قفزت عقود الأرز الآجلة في السوق الأميركي لترتفع بأقصى حد تسمح به لوائح التعامل خلال يوم حيث دفع الاضطراب العالمي بشأن نقص الغذاء الطلب على الأرز إلى حد يتسم بالذعر. وقال متعامل في بورصة شيكاغو «الأرز خرج عن السيطرة. الجميع قلقون بشأن الغذاء وأسعار الغذاء الآن».
وارتفعت عقود الأرز تسليم مايو إلى مستوى قياسي عند 30. 23 دولارا لكل مئة رطل وهي زيادة هائلة تعادل 127 في المئة مقارنة بعام مضى وتعادل 64 في المئة منذ بداية عام 2008. وقالت وزارة الزراعة الأميركية إن مبيعات التصدير من الأرز الأسبوع الماضي بلغت أعلى مستوى في خمسة أشهر. واتجه نحو نصف المبيعات إلى الفلبين اكبر مستورد للأرز في العالم. وأصبحت اندونيسيا الأسبوع الماضي احدث دولة تفرض قيودا على تصدير الأرز لتنضم إلى الهند ومصر وفيتنام وهي ثاني اكبر مصدر في العالم.
وسرقت أزمة أسعار الغذاء الأضواء من الأحداث السياسية، وبلغ الاضطراب العالمي بشأن نقص المواد الغذائية حد أن وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس قالت إن الولايات المتحدة تأمل أن تعلن عن خطوات جديدة خلال الأسابيع القادمة للمساعدة في تخفيف نقص الغذاء في أنحاء العالم. وأضافت «الزيادة السريعة في أسعار الغذاء العالمية مبعث قلق ملح».
وأكد رئيس صندوق النقد الدولي دومينيك شتراوس كان أن القادم قد يكون أسوأ بالنسبة لأزمة الغذاء في العالم في ظل الارتفاع الكبير لأسعاره. وقال كان في تصريحات لإحدى الإذاعات الفرنسية قد يكون الأسوأ في هذه الأزمة لم يأت بعد، وسوف يتأثر بها مئات الملايين من البشر. وأضاف رئيس صندوق النقد الدولي الفرنسي الجنسية أن الأزمة يمكن أن تؤدي إلى الإطاحة بحكومات منتخبة ديمقراطيا حتى لو كانت تطبق سياسات صحيحة.
وأشار كان إلى احتمال اشتعال حروب إقليمية بسبب ارتفاع أسعار بعض المنتجات الغذائية مثل الذرة والأرز والقمح قائلا :التاريخ مليء بحروب بدأت بسبب أحداث من هذا النوع كانت أسعار الغذاء المرتفعة قد أدت إلى اشتعال أعمال عنف في العديد من الدول مثل مصر وهايتي. وقد أدى الارتفاع الكبير لأسعار المواد الغذائية والطاقة الأسبوع الماضي إلى اندلاع اضطرابات خصوصا في مصر وهايتي وكذلك إضراب عام في بوركينا فاسو.
وأعلن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الجمعة أن فرنسا ستضاعف اعتبارا من هذه السنة مساعدتها الغذائية برفعها إلى 60 مليون يورو لعام 2008 من اجل مواجهة الأزمة الغذائية العالمية. وشدد ساركوزي على الضرورة الملحة للتحرك من اجل تعزيز الأمن الغذائي في وقت تشهد فيه 37 دولة أزمة غذائية خطيرة جدا. قائلا: لا يمكننا البقاء غير مبالين بانتفاضة أولئك الذين لم يعد باستطاعتهم سد جوعهم في بلدان الجنوب».
وأكد أن فرنسا تعتزم الإسهام بنشاط في حل الأزمة، ولمواجهة الوضع الملح ستضاعف اعتبارا من هذه السنة مساعدتها الغذائية برفعها إلى 60 مليون يورو لعام 2008، أي قرابة المئة مليون دولار أميركي. من جهة أخرى حذر هنري روييه دورفوي رئيس منظمة التنسيق- جنوب، التي تتولى التنسيق بين المنظمات غير الحكومية الفرنسية للتضامن الدولي في حديث تنشره صحيفة ليزيكو الفرنسية من أن العالم يتجه نحو أزمات غذائية وعلى الأرجح نحو مجاعات في بعض المناطق.
وعندما سئل عن الأزمة الغذائية العالمية قال هذا المسؤول إن إلغاء الديون التي تم التفاوض بشأنها أخيرا لنحو ثلاثين دولة قد لا يكون له أي مفعول أمام ارتفاع فاتورة الطاقة والغذاء. وأوضح أن ارتفاع الأسعار اليوم يضع المستهلكين في المدن بوضع صعب كما تدل على ذلك الاضطرابات التي جرت لتوها في مدن العديد من الدول.
وفي سياق متصل قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إن السياسات الزراعية السيئة وتغير العادات الغذائية في البلدان النامية هي المسؤولة أساسا عن ارتفاع أسعار الغذاء وليس إنتاج الوقود الحيوي كما يقول بعض المنتقدين. وكانت الجماعات المدافعة عن البيئة والجماعات الإنسانية صعدت من حملتها ضد الوقود الحيوي قائلة انه يحول الإنتاج بعيدا عن الغذاء والأعلاف الحيوانية بينما يساهم في الارتفاعات الحادة في أسعار الحبوب ومنتجات الألبان.
لكن ميركل ودولتها أكبر منتج في أوروبا للوقود الحيوي قالت ان ارتفاع أسعار الغذاء لا يرجع أساسا إلى إنتاج الوقود الحيوي وإنما إلى قصور السياسات الزراعية في البلدان النامية، وكذلك إلى التوقعات غير الوافية لتغير العادات الغذائية في الأسواق الناشئة. وقالت ميركل من يسافر إلى الهند هذه الأيام سيلاحظ أن النقاش الرئيسي يدور حول الوجبة الثانية.
ومضت تقول: الناس يأكلون مرتين في اليوم وإذا كان ثلث الشعب الهندي البالغ تعداده مليار نسمه يفعل ذلك فهؤلاء عددهم 300 مليون نسمة. ذلك جزء كبير من أوروبا الغربية. وأضافت مشيرة إلى القيود التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على منتجات الألبان إذا استهلكوا فجأة طعاما يعادل مثلي ما كانوا يستهلكونه وإذا بدأ 100 مليون صيني في شرب الحليب أيضا فإن حصص الحليب لدينا ستقل.
والوقود الحيوي الذي يعتبره المؤيدون وسيلة لزيادة أمن الطاقة وتقليل انبعاثات الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري ينتج أساسا من حاصلات غذائية مثل الحبوب والبذور الزيتية والسكر. ويقول منتقدون إن هناك القليل من المزايا البيئية لما يسمى بالجيل الأول للوقود الحيوي إن كانت هناك أي مزايا.
كما يحملونه مسؤولية تزايد الطلب على الحبوب ورفع الأسعار في وقت يتعاظم فيه خطر المجاعة في بعض أنحاء العالم. وقالت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إن الوقود الحيوي أحد المحركات الرئيسية لتوقعات زيادة أسعار الحبوب بنسب تتراوح بين 20 في المئة و50 في المئة بحلول عام 2016.
ومن جانبه قال مسؤول في صندوق النقد الدولي إن أسعار الغذاء المرتفعة تدفع الدول الإفريقية إلى فرض إجراءات حمائية قد تقلص المستويات المنخفضة بالفعل للتجارة في القارة وتضر بنموها الاقتصادي. وقال اليكس سيجورا الممثل المقيم للصندوق للسنغال وجامبيا إن صندوق النقد الدولي يشعر بالقلق من الآثار على الاستقرار من الارتفاع في تكاليف المعيشة في إفريقيا هذا العام بعدما هزت احتجاجات عنيفة الدول من موريتانيا إلى الكاميرون.
وحظرت غينيا في وقت سابق تصدير كل أنواع المواد الغذائية والنفط والأخشاب في محاولة لتحقيق الاستقرار في أسعار السلع الأساسية. وارتفعت تكلفة الأرز في العاصمة كوناكري إلى المثلين منذ يناير. وقتل أكثر من 130 شخصا في احتجاجات العام الماضي أثارها ارتفاع أسعار الغذاء.
وقال سيجورا إن صندوق النقد يتوق إلى مساعدة الحكومات التي تقلص الإنفاق الإداري غير الضروري وتركز على الميزانيات الأساسية للصحة والتعليم وحث الدول الإفريقية على عدم الاعتماد على حظر صادرات المواد الأساسية. ولدى سؤاله عما إذا كان هناك خطر لظهور موجة من الإجراءات الحمائية في إفريقيا رد سيجورا قائلا نعم بعض الدول التي تصدر منتجات مثل الأرز والقمح استحدثت قيودا على التصدير في صورة ضرائب باهظة على الصادرات.
وأضاف لهذا الأمر اثر مزدوج.. انه يقلص تدفقات التجارة وهي مصدر مهم للنمو الاقتصادي ويشوه الأداء العادي للاقتصاد. ورغم وجود 14 كتلة تجارية متداخلة في إفريقيا يوجد في القارة أدنى معدل للتجارة الداخلية بين مناطق العالم ويقل عن عشرة في المئة من الإجمالي العالمي. وتشكو الشركات من أن ارتفاع الجمارك ورداءة الطرق تجعل التجارة على القارة أمرا صعبا.
وفي آسيا لم تظهر أي بادرة على انحسار مشاعر الأزمة بشأن الأرز مع صعود سعر القياس العالمي عشرة بالمئة في أسبوع واحد فقط مؤججا المخاوف من صعوبات سيكابدها الملايين في أنحاء آسيا لشراء غذائهم الأساسي. وفي مؤشر واضح على ضغوط الإنتاج بعدما بدأ كبار المصدرين كبح الصادرات في وقت سابق هذا العام لم يجتذب عطاء من الفلبين أكبر مستورد للأرز في العالم عروضا سوى لبيع نحو ثلثي الكمية المطلوبة وقدرها نصف مليون طن.
