قال محللون إن ارتفاع أسعار الطاقة يلقي بظلاله على أزمة الغذاء، إذ تؤدي زيادة أسعار المحروقات إلى رفع كلفة النقل والإنتاج، وبالتالي زيادة معدلات التضخم في العديد من بلدان العالم. وتعتبر شبكة التيار الكهربائي المتهالكة في أفريقيا ضحية أخرى من ضحايا الطفرة العالمية في أسعار السلع، فارتفاع أسعار الفحم، والنفط، ساهما في استفحال الأزمات التي تعاني منها شركات توليد الكهرباء في القارة السمراء، الأمر الذي أدى إلى توقف الإنتاج في الكثير من القطاعات.
وقال تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال» إن الفقراء في جنوبي أفريقيا اعتادوا على الانقطاع المستمر للكهرباء.
وفي بوتسوانا المجاورة باتت الخطط لتوصيل الطاقة الكهربية إلى القرى الريفية مهددة في ظل صراع الحكومة لتوفير الكهرباء لمناجم الماس في البلاد.
وأضاف التقرير أن الانقطاع المتواصل والمستمر للكهرباء يصيب ببلواه نحو 35 بلداً من بلدان شبه الصحراء الأفريقية البالغ عددها 53 بلداً وفقاً للبنك الدولي، وهذا الوضع المأساوي، يثير العنف، ويهدد باستفحال الأجواء غير المستقرة، في منطقة تعاني أصلاً من الاضطرابات.
وكان السكان المعدمون في «بورت هاركورت» في نيجيريا الذين أغضبهم دفع أسعار كهرباء غير ثابتة وغير موجودة قاموا بمطاردة محصلي فواتير الكهرباء، بالسواطير.
وأشار تقرير الصحيفة إلى أن شركة الكهرباء الحكومية «يسكوم» في جنوب أفريقيا، تقوم باتخاذ إجراءات صارمة للحيلولة دون انهيار شبكتها الوطنية، حيث تقدمت الشهر الماضي بالتماس إلى الجهات المسؤولة للسماح لها بزيادة تعرفتها بنسبة 50% وهي زيادة مؤلمة هدفها كبح جماح الطلب. كما أنها قلصت من إمداداتها إلى صناعة التعدين القوية في البلاد.
وكان لتقليص الطاقة ذاك أثره في رفع أسعار الذهب والبلاتين العالمية.
وفي هذا السياق قال «ستيف لينون» العضو المنتدب في «إيسكوم» لشؤون المصادر والاستراتيجية إن الوضع حرج.
ويذكر أن الشركة اضطرت إلى فرض انقطاعات مجدولة منذ يناير، كما أنها حذرت في الآونة الأخيرة، من خفض إضافي فيما لو اضطر الأمر لذلك.
وفي بادرة نادرة، قدم «ثابو مبيكي»، رئيس جنوب أفريقيا، اعتذاراً عن انقطاع الكهرباء في خطابه إلى الأمة في شهر فبراير، واعتبر الوضع «حالة طوارئ» قومية، متعهداً بمعالجة المشكلة.
وقالت «وول ستريت جورنال»، إن الطاقة الكهربائية التي لا يعوّل عليها، تشكل عائقاً كبيراً لتطور المنطقة الاقتصادي، إذ أن كثيراً من بلدان شبه الصحراء الأفريقية، ما زالت تعمل بصورة كبيرة على هوامش أسواق المال العالمية، مما حصنها من الفوضى الاقتصادية التي عصفت بالعالم المتقدم.
وقد جعلت الطفرة في أسعار السلع، في السنوات القليلة الماضية، المنطقة مصدر جذب للمستثمرين الأجانب، أما الآن فإن أزمة الكهرباء تثبط ذلك الاندفاع. وقد وصفت «فيفيان فوستر» الخبيرة الاقتصادية في البنك الدولي، حول التطور المستدام في أفريقيا، ذلك بقولها «إنه من أكبر المؤرقات بالنسبة للمجتمع التجاري».
