في عصر الفضاء المفتوح كثرت البرامج الحوارية أو الـ (توك شو) بشكل لافت، وازدادت حدة المنافسة بينها لجذب أكبر شريحة من المشاهدين، فتارة تراها مثيرة وأخرى تروج لنفسها عن طريق اجترار آلام الناس ومعاناتهم، وثالثة تكشف عن بعض العورات المسكوت عنها، فيما طفت مؤخرا على السطح وثيقة الإعلام لكبح جماح ال(توك شو) في وقت تتسم فيه هذه النوعية من البرامج في الغرب بالحرفية والمهنية، فيما تحتاج برامجنا إلى فريق إعداد جيد يعكس عمقا في الطرح، تفاصيل أوفى تعكسها السطور التالية.
يقول الإعلامي الكبير حمدي قنديل ظهرت برامج الـ (توك شو) في محطات التلفزيون العربية منذ سنوات عدة مع دخول التلفزيون إلى العالم العربي إلا أنها لم تلفت الأنظار كثيراً، من ناحية لأنها كانت تذاع عندئذ في محطات حكومية سقف الحرية فيها محدود للغاية، ومن ناحية أخرى لأنها كانت محلية الطابع، وعندما دخلنا عصر الأقمار الصناعية، وبدأ ظهور القنوات الفضائية التي كانت خاصة في معظمها ازدهرت الـ (توك شو) بسبب حمى المنافسة لاستقطاب الجمهور، وبالتالي استقطاب المعلنين وأصبحت هذه القنوات تستقطب إعلانات تفوق في كثير من الأحيان المسلسلات أو حتى في برامج المنوعات والمسابقات.
الالتزام بالحياد
ويؤكد قنديل ان معظم البرامج تدعي أنها تلتزم بالحيادية والموضوعية، والواقع أن أياً منها لا يلتزم الحياد ويجاهد بقدر أو آخر من النجاح في الوصول إلى الموضوعية، وأهم العوامل المؤثرة في رأيي سياسة القناة التي تتأثر أصلاً بملكيتها وهنا نلحظ أن قبضة السلطة الغليظة في القنوات الحكومية قتلت روح المبادرة في معظم برامج الـ (توك شو) ان لم تكن جميعها، لذلك لا يكاد يذكر المشاهد أيا منها.
أما القنوات الخاصة، وان كانت في معظمها تخضع للضغوط الحكومية، إلا انه لم يكن أمامها للاستمرار في السوق إلا أن تقدم شيئاً جديداً مختلفاً، لذلك بدأنا نسمع من خلالها الرأي الآخر، المعارض الصريح، أو المعارض المستأنس، والدافع الأول حتى الآن لتقديم الرأي الآخر هو الحصول على أكبر حصة من كعكة الإعلانات، أي أنه تجاري في المقام الأول، مهما تم تغليفه بشعارات جذابة، مثل الالتزام بالحرية، أو تقديم خدمة إخبارية متكاملة للمشاهد.
أما لبنان فينفرد بوضع خاص، إذ أنه البلد العربي الوحيد الذي تتبع قنواته وفي معظمها، وبشكل سافر أحزاباً واتجاهات سياسية، فعلى جانب المعارضة توجد قناة لحزب الله، وأخرى لكتلة الرئيس بري، وثالثة للعماد عون، أما الموالاة فتمثلها المستقبل و(ال بي سي)، وينعكس ذلك على الـ (توك شو) وغيرها من البرامج بوضوح، فهي في معظمها مجرد أبواق لهذا الاتجاه السياسي أو ذاك، وفي العادة لا يقبل عليها إلا أتباع هذا التيار أو ذاك، حيث يجدون فيها ما يعزز معتقداتهم السياسية.
ولكن هذا لا يمنع أن تكون معظم القنوات الفضائية، سواء داخل لبنان أو خارجه، خاضعة أيضا لنفوذ حكومات عربية خارج القطر الذي تبث منه، وهنا لا يمكن إغفال النفوذ السعودي الطاغي في مجال الفضاء إذ إن رأس المال السعودي أول من استثمر في هذا المجال بمؤسسات كبرى مثل ال mbc والـ art والاوربت بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر في قنوات أخرى، إلا أن قناة الجزيرة كسرت الاحتكار الفضائي، ثم إن هناك قنوات أجنبية بلسان عربي وان كان تأثيرها يظل ضئيلاً.
اختراق كبير
ويوضح قنديل انه مهما كان الأمر فان برامج ال(توك شو) أحدثت اختراقاً كبيراً في الخطوط الحمر والقيود الرقابية إلا أن الحكومات لاتزال لها سطوتها سواء بالقمع المباشر أو بمختلف أنواع الضغوط ترهيباً أو ترغيباً ذلك أن معظم أصحاب القنوات التلفزيونية الخاصة من كبار رجال الأعمال الذين يرتبطون ارتباطاً عضوياً بالسلطة، ويسعون إلى نفاقها أو على الأقل يخشون سطوتها، للأسف نحن المشاهدين ضحايا لزواج السلطة برأس المال.
