شكّل عرض الفيلم الجديد للمخرج يسري نصرالله، «جنينة الأسماك»، مفاجأة سارة لكل من كان ينتظر صاحب «مرسيدس» على المنعطف. جوهرة صغيرة جاءنا بها المخرج المصري القدير، مولّداً حول فيلمه آراء متضاربة بين مؤيد لأسلوبه الغامض ومعارض له. وكنا لنقول إن هذه الظاهرة صحية لو أن الفيلم نجح في عدم ترك أحد لامبال إزاءه. لكن يبدو أن «جنينة الأسماك» سيكون له مشوار صعب إلى قلوب المشاهدين، لحدته أولاً وأجوائه الحالكة ثانياً. يتعقب الفيلم شخصيات عصرية من مدينة هي القاهرة، أشبه بقنبلة موقوتة.

بعد مشهدية «باب الشمس» العريضة والحشود التي ملأت الشاشة من يمينها إلى يسارها، أراد نصرالله شيئاً أكثر حميمية، علماً أن الجانب المنغلق على الذات والذي له علاقة بالتفاصيل النفسية هو الأصعب انجازاً، بحسب المخرج، الذي يطرح موضوع الخوف من الذات والآخر على حد سواء، بعد حوادث 11 سبتمبر التي ساهمت في تحويل الناس وحوشاً بشرية يخاف بعضها من البعض الآخر. ويتكلم الفيلم عن ظاهرة الخوف وبارانويا الترهيب، وهي ثيمة شديدة الواقعية، رغم أنها لا تزال غير مطروحة في الوسط السينمائي.

إنه فيلم سياسي بامتياز، لكن ما يثير البهجة أن الكلام السياسي فيه قليل، مع بعض التلميحات وحضور ضاغط لحركة «كفاية»، التي لا يؤيدها نصرالله ولا يعارضها إنما يتعامل معها كحالة مفروضة اجتماعياً وسياسياً، بحيث لا يمكن التغاضي عنها إذا أراد أي مخرج أن ينجز فيلماً عن مصر في حالها الراهنة. إلى ذلك، لم يتموضع الشريط في زمان ومكان محددين، رغم أن الحوادث تشير إلى أننا في صيف 2005، والانتخابات وأزمة أنفلونزا الطيور التي يلح عليها نصرالله، مباشرة ومواربة، إلى حدّ تحويلها دلالة. في الحوار التالي مع يسري نصرالله تفاصيل أخرى عن الفيلم:

* كيف جاءت فكرة الفيلم؟

ـ الفكرة جاءني بها ناصر عبدالرحمن. كان يعرف طبيباً للتخدير أدمن المخدرات وهو يعالج والده المصاب بالسرطان. كان ينوي تسميته «ذاكرة سمكة». أعجبتني فكرة الذاكرة: ليس للسمكة الاّ ثلاث ثوانٍ من الذاكرة! أحببت أيضاً فكرة أب وابن يتعاطيان المخدرّات معاً. وكأن الأب يريد أن يأخذ معه ابنه إلى الموت. أو كأن الابن يريد أن يرافق والده. لكن لم أكن مهتماً بأن أروي سيرة أو قصة انحدار.

لذا، تركت الفكرة جانباً. وذات يوم، بينما كنت أنظر من على شرفة شقة إحدى صديقاتي التي تقع في الطبقة الحادية عشرة، رأيت جنينة الأسماك، فأبهرني مظهرها، واتصلت بناصر عبدالرحمن وقلت له: أريد أن أقتبس شيئاً من الفكرة التي كان يقترحها عليّ.

* يعمل الفيلم وفق منطق القنبلة الموقوتة.. هناك غليان في تطور الحوادث يصل ذروته في المشهد الأخير؟

ـ صحيح ما تقوله، هذا الجانب موجود في الفيلم، لكن هناك جانب آخر كنت حريصاً عليه. هناك شيء في البنية. شيء تتكلم عنه ثم تتركه، قبل أن تجده مجدداً أمامك، إذ يتبين أن لا مهرب منه. فمثلاً: أحياناً تصطدم بعمود كهربائي في الشارع. فلا تعير الأمر اهتماماً. ثم بعد مرور شهر، تشعر بألم في ركبتك.

أردت أن أبني الفيلم على هذه القاعدة. أردت أن أعزز استيعاب الشخصيات للتوتر الذي يجب أن يخلقه الفيلم. (...). لكن القنبلة الموقوتة مصدرها صوت الفراخ الذي يصدح عالياً في نهاية الفيلم. والناس الذين نراهم حول الفراخ في المشهد الأخير ينتظرون خائفين. أصبحت الفراخ مصدر رعب منذ أن أصيبت بأنفلونزا الطيور، والرعب كما تعرف يشلّ الإنسان.

* الفيلم متموضع مكانياً لكن ليس زمنياً؟

ـ لو عشت في مصر في السنوات الثلاث الماضية، لاستطعت تحديد تاريخ الفيلم الذي يقع في شتاء 2006. ففي خريف 2005 جاء الإخوان المسلمون بعدد كبير من النواب في انتخابات مجلس الشعب، ثم عشنا أزمة انفلونزا الطيور وبدأت حركة «كفاية» بالتحرك شتاء 2005 ـ 2006. ثم جاءت حرب لبنان. بالنسبة إلينا، اللحظة التي أتكلم عنها محددة!

* سبق أن تكلّمت عن تقلّص الحريّات: لا مجال للبوح في الفيلم الاّ في مساحة الليل، لا مجال للاعتراف الاّ عندما يكون الشخص مجهول الهوية.

ـ لا أحد يستطيع أن يلومك لأنك تتكلم إلى برنامج إذاعي من دون أن تذكر اسمك، لا أحد سيحاسبك. مساحة البوح أجدها شيئاً في منتهى الواقعية، لكن هذه المساحة تتقلّص تدريجياً. أنا من جيل يتمسّك بالبوح.

رؤية سينمائية

يقول يسري نصرالله: «من السهل جداً أن تنجز أفلاماً عن الناس الذين يعانون، وتجد لهم تبريرات وأعذاراً. أمّا الشخصيات هنا فليس لها أي عذر، هؤلاء هم الناس الذين يعيدون إنتاج الخوف. الطبقة الوسطى هي المثقفة وهي التي تغيّر الناس. نحن هنا صحبة الطبقة الحاكمة التي لها القدرة على أن تحكم، وهي مسؤولة إلى حدّ ما مسؤولة عن إيصال الثقافة إلى الناس. يجب أن تعلم أنني أحبهم جداً، لكنني أرغب في أن أقول لهم: «لا أريد أن أجد لكم أعذاراً».

بيروت ـ هوفيك حباشيان