متى سنحت لك فرصة مقابلة «جي دبليو ماريوت»، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمجموعة فنادق ماريوت العالمية، فلا تستغرب إن بادرك الرجل بمد يد المصافحة لثلاث مرات في أقل من ساعة. ليس تشويشا في الذاكرة، المحملة بكثير من الأرقام التي تبدأ من 3 آلاف منشأة فندقية يديرها الرجل حول العالم ولا تنتهي ب13 مليار دولار أميركي هي حصيلة مبيعات الشركة في العام الماضي.. ليس تشويشا في الذاكرة إذا هو ما يدعو ماريوت لمصافحتك أكثر من مرة، بقدر ما هو تواضع كبير وملفت، وحفاوة حقيقية يعبر عنها لضيوفه مع عبارة «تشرفت بمعرفتك حقا».
وقبل 81 عاما، حين عبرت سيارة فورد طراز «تي» بعض الأمكنة في الولايات المتحدة الأميركية، تحمل رجلا وامرأة يسعيان إلى افتتاح الأكشاك الصغيرة التي لا تتسع لأكثر من 9 مقاعد لتقديم الطعام والشراب، كانت اللافتة التي تحملها تلك السيارة تقول العبارة ذاتها «تشرفت بمعرفتك حقا». الرجل وامرأته لم يكونا سوى والدي ماريوت، اللذين ما انفكا يرددان هذه العبارة التي وضعت اللبنة الأولى لإمبراطورية فندقية تتسع لثلاثة آلاف منشأة فندقية حول العالم يجد فيها 300 ألف إنسان فرصا وظيفية، وتجد فيها مجلة «فورتشن» الأميركية المتخصصة بنشر لوائح أقوى الشركات عنوانا رئيسيا لمتابعاتها الاقتصادية. «جي دبليو ماريوت»، الذي يزور دبي حاليا كضيف شرف على دورة القمة العالمية للسياحة وأحد أبرز المتحدثين في ندواتها، والذي كان لـ «البيان الاقتصادي» جلسة حوارية معه.. ليس وريثا لتلك الإمبراطورية، بل هو الباني الرئيسي لأعمدتها، وفي سبعينيات القرن الماضي كان أحد الذين سبقوا عصرهم في الصناعة الفندقية باتخاذ القرار الجريء بالتوقف عن امتلاك المنشآت الفندقية والتوسع في إدارتها.
تلك السياسة التي أثمرت عن التواجد في 70 بلدا، وعن 18 علامة فندقية مختلفة من بينها «ماريوت» و«جي دبليو ماريوت» و«ريتز كارلتون» و«رينساس» و«بلغاري» وغيرها.. وعن 100 ألف غرفة فندقية ستضمها المجموعة في العام 2010. تلك سيرة موجزة، وان تسنى لك الوقت فإن ماريوت سيكون ممتنا بالحديث عن التفاصيل. التفاصيل لا تزال تشغل الرجل، كما القضايا العامة التي تبدأ من السياسة الأميركية في العالم التي يتمنى أن تصبح أفضل مع «الرئيس المنتخب الجديد»، وتمر بقضايا الاحتباس الحراري والانبعاثات الكربونية التي تلوث بيئة العالم. إضافة إلى فلسفة العولمة وارتفاع أسعار النفط وصولا إلى قضايا كثيرة تتعلق بقطاع السياحة في هذا العالم الواسع الذي يعتبره ماريوت «عبارة عن كتاب وأولئك الذين لا يسافرون يقرأون صفحة واحدة فقط»، وهي العبارة الخالدة التي قالها قبل الفي سنة رجل الدين الفيلسوف اوغستين الجزائري.
الولايات المتحدة والفرص الضائعة يهجس ماريوت بسلامة قطاع السفر في يومنا الحالي، خاصة مع التعقيدات التي تفرضها أكثر الحكومات التي تريد التأكد من أمن أراضيها وتنقلات السياح. في هذا السياق يعبّر عن نظرة نقدية تجاه ما هو حاصل اليوم في الولايات المتحدة الأميركية واقتصادها: «في الولايات المتحدة الأميركية، يتوقع أن تنمو السياحة المتجهة إليها بنسبة 1. 6 سنوياً حتى العام 2020. ولكن حصة الولايات المتحدة من السفر العالمي ما وراء البحار تراجعت بنسبة 8% منذ العام 2000 بينما ارتفعت بنسبة 28% في بقية أنحاء العالم. هذه فرصة كبيرة تضيعها أميركا. الفرص تنمو وأميركا تحصل على حصة أصغر منها». ورغم أنه يتحدث عن «بعض التقدم المحقق خلال السنوات الماضية الأخيرة، إذ كان لي امتياز الخدمة في المجلس الاستشاري للسياحة والسفر في الحكومة الأميركية واللجنة الاستشارية تحت شعار «حدود آمنة، أبواب مفتوحة»، واللتين أدتا دورا بارزا في مناولة مسائل تسهيل الدخول والتشجيع على السفر كمحرّك اقتصادي.
إلا أنه يؤكد على أنه على الولايات المتحدة الأميركية أن تعمل على تسهيل الحركة عند المطارات والحدود.كما أن «أجهزة الكشف عن المعادن وآلات اكتشاف القنابل باقية. التدقيق وبصمات الأصابع والخطوط الترميزية في جوازات السفر هي التوجه المستقبلي ولكن يجب أن نحقق توازناً بين الأمن والضيافة ونحن نعمل لتحقيق هذا»، لذلك «يعمل القطاع الخاص لدينا مع الحكومة الفدرالية على تطوير أساليب لتبسيط إجراءات إصدار التأشيرات والدخول إلى البلاد ونعلم أنه من الضروري جعل الإجراءات أسرع وأكثر فعالية».
ويوصي وزارة الخارجية الأميركية بضرورة تعزيز تمويل البُنى التحتية والتجهيزات التقنية والموارد البشرية الضرورية في قنصلياتنا في الخارج مما يسرع ويسهل من عملية الحصول على التأشيرة: «قطاعنا يتعلق بتحقيق هذه الإصلاحات وبإمكانكم الاعتماد علي في هذا الشأن».
ويعتقد أن الولايات المتحدة الأميركية بحاجة إلى أن تعبر عن انفتاح أكبر على الخارج: «نحن نقدر الجهود الشاقّة التي بذلت للتوقيع على اتفاقية السفر الجديدة مع الصين والتي ستساعد على جذب المزيد من الوفود السياحية الصينية إلى الولايات المتّحدة. وفي العام 2006، سافر 5. 34 مليون صيني إلى الخارج وقصدوا فرنسا وأستراليا وسنغافورة لكن 1% منهم فقط اتجه إلى الولايات المتحدة»!.
الانفتاح والإبداع
وكما أنه يعتقد ان إرهاصات الركود الحالي الذي يعاني منه سوق ثالث أكبر اقتصاد في العالم، إضافة إلى التحدي البيئي مع ارتفاع أسعار النفط هي المعوقات الرئيسية التي تواجه صناعة السياحة والسفر، فإنه في الوقت ذاته يعتبر أن الإبداع والانفتاح هما كلمتا السر اللتان تقودان بنجاح صناعة تدرّ 10% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بينما تتيح 271 مليون وظيفة عمل.
وبرأه فإن نموذج الانفتاح الذي اتبعته دبي ساهم بخلق الكثير من الفرص لأبناء الإمارات والوافدين من كل العالم. ويعطي في كلمته التي ألقاها في افتتاح القمة أمثلة على ذلك بالقول: «.. كلنا في قطاع السياحة والسفر العالمي لدينا منصّة فريدة لنثر بذور الفرص والتفاهم الثقافي حول العالم. أذكر عندما افتتحنا أول فندق في وارسو في بولندا عام 1989، كانت ماريوت الشركة الفندقية الغربية الوحيدة التي تدير فندقاً في كل أوروبا الشرقية.
وكان لدينا نظام اتصالات متطور وموثوق والوحيد في البلاد، لذا كان الجميع يأتون إلى فندقنا بهدف العمل. وظفنا أشخاصا لم يسبق لهم أن عملوا في الفنادق ورتبنا لهم السفر إلى الولايات المتّحدة الأميركية لتدريبهم، ثم أعدناهم إلى بولندا ليعملوا كمشرفين.
هذا شكل آخر من أشكال الفرص! ويقول: «على الرغم من ترافق العولمة مع المشاعر والانفعالات، أصبحت مسيرة الاقتصاد العالمي الحقيقي رمزاً للحرية. حرية الفرص. حرية الاختيار. التحرّر من النقص..». ولا يقلل من أهمية التدريب الذي يعتقده الركيزة الأساسية في القطاع الفندقي وأي قطاع آخر: «لذلك نستثمر ميزانيات ضخمة في تدريب موظفينا».
«ابني العزيز.. الآن يمكنك أن تحفر الأرض»
استشهد جي دبليو ماريوت بانجازات دبي التي استلهمت من رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، حتى غدا قطاعا السفر والسياحة يساهمان بنسبة 30% في الناتج المحلي الإجمالي لدبي. وقال في كلمته التي افتتحت القمة العالمية للسياحة والسفر: «هذا رائع وأكبر مثال على ما يمكن تحقيقه عندما تتعاون الحكومات مع هذا القطاع للترويج للسفر والسياحة. هذه تحية لعائلة آل مكتوم الذين مكنتهم الرؤية الصائبة بقول: «إذا بنيت لهم التسهيلات سيأتون».