من الطبيعي أن تكون هناك كل يوم أو كل أسبوع أحداث طاغية، وهذه الأحداث هي التي تفرض الموضوعات التي تتعرض لها برامج الـ (توك شو)، وتفرض في كثير من الأحيان شخصيات الضيوف، هنا يقابل منتجو هذه البرامج عادة السؤال الأبدي: هل نختار ضيفاً موثوقاً من قدرته على التفكير والتعبير ضيفاً تم تجريبه من قبل لدينا أو لدى غيرنا أو إننا نغامر ونستضيف وجوهاً جديدة ونتحمل عندئذ النتائج مهما كانت.
وفي العادة فالغلبة دائما للقنوات التي لديها مراسلون في عواصم عديدة يستطيعون (اكتشاف) الوجوه الجديدة، ولديها صلات واسعة وإمكانيات مادية تتيح لها جلب أي شخص تريده من أي مكان بالعالم سواء إلى الأستوديو أو عبر الأقمار الصناعية.
المستوى المهني
وعن وصول مستوى برامج «التوك شو» العربية إلى المستوى العالمي، يرى قنديل انه لا يوجد شيء اسمه مستوى عالمي بالنسبة لهذه البرامج..العالمية هنا يمكن أن تعني المستوى المهني، وفي هذا الصدد فقد وصلنا إلى مستويات راقية جدا، أما التحدي الحقيقي فهو النجاح في اجتذاب أعرض جمهور عربي ممكن من الخليج للمحيط. وعن الوثيقة العربية لتنظيم الفضائيات أكد قنديل أنها وثيقة فاضحة لقمع الإعلام وإسكاته، ليت المقصود بها قنوات الشعوذة والدجل والدعارة والفتاوى الجاهزة للأسف.
فإن المقصود بها بشكل مباشر برامج «التوك شو» بالذات وبالرغم من ان الوثيقة ليست ملزمة حتى الآن إلا أنها ملهمة، فقد فتحت الباب أمام الحكومات لتضغط على هذه البرامج حتى تخفف من حدتها، كما رأينا في مصر وسوف تنجح الحكومة المصرية وغيرها من الحكومات العربية في الضغط على برامج الـ (توك شو) في المدى القصير.
أما في المدى البعيد فإن التكنولوجيا هي التي ستفسد كل خطوط القمع الحكومية، هناك الآن القنوات الفضائية العابرة للحدود، وهناك مواقع الانترنت، وهناك الهاتف الجوال الذي يستخدم من سنوات لإجراء المقابلات من بلدان أخرى، وهناك غدا التزاوج الذي سيحدث بين تقنيات الإعلام وتقنيات الاتصال الذي سيفتح الباب أمام انفكاك برامج التلفزيون كلها من كل القيود.
على قدم المساواة
طالب كنعان مقدم برنامج (حوار العرب) على قناة العربية أكد أن هناك بعض برامج الـ (توك شو) العربية تقف على قدم المساواة مع ربيبتها الغربية سواء في الطرح أو المضمون، حيث تتوفر لديها الإمكانات المادية والفنية والكوادر المؤهلة والمدربة، رغم وجود بعض البرامج التي تنحدر إلى مستوى الإسفاف في تناولها.
لكن في المجمل برامج «التوك شو» الغربية تعد أكثر حرفية ومهنية من حيث معالجة القضايا حتى لو كانت بنظرنا في الدرك الأسفل من أولوياتنا، فهم يعرفون كيف يستفيدون من كل دقيقة في البرنامج، وعلينا مراعاة أن لكل مجتمع ظروفه وطبيعته وقضاياه، وكذلك خصوصيته فـ 90% من مشاكلنا تختلف عن مثيلتها الغربية، فمثلا هم يهتمون بظواهر الاحتباس الحراري، المناخ، الاستنساخ، والقضايا البيئية.
ودائما ما يبعدون عن لغة الخطاب الشعبي في الحوار، وبالطبع ليست عندهم موضوعات محرمة، فللبرنامج الحق في تناول كل شيء، والأمر جلي في مسألة الرسوم المسيئة للرسول الكريم كذلك في فيلم النائب الهولندي غيرت فيلدرز (فتنة) المناهض للإسلام فهم يعزون ذلك إلى مبدأ حرية الرأي رغم اختلافنا معهم، أما نحن فـ 50% من الموضوعات يحرم علينا مناقشتها أو تناولها من بعيد، وبرامجنا أسيرة القضايا العربية الكبرى، كالعراق وفلسطين والعراق ودارفور وغيرها، ومعظم برامجنا سلطوية وموجهة حيث مازالت نسبة كبيرة من القنوات لم تنسلخ بعد عن عباءة الحكومة.
