استمرت حالة الغليان في أسواق النفط أمس بسبب تراجع الدولار وتعثر إمدادات نيجيريا، ومخاوف من أن يؤثر إضراب عمالي في مصفاة نفط اسكتلندية على الإنتاج في بحر الشمال. وعلى الرغم من تراجع الأسعار دون مستوى 118 دولاراً لبرميل الخام الخفيف، إلا أن صالات التداول لا تزال متحفزة.
وارتفعت أسعار النفط في الأسابيع الأخيرة إلى أكثر من خمسة أمثالها منذ عام 2002. وبلغ متوسط أسعار سلة أوبك، والمكونة من خامات صحارى الجزائري وجيراسول الانجولي وميناس الاندونيسي والإيراني الثقيل والبصرة الخفيف العراقي والتصدير الكويتي والسدر الليبي وبوني الخفيف النيجيري والبحري القطري والعربي الخفيف السعودي ومربان الإماراتي وبي.سي.اف 17 من فنزويلا واورينت من الإكوادور، إلى 92, 109 دولارات للبرميل من 93, 108 دولارات في وقت سابق.
وقال فيكتور شوم المحلل لدى مكتب بورفين اند غيرتز في سنغافورة «إن مزاج السوق يميل بقوة إلى الارتفاع». ويسجل سعر النفط يوميا منذ 12 يوما مستويات قياسية تحت تأثير مجموعة من العوامل منها تدني الدولار والمخاوف بشأن إمداد السوق، تغذيها التوترات الجيوسياسية في المناطق النفطية ولا سيما في نيجيريا. ولم يكن موقف أوبك ليصلح الأوضاع إذ أكدت أن تموين الأسواق جيد ولم تعلن سوى عن زيادة بنحو 15% في قدرتها الإنتاجية بحلول 2012.
وتستمد السوق دعماً إضافياً من بيانات تظهر ارتفاع الطلب في الصين ثاني أكبر مستهلك في العالم ثمانية بالمئة على أساس سنوي في مارس وهي أسرع وتيرة في 19 شهراً مع قيام شركات التكرير بتعزيز الواردات قبل دورة الألعاب الاولمبية. وقال جيم ريتربوش رئيس شركة ريتربوش اند اسوشييتس في جالينا بولاية الينوي «لا نرى أي دليل على تراجع الطلب حتى رغم استمرار ارتفاع الأسعار».
وأضاف «أوبك لا تزال عازفة عن ضخ مزيد من النفط في السوق ومما يفاقم الوضع عدم وجود أي زيادة ملموسة في الإنتاج من خارج أوبك». وكانت هجمات على خطوط أنابيب في نيجيريا عضو منظمة أوبك الأسبوع الماضي قد تسببت في توقف إنتاج 169 ألف برميل يوميا من خام بوني الخفيف مما اضطر رويال داتش شل إلى إعلان خفض صادراتها النفطية لأسباب قهرية. وتجري الإدارة ومسؤولو اتحاد عمالي محادثات لتجنب إضراب مدته يومين في مصفاة جرانجماوث الاسكتلندية قد يتسبب في توقف بعض إنتاج النفط والغاز الطبيعي من بحر الشمال.
وقال الرئيس الأميركي جورج بوش انه قلق بشأن أسعار النفط الخام والبنزين القياسية المرتفعة. ولم يعلق بوش على سؤال أحد الصحافيين ما إذا كان كبار منتجي أوبك مثل السعودية يساعدون المستهلكين الأميركيين لكنه أثنى على كندا والمكسيك وهما دائما من أكبر خمسة موردين إلى الولايات المتحدة. وقال «لحسن الحظ أن كندا والمكسيك هما أكبر موردينا وهو ما نحن ممتنون له». لكنه كرر دعوته إلى الكونغرس من أجل إلغاء وقف التنقيب عن النفط في محمية الحياة البرية القطبية الشمالية في الاسكا حيث موطن كائنات برية مثل الدببة القطبية والطيور المهاجرة. وقال «كان ينبغي أن ننقب عن النفط في المحمية، نتيجة لهذا نعتمد على مصادر أجنبية للنفط».
وقال منتجو النفط خلال منتدى للطاقة في روما انه ليس بإمكانهم عمل شيء لوقف موجة صعود النفط وقد يكون على العالم أن يتعايش مع أسعار أعلى إذا كان يريد إمدادات في المستقبل. ويرى المنتجون أن نقص الاستثمار في الطاقة الإنتاجية للنفط الخام والمشتقات وليس نقص الاحتياطيات هو ما يدفع الأسعار صعوداً.