وأضافت الصحيفة «إن الانقطاع الكهربائي يكلف الاقتصادات نحو 2% من الناتج الإجمالي المحلي، وفقاً لتقديرات البنك الدولي، فتلك الانقطاعات تقلص الأرباح بنسبة 6%، وفقاً لدراسة البنك حول الشركات التصنيعية في أفريقيا».
وقد تصل خسائر المبيعات إلى 16%، بالنسبة للشركات الأصغر العاملة في الاقتصاد غير الرسمي المنتشر في القارة. وتشمل صالونات الحلاقة، والتجميل، التي تخدم كثيراً من المدن والقرى الأفريقية.
وقالت الصحيفة إن الكهرباء بالنسبة للأفارقة ما زالت ترفاً، حيث إن ربع سكان شبه الصحراء الأفريقية، لا يحصلون عليها في المقام الأول، وهي تتركز في المناطق الحضرية.
ومن المفارقات الغريبة أن أفريقيا قادرة على توليد 63 ميغاواط من الكهرباء لما يقارب 770 مليون نسمة، وهو ما يوازي ما تنتجه أسبانيا لسكانها البالغ تعدادهم 40 مليون نسمة، وبحسب تقديرات البنك الدولي، فإن التوصيل الكهربائي لمعظم البلدان الأفريقية يبعد 50 سنة، لكن حتى أولئك القلة الذين يتوقعون الكهرباء سيجدون صعوبة في الحصول عليها، أو تحمل أسعارها.
ومن ناحية أخرى، فإن المصانع الجديدة، العاملة بالفحم أو الوقود، يستغرق بناؤها سنوات، لذلك فإن بعض البلدان تلجأ إلى إجراءات الطوارئ الباهظة، فهي تستخدم مولدات تعمل بالديزل، أو مصادر وقود أخرى، وتحاول تخزين المزيد من الفحم لتغذية المصانع القائمة.
وكل ذلك يحدث، وأسعار الطاقة في ازدياد، الأمر الذي يعني أنها لن تستطيع تحمل مصاريف توفير فحم أو نفط كاف لسد الفجوة.
وعلى الصعيد ذاته، فإن أزمة الكهرباء في أفريقيا تعيق أو تثبت الجهود المتواضعة في السنوات الأخيرة، الرامية إلى توفير الطاقة الكهربائية للمناطق الريفية، ويطلق الاقتصاديون على هؤلاء السكان «فقراء الطاقة»، لأن الناس بدون إضاءة أو إمكانية تشغيل تكنولوجيا جديدة، أو أجهزة كهربائية سيجدون صعوبة في المنافسة، أو التقدم في العالم المتحضر.
وقالت «وول ستريت جورنال»، إن أكثر المناطق تضرراً حتى الآن هي جنوب أفريقيا، أكبر وأنشط الاقتصادات، منذ عام 2000، حيث تضاعف الناتج الإجمالي المحلي للبلاد من 133 مليار دولار عام 2000 إلى 272 مليار دولار العام الماضي.
غير أن شبكة الكهرباء في البلاد فشلت في مجاراة ذلك، فبالرغم من تحذيرات «إيسكوم» عام 1998 من أزمة لائحة في الأفق، إلا أن الحكومة لم تأمر ببناء مصانع جديدة حتى عام 2009.
والبلاد، تمتلك أكثر البنى التحتية في إفريقيا تطورا، من طرق مزدحمة، إلى شبكة انترنت سريعة.
