعيداً إلى الحد الذي تتحول فيه حياة هذه الأسرة إلى جحيم مستعر بسبب التفكك والانهيار الأخلاقي الذي يرافق سعي (عذيجة) لمواكبة المنصب الذي يشغله زوجها بشتى طرق الوجاهة حتى وإن كانت مزيفة.
وكما أسلفنا؛ فإن المسرحية ورغم الاشتغال عليها بصيغة الحكاية الخاصة إلا أنها استطاعت أن تصوّر بجرأة غير معهودة قضايا الفساد والانحدار الاجتماعي الذي يرافق تولي المسؤوليات في بعض الأحيان وما ينتج عنه من كوارث اجتماعية تحيق بالمجتمعات التي تعاني انتقالات كبرى في دورة حياتها.
بهجة المسرح
مخرج النص حسن رجب وفق في جذب الجمهور البسيط الذي اختفى من صالات المسرح في السنوات الأخيرة بتقديمه (حرم معالي الوزير) من خلال مبدأ الفرجة الممتعة باعتبار أن فلسفة المسرح الأولى منذ مدرجات المسرح الاحتفالي اليوناني وحتى نظريات أبو المسرح الأميركي (آرثر ميللر) الحديثة، تقوم على أساس الفرجة باعتباراتها اللفظية والدلالية.
وهذا ما صنعه المخرج حسن رجب حين أضاف أجواء احتفالية للنص من أغانٍ ورقص وصور مبهجة أخرى، ورغم الرؤية النقدية التي ترى في مسرحية (حرم معالي الوزير) قرباً من المسرح التجاري المصري الذي يقدم الكوميديا في بعض الأحيان بأشكال فوضوية، إلا أن من المنصف القول: إن هذه الرؤية النقدية إبقاء المسرح محصوراً في جمهور النخبة المثقفة التي تعد على أصابع اليد الواحدة في البلدان العربية ومنها الإمارات.
وللأسف فإن بعض هذه الرؤى النقدية وسواها من الأشكال المسرحية الجامدة، هي التي أسهمت بطرد الجمهور من صالات العرض بحجج متعددة ليس أقلها (تقديم مسرح جاد) أو (مسرح نخبة) أو رفض ما أطلقوا عليه (المسرح التجاري) وكأن الفنان المسرحي يجب أن يرتدي أزياء غريبة عن الواقع ويستمر بأداء دور (عطيل) ويصرخ مثل (هاملت) حتى يكون عرضه جديراً بالاحترام والمؤازرة، ناسين أو متناسين أن المسرح وجميع الفنون والآداب هم (أبناء المكان).
إعداد محترف
من ناحية الإعداد المسرحي الذي اشتغل عليه إسماعيل عبدالله؛ فقد وفق إلى حد كبير في إعادة صياغة النص ليتناسب مع الطبيعة المحلية الإماراتية، والإعداد المسرحي يأخذ شكلين متناغمين ربما تداخل أحدهما في الآخر، الأول هو تقديم عمل ما بتقنية مغايرة، وهو ما يحصل عند إعداد الرواية للمسرح، مثل إعداد المخرج الفرنسي (جاك كوبو) لرواية الروسي (ديستوفيسكي) الشهيرة (الأخوة كارامازوف) والأمثلة في هذا الشكل كثيرة، أما الشكل الآخر للإعداد - وهو الذي اشتغل عليه إسماعيل عبدالله - فهو تعديل نص مسرحي أصلي يناسب رؤية مخرج العمل أو الجمهور الذي يقدم له أو الواقع المكاني والزماني الذي تقدم فيه.
وقد تمكن إسماعيل عبدالله بالإيفاء بمتطلبات هذه الثلاثية، فهو يعرف طريقة عمل ورؤية المخرج (حسن رجب) وقدم له على طبق من فضة محلية نصاً احتفالياً شعبياً يتوافق مع رؤية المخرج، وفي الركن الثاني من ثلاثية الإعداد هذه استطاع إسماعيل عبدالله أن يجعل الجمهور حاضراً في النص عبر مخاطبته بلهجة ولغة مسرحية يفهمها ويتفاعل معها، أما الركن الأخير في الثلاثية فهو الواقع الزماني والمكاني فقد تمكن من طرح هذا النص الذي كتب منذ عقود عبر إدخال رموز المعاصرة فيه وتقديم النسخة الإماراتية للنص اليوغسلافي بحرفية وموضوعية.
ولم يكُ إعداد إسماعيل عبدالله لمسرحية (حرم معالي الوزير) بدعة منه، بل إن هناك المئات ممن سبقه إلى ذلك كان أولهم المسرحي الأشهر الألماني (بريشت) حين أعد النص المسرحي (أنتيجونا) الذي كتبه رائد المسرح الأول في العالم اليوناني (سوفوكليس) قبل آلاف السنين.
ومن هذه الأعمال المعدة أيضاً: (هاملت عربياً) الذي أعده رائد المسرح العراقي سامي عبدالحميد، اللبناني ريمون جبارة في إعداد لمسرحية (احتفال بمقتل زنجي) لآربال لتتحول إلى ملامسة الحرب الأهلية اللبنانية، ويكاد المؤرخون يتفقون أن أول نص مسرحي عربي معد هو (أبو الحسن المغفل) الذي أعد مارون النقاش في منتصف القرن التاسع عشر عن إحدى حكايات ألف ليلة وليلة، والقائمة تطول لو أردنا سردها.
تاريخ
نال نص (حرم معالي الوزير) لليوغسلافي برانسلاف نوشيتش حصة كبيرة في الإعداد المسرحي العربي، وكان أول من أعده هو الفنان العراقي يوسف العاني، ثم أعقب ذلك ظهور النص كويتياً على يد الفنان سعد الفرج عام 1979م، ثم قدمته الفنانة منى واصف سورياً عام 1990م، وقدم سورياً أيضاً على يد أيمن زيدان، وها هو اليوم يتحول إلى مسرحية إماراتية على يد إسماعيل عبدالله.
لا حيلة
ضمن الموسم الثقافي لنادي تراث الإمارات؛ تجري الاستعدادات حالياً لاستضافة مسرحية (لا حيلة) لمسرح رأس الخيمة الوطني مطلع شهر مايو القادم ضمن مشروع المسرح الجوال وتعزيز الثقافة المسرحية لدى الجمهور في العاصمة الإماراتية.
أبوظبي- محمد الأنصاري