وأسفرت محادثات استمرت ثلاثة أيام بين منتجي النفط ومستهلكيه عن اتفاق على نطاق واسع على أن ضعف الدولار دفع أسعار النفط للارتفاع وان تكاليف استخراج المزيد من النفط ارتفعت. ومن الأمور التي وجد نحو 60 وزيرا للطاقة وعشرات المسؤولين من شركات نفط صعوبة في الاتفاق عليها أن الأسعار مرتفعة للغاية. وقال شكري غانم رئيس مؤسسة النفط الوطنية الليبية «سوق النفط في حالة خوف ان لم تكن ذعرا ». لكنه قال كذلك ان ارتفاع أسعار النفط ضروري. وأضاف «الأسعار يجب أن تظل مرتفعة في الأجل الطويل للتشجيع على التنقيب والإنتاج».
ويشعر المنتجون والمستهلكون على حد سواء بالقلق لكن لأسباب مختلفة. فالمنتجون قلقون من تراجع الطلب والمستهلكون يخشون من انهيار اقتصادي. وقال جيفري كوفر القائم بأعمال نائب وزير الطاقة في الولايات المتحدة أكبر مستهلك للطاقة في العالم «من الواضح أن أسعار النفط مرتفعة للغاية. نحن لسنا سعداء بهذه الأسعار أو باتجاهها».
وكان صندوق النقد الدولي قد توقع أن يدخل الاقتصاد الأميركي في حالة ركود هذا العام ويخشى البعض أن تتسبب أسعار النفط في إضرار للاقتصاد العالمي. وقال نوبو تاناكا المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية التي تمثل مصالح الدول المستهلكة «بالتأكيد ستكون لها بعض الآثار السلبية على النمو الاقتصادي، هذا أكيد».
وقال بيان صادر عن منتدى روما «المنتدى أشار إلى أن أسعار النفط يجب أن تكون عند مستويات مقبولة من المنتجين والمستهلكين لضمان نمو الاقتصاد العالمي خاصة في الدول النامية». وبدا الاتفاق أسهل على أثر نقص العمالة في قطاع النفط وعلى أن ارتفاع أسعار السلع دفع تكاليف الإنتاج إلى الارتفاع. وفي ذات الإطار قال تاناكا «هناك بالتأكيد تضخم في التكاليف. وهناك اتفاق أكيد على ذلك لكن ما هو المستوى الأمثل هذه مسألة أخرى. الكل يقول إن هناك تضخما في التكاليف. وهذا من أسباب ارتفاع الأسعار».
وإذا كان ارتفاع التكاليف من أسباب ارتفاع أسعار النفط فإن ضعف الدولار هو السبب الأقوى إذ شجع المستثمرين على الإقبال على بعض السلع كأداة للتحوط من التضخم. وقال وزير النفط العراقي حسين الشهرستاني إن سعر النفط ليس مرتفعا كما يبدو لأنه يقاس بالدولار الذي بلغ انخفاضا قياسيا أمام عملات أخرى.
وأضاف «انه ليس مرتفعا فعليا بدرجة تجعل من الصعب على أغلب الدول التعامل معه». والدول المنتجة تحتاج لأن تكون إيراداتها وأغلبها بالدولار مرتفعة لتكفي تمويل استثمارات في البنية الأساسية.
وجاء في بيان صادر عن المنتدى «أبدى الوزراء قلقهم من المستويات الراهنة لأسعار النفط. المنتدى أشار إلى أن أسعار النفط يجب أن تكون عند مستويات مقبولة من المنتجين والمستهلكين لضمان نمو الاقتصاد العالمي خاصة في الدول النامية». وتابع أن احتياطيات النفط والغاز كافية لتلبية احتياجات العالم في العقود المقبلة لكن اضطرابات أسواق النفط قد تؤثر بالسلب على قرارات الاستثمار وان أموالا ضخمة مطلوبة.
وقال البيان «بسبب الارتفاع الكبير في التكاليف تشير التقديرات إلى أن الاستثمار التراكمي في النفط والغاز حتى عام 2030 يحتاج لنحو عشرة ترليونات دولار». وأضاف أن الوقود الأحفوري سيظل يهيمن على خليط الطاقة المستخدمة لعشرات السنين. ورحب الوزراء بتطوير مصادر الطاقة البديلة مثل الوقود الحيوي لكنهم ألقوا الضوء على بعض سلبياته.