وتحتضن جوهانسبرغ، الوجهة التجارية، سوق البورصة، والمجتمعات الثرية، كما تمتلك البلاد مخزونات هائلة من الماس والبلاتين، والذهب وغيرها من المعادن التي تستخرجها من أكثر مناجم العالم عمقاً وتضيف صناعة التعدين، الأكثر استهلاكاً للكهرباء عبئاً اضافياً على الشبكة وقد اضطرت شركات التعدين، إلى القيام بحفريات أعمق في السنوات الأخيرة للوصول إلى أن المكامن المتضائلة. وهذا يستوجب مزيداً من الطاقة الكهربائية وتستهلك صناعة التعدين المسؤولة عن 7 في المئة من الانتاج الاقتصادي للبلاد، 17 في المئة من انتاج البلاد من الكهرباء.
وكانت «ايسكوم» وجدت نفسها العام الماضي عاجزة عن تلبية الطلب للمرة الأولي.
وأكدت الصحيفة أن الانقطاع الكهربائي في جنوب إفريقيا يصيب بالضرر جيرانها، ذلك لأن «ايسكوم» تصدّر الطاقة الكهربائية إلى اجزاء كبيرة من المنطقة. ففي زامبيا، الغنية بالنحاس، اجبر الانقطاع الكهربائي في جنوب إفريقيا، اكبر شركات التعدين على تعليق عملياتها كلياً في شهر يناير كما أن الطلب على الكهرباء، في بوتسوانا، منتجة الماس الكبرى في إفريقيا الجنوبية، ينمو بمعدل 8 في المئة سنويا، ومناجم الماس، تمتص نصف استهلاك البلاد الكلي من الكهرباء ولذلك فإن جنوب إفريقيا تقطع الكهرباء الآن، رغبة منها في بيعه داخل البلاد.
ومن ناحية أخرى فإن الخطر يواجه ايضا، جهود الكهربة التي تمولها الحكومة، لايصال الكهرباء إلى الريف، فبوتسوانا تمتلك محطة توليد واحدة تعمل بالفحم. وكانت في الماضي تعتمد على الواردات الرخيصة من جنوب إفريقيا في 70 في المئة من احتياجاتها من الكهرباء.
وقالت «إيسكوم» إنها ستقلص حصة «بوتسوانا» بمقدار النصف في عام 2010، تاركة البلاد تتخبط في بحثها عن حلول بديلة لمواجهة الانقطاع الشال لقدراتها. وقال مسؤولون حكوميون إنهم بصدد توسعة مصنع الطاقة الوحيد في البلاد، وأنهم يدرسون عروضاً من منتجي طاقة مستقلين.
وعلى الصعيد ذاته، فإن بعض البلدان مثل غانا والسنغال، تعتمد على النفط المستورد والغاز الطبيعي، لتغذية محطاتها الكهربائية. وهي تتخبط الآن في سداد فواتيرها المتصاعدة، ففي السنغال، تعتمد الحكومة على النفط المستورد، لتغذية 66 ميجاواط من قدرة شبكتها البالغة 623 ميجاواط.
وعندما قفزت أسعار النفط متجاوزة 100 دولار للبرميل، أصيبت الحكومة التي تدعم أسعار الكهرباء بالضرر الفادح. فقد أنفقت الحكومة أكثر من 300 مليون دولار، في مساعدات عشوائية منذ 2004 لتخفيف عبء أسعار الكهرباء المتصاعدة عن كاهل مواطنيها، وهي تتوقع سنة أخرى عصيبة، مع صعود الأسعار بين شهر وآخر.
ولقد خفض الإنفاق المصادر الحكومية، في وقت هي أحوج ما تكون فيه إلى الأموال، لتحديث شبكتها الكهربائية المتهالكة. وفي هذا السياق، قال محمدو ديوب استشاري الطاقة المستقل في «لاكارا» إن الحكومة لا تملك فلساً لإنفاقه في قطاع الطاقة.
والحكومة لا تستطيع مجاراة الأسعار المرتفعة بمساعدات جديدة، إلى المستهلكين. فقد ارتفعت الأسعار بمعدل 15% خلال الشهور القليلة الماضية، تاركة الطبقة الوسطى المعتادة على الكهرباء تتخبط ذات اليمين وذات الشمال.
ترجمة ـ وائل الخطيب