وأكمل متحدثا عن التفكير الإبداعي وأهميته: «هذه الأيام، يسألني الكثير من الناس عن اقتصاد الولايات المتحدة الأميركية وأنا لا أعلم ماذا سيحدث خلال الأشهر القليلة المقبلة. سيحصل بعض الانزعاج، لكن الأحوال تتغير دائماً. لكن قطاع الأعمال كأعمالنا يحتاج للموارد وللتفكير بأسلوب إبداعي.هذا يذكرني بقصة سمعتها قبل فترة قصيرة عن رجل عجوز كان يعيش وحيدا، وكان قلقاً بشأن زراعة الطماطم للموسم الجديد، لأنه عمل شاق.
فكتب رسالة لابنه الذي كان في السجن ليشرح له المشكلة قال فيها: «ابني العزيز، يبدو أنني لن أستطيع زراعة الطماطم لهذا العام. فقد أصبحت عجوزاً ولا أستطيع حفر كل هذا الحقل. أعلم لو كنت موجوداً معي الآن لكنت حللت كل مشاكلي وحفرت الأرض بالنيابة عني. بكل حب، والدك». بعد أيام قليلة، تلقى الرجل العجوز رسالة من ابنه: «والدي العزيز،اتحفر ذلك الحقل لأنني دفنت فيه النقود».
عند الساعة الرابعة من صباح اليوم التالي، أتت قوات الشرطة الوطنية والمحلية وحفرت كل حقل الطماطم. وعندما لم يجدوا أي نقود اعتذروا للرجل العجوز ورحلوا. في نفس اليوم، تلقى الرجل العجوز رسالة أخرى من ابنه: «والدي العزيز، هيا! يمكنك الآن زراعة الطماطم. هذا أقصى ما يمكنني فعله في هذه الظروف». هذا مثال على التفكير الإبداعي!
كاثلين وآرني.. الوجه «الأخضر» لماريوت
«من هو العقل المدبر وراء البرامج البيئية الضخمة التي أعلنت عنها ماريوت مؤخرا ومن بينها اتفاقية حماية غابات الأمطار الأمازونية»؟ سؤال يتكرر طرحه على ماريوت لتكون اجابته: كاثلين ماثيوز، وآرني سورنسون. ماثيوز المسؤولة عن التفاصيل المحيطة بتنقلات ماريوت ولقاءاته مع المسؤولين والصحافيين هي نائبة الرئيس التنفيذية للاتصالات العالمية والشؤون العامة والرئيسة المشاركة في المجلس الأخضر لدى ماريوت.
أما سورنسون الذي أحال اليه ماريوت عددا من الأسئلة التي طرحها عليه الصحافيون، كتلك المتعلقة بالبيئة والاقتصاد، فهو الرئيس المالي ونائب الرئيس التنفيذي ورئيس عمليات الإقامة في القارة الأوروبية لدى الشركة. الاثنان مسؤولان عن ضمان بروز «الوجه الأخضر»، صديق البيئة، للشركة.
وإعطاء تفاصيل عن الاتفاق غير المسبوق الذي تم توقيعه مؤخرا مع ولاية الأمازون للمساعدة في حماية 4. 1 مليون أكراً من غابات الأمطار المهددة بالانقراض. هذه الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاصّ هي من أولى الشراكات في العالم الهادفة إلى تخفيض انبعاث الغازات الدفيئة الناتجة عن عمليات إزالة الغابات. وقد تم تخصيص مبلغ مليوني دولار لتمويل خطة إدارة بيئية تديرها مؤسسة الأمازون للاستدامة Amazonas Sustainable Foundation التي أنشئت حديثاً.
وطورت ماريوت العالمية استراتيجية من خمس مراحل بهدف التقليل وموازنة الضرر البيئي العالمي، خصوصاً مع كمية انبعاث ثاني أكسيد الكربون التي تصل إلى 9. 2 مليون طن متري سنوياً. وتتضمن المراحل: المساعدة على حماية 4. 1 مليون أكراً (589 ألف هكتار) من محمية جوما للتنمية المستدامة، الغنية بالتنوع الحيوي، علما بأن عمليات إزالة غابات الأمطار الاستوائية تتسبب بانبعاث للغازات بكميات تفوق كمية الانبعاث الناتج عن كل سيارات وقطارات وشاحنات العالم مجتمعة.
المياه والصرف والطاقة: إضافة إلى المساعدة على تقليل استهلاك الوقود والمياه بنسبة 25% في الغرف على مدى السنوات العشر المقبلة، والتوجه لاستخدام الطاقة الشمسية في أكثر من 40 فندقاً بحلول العام 2017، وتعزيز برنامج «تخفيض، إعادة استهلاك وإعادة تدوير» المطبق حاليا في 90% من الفنادق ليشمل قاعات الاجتماعات وغرف النزلاء والبدء بالتطبيق في فنادق العلامات التابعة لماريوت في بوسطن وشيكاغو ودنفر ولوس انجلوس ومينيابوليس وواشنطن دي سي.
وهناك حثّ 40 من الشركات الموردة لماريوت على توفير منتجات أكثر مراعاة للبيئة من ضمن 12 فئة من سلسلة تجهيزات لديها تقدر قيمتها بعشرة مليارات دولار، من ضمنها أقلام BIC الصديقة للبيئة التي تشتري منها ماريوت أكثر من 47 مليون قلم سنوياً وهي مصممة للشركة ومصنوعة من بلاستيك أعيد تدويره، إضافة إلى منتجات صباغ وأقمشة من المواد التي تراعي الشروط البيئية مثل مفاتيح الأبواب الالكترونية والسجاد والصابون والشامبو المعبأ وغيرها. وفي مجال المباني الخضراء، قامت الشركة بتشجيع شركاء ماريوت العالمية في تطوير الفنادق على تصميم وبناء فنادق تتطابق مع المعايير الخضراء من خلال تحديث شروط التصميم.
توسع كبير في منطقة الشرق الأوسط
خلال الزيارة التي قام بها إلى دبي وتضمنت لقاءات عالية المستوى، وجلسات مع موظفي الشركة بتوقيع أول عقد من أربعة عقود تطويرية في ثلاثة بلدان في الشرق الأوسط، ليزيد على الضعف عدد المنشآت التي تديرها ماريوت في المنطقة. ففي منطقة الشرق الأوسط وحدها، تتوقع الشركة زيادة عدد منشآتها من 26 إلى 65 بحلول العام 2011.
وفي منطقة الشرق الأوسط وحدها، تشمل الاتفاقات الجديدة 9 منشآت و2000 غرفة مما يصل بعدد المنشآت الجديدة لشركة ماريوت في الشرق الأوسط إلى 39 منشأة. والمشاريع الجديدة التي تتوقعها الشركة تزيد عدد الغرف لمشاريعها المقبلة عن 134 ألف غرفة، ربعها موجود خارج شمال أميركا.
وفي منطقة الشرق الأوسط، تتمثل ماريوت العالمية بست علامات هي الريتز-كارلتون، وفنادق ومنتجعات جي دبليو ماريوت، وفنادق ومنتجعات ماريوت، وفنادق ومنتجعات رينيسانس، وكورتيارد من ماريوت وشقق ماريوت الفندقية. وتشمل المنشآت الجديدة التي ستضاف إلى ماريوت العالمية أول منتجع لنادي ماريوت العالمي للعطلات، في الشرق الأوسط، وهو قسم تقاسم الوقت أو ما يعرف بتايم شير.
وقد أعلن بمناسبة القمة العالمية عن عدد من الاتفاقيات الجديدة للشركة في المنطقة من بينها: اتفاق في الإمارات العربية المتحدة شمل عقدين تطويرين: الأول مع شركة الدار العقارية لإدارة فندق رينيسانس المكون من 411 غرفة وفندق كورتيارد المكون من 195 غرفة في أبوظبي على أن يتم افتتاحهما في العام 2011. وفي دبي، عقد مع مجموعة الفطيم لافتتاح منتجع نادي ماريوت العالمي للعطلات المتوقع افتتاحه في العام 2011 في دبي فستيفال سيتي.
وفي مصر بين ماريوت العالمية وشركة كونكورد للتطوير السياحي لإدارة منتجع ماريوت في مرسى علم المكون من 250 غرفة ويتوقع افتتاحه في العام 2011. وفي المملكة العربية السعودية:اتفاق بين ماريوت العالمية وشركة فواز عبد العزيز الحكير وشركاه لإدارة خمس منشآت وتتضمن فندق ماريوت المكون من 250 غرفة وشقق ماريوت الفندقية المكونة من 50 وحدة في الدمام، وفندق الريتز-كارلتون المكون من 250 غرفة ومساكن الريتز ـ كارلتون المكونة من 100 وحدة في الرياض، وفندق كورتيارد المكون من 220 غرفة في جبيل، ويتوقع أن تفتتح كلها في العام 2011.
كتب إبراهيم توتونجي