ولفت كنعان إلى أن من دواعي نجاح برامج الـ (توك شو) جماعية الأداء في فريق العمل لأنه عبارة عن اوركسترا متكاملة تقضي شهرا كاملا من اجل إخراج ساعة مشاهدة للجمهور، ودور المقدم أن يبذل قصارى جهده من أجل أن يخرج هذا العمل في حلة أنيقة، وتقسم برامج الـ (توك شو) إلى فئتين الأولى جيدة تحترم عقلية المشاهد وذوقه، وتقدم المادة الإعلامية بطريقة راقية، والفئة الأخرى رديئة تخاطب الغرائز وتعتمد على الإثارة.
فأنا كمقدم برامج لا يمكن بأي حال أن أقدم برنامجاً يحض على الشذوذ الجنسي ويدعو إلى الرذيلة فبعض الفضائيات ومن يديرونها يسيئون استخدام مثل هذه البرامج، ويهدفون إلى تحقيق الربح، وهذا ليس معناه أن الهدف التجاري من هذه البرامج ليس مشروعاً، فهناك بعض برامج «التوك شو» تحقق طرفي المعادلة، ربحية كبيرة وفي نفس الوقت ترضي أذواق المشاهدين.
الإعداد والتدريب
وتقول الدكتورة حصة عبدالله لوتاه أستاذ الإعلام بجامعة الإمارات عضو المجلس الوطني للإعلام: للأسف الكثير جداً من برامج الـ (توك شو) لا يوجد فيها عمق في تناول القضايا، ولا يتوفر فريق إعداد مكون من باحثين ومؤهلين ومدربين، وما يقدم من قضايا يكون لمجرد الإثارة، ومن الخطأ أن يقاس نجاح البرنامج بنسبة المشاهدة العالية فهذا الأمر ليس صحيحاً من الناحية الإعلامية.
لأن الكثير من هذا الجمهور يشاهد هذه البرامج من اجل التسلية والمتعة، فهي لا تفضل مشاهدة برنامج جماهيري على إحدى الفضائيات المحلية معتقدة انه يتناول قضايا يسوق بها لنفسه عن طريق آلام البشر وترى أن برنامجا محليا آخر ينطوي على بعض المبالغة في التقديم ويحتاج إلى باحثين في فريق العمل وإلى المزيد من الجهد حتى يأخذ مكانة متميزة.
فبرامج الـ (توك شو) من المفروض ان تكون شكلا من أشكال العلاج النفسي للبشر وتكون بمثابة ناقلات للتغيير الايجابي في المجتمع. كما تعيب لوتاه على بعض مقدمي هذه البرامج الاهتمام بتلميع أنفسهم بل الأمر يصل إلى درجة أنهم يتكلمون أكثر من ضيوفهم. وفي العموم أصبح من النادر أن نرى برنامج (توك شو) جيدا يرضي المشاهد ويكون محل احترام الجميع.
كلام نواعم
أما هدى حمدان مقدمة برنامج (حظ ونصيب) على شاشة سما دبي فتشير إلى أن هناك مجموعة من برامج ال(توك شو) التي يلتف حولها جمهور عريض كـ ( كلام نواعم) على الـ mbc والعاشرة مساء على قناة دريم وكثيرا من البرامج الأخرى التي تحترم المشاهد وتخاطب عقله وتبحث في همومه وشجونه في إطار منظومتنا القيمية وعاداتنا وتقاليدنا.
وحذرت حمدان من البرامج الاستهلاكية التي تقدم يوميا على الفضائيات ما يجعلها تتخندق في زاوية ضيقة تؤدي لتكرار القضايا والضيوف ما يقود المشاهد إلى الضجر من هذه البرامج. فأفضل برنامج (توك شو) في العالم هو برنامج (أوبرا ويفري شو) الذي تقدمه أوبرا ويفري ويشاهده الملايين وأصبحت من خلاله ويفري ملكة الإعلام في العالم لأنه يتناول جميع القضايا الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
ونجاحها هذا يدل على قيمة المحاور ومقدم البرنامج الذي لابد أن يتسلح بمهارات خاصة ويعتمد على التشويق وعرض لكل المشاكل بهدف إيجاد حلول لها لا من أجل الإثارة من قبيل الإثارة فقط ودعت إلى ضرورة الاستفادة من مساحة الحرية الموجودة في طرق كل قضايانا التي كان مسكوتا عنها في السابق، ويجب ألا نغرس وجوهنا في الرمال ولا تتناولها هذه البرامج.
المقدم نفسه المعد
بخصوص دور مقدم برنامج يرى حمدي قنديل أنه لا يستطيع ان ينتشل برنامجا فاشل الإعداد.. الإعداد يأتي في المقام الأول فهو القاعدة التي يبنى عليها نجاح البرنامج وهنا لا اقلل من دور مقدم البرنامج فهو أولا وأخير الواجهة وبيده مفاتيح عديدة أولها جاذبية الشخصية (الكاريزما) والمصداقية لدى الجمهور .
وبالإضافة إلى ذلك الكفاءة المهنية التي تتجلى خصوصا في المواقف الطارئة..الوضع المثالي هو أن يكون مقدم البرنامج معده الأساسي، وان يكون إلى جانبه مساعدون لجمع المعلومات وإعداد الملفات الخاصة وطرح الاقتراحات وما إلى ذلك.