وفي بانكوك سجل الصنف «ب» من الأرز الأبيض التايلاندي الذي يعد السعر القياسي العالمي 950 دولارا للطن أي ثلاثة أمثال سعره مطلع العام 2007. وقال جيري لوسون رئيس مجلس إدارة شركة صن رايز الاسترالية للأرز «شاع مفهوم خاطئ بأن العالم يستطيع إنتاج كميات الغذاء التي يريدها. من الواضح أنه لا يستطيع. واسيا لا تستطيع إطعام نفسها الآن.
خلل في موازين التجارة العالمية
قالت منظمة التجارة العالمية في تقرير إن نمو التجارة العالمية ربما يتراجع إلى 5. 4% خلال العام الحالي 2008 نتيجة للتباطؤ الاقتصادي الحاد في كبرى دول العالم المتقدم. وقال خبراء الاقتصاد بمنظمة التجارة إن النمو تراجع من 5. 8% عام 2006 ليصل إلى 5. 5% عام 2007 وفقا لتقديرات أولية رغم أن التقلب الحاد في الأسواق أعاق وضع توقعات. واتسمت توقعات العام الحالي بمزيد من التشاؤم لاسيما وأن النمو القوي المستمر في الاقتصاديات الناشئة خلال العام سيكون هو السبب الوحيد الذي يؤدي جزئيا إلى تعويض تباطؤ اقتصاديات الدول المتقدمة.
ويتوقع أن تشهد اقتصاديات الدول المتقدمة تراجعا في النمو بنسبة 1. 1% فيما يتوقع أن يرتفع النمو أكثر من 5% في الدول النامية. وقال مدير المنظمة باسكال لامي إن «هذه أمور غير مؤكدة وتحدث اضطرابا للاقتصاد العالمي». وأضاف أنه «حتى الآن فإن اضطراب أسواق المال والارتفاع الكبير للأسعار وتباطؤ اقتصاديات الدول المتقدمة لم يؤد إلى حدوث اضطراب في التجارة. لكن الضغوط الحمائية تتزايد في ظل سعي متخذي القرار لحل المشاكل التي تواجهنا».
وقال إن هناك حاجة متزايدة عن ذي قبل لتعزيز نظام التجارة العالمي مع توفير شفافية أكبر مشيرا إلى أن أفضل سبيل لذلك هو التوصل لاتفاق بشأن جولة الدوحة لمفاوضات تحرير التجارة العالمية. وقال إن «وقت الاستعراض والتأخير قد انتهى، وأن ما نحتاجه الآن هو اتخاذ إجراء».
واستمرت صورة التجارة العالمية خلال العام الماضي 2007 بتراجع الطلب بالدول المتقدمة مقابل زيادة كبيرة في أسعار السلع فضلاً عن التغيرات الكبيرة في أسعار صرف العملات الرئيسية. وقال تقرير منظمة التجارة العالمية إن أكبر العقبات تعترض النمو خلال العام الحالي هي احتمالات الركود في الولايات المتحدة وضعف الطلب في أوروبا واليابان وزيادة معدلات التضخم وتراجع أسواق الأسهم العالمية.
وفي المقابل، توقع التقرير أن تشهد الدول النامية ناتجا ونموا تجاريا قويا في الدول النامية ودول الكومنولث المستقلة رغم تباطؤ الطلب في أسواق رئيسية في العالم المتقدم وإمكانية أن يحد تزايد الضغوط التضخمية من ذلك النمو.
نهم الشراء يعزز الاتجاه الصعودي
قال محللون إن الطلب من مستوردين كبار آخرين مثل إيران التي من المتوقع أن تحاول شراء حتى مليون طن من الأرز التايلاندي هذا العام سيواصل دفع الأسعار صعودا. وقال باكا أون تيباياتاناداجا محلل سوق الأرز لدى مركز أبحاث كاسيكورن في بانكوك «ستكون هناك إيران واليابان وجولة أخرى من العطاءات في الفلبين مما سيعزز الأسعار. إنني واثق من أننا لن نرى أسعار الأرز التايلاندي عند 300 دولار للطن ثانية».
وتفرض الزيادة غير المسبوقة التي قال بعض المحللين انها ستتواصل خطرا متناميا على حكومات المنطقة القلقة بشأن احتمالات الاكتناز والقلاقل الاجتماعية. ويجاهد صناع السياسات في مواجهة تأثير ارتفاع أسعار المواد الغذائية على التضخم والذي يتضافر مع أسعار قياسية للنفط الخام عند 115 دولارا للبرميل.وتحث الحكومات في بلدان منتجة مثل تايلاند وثاني أكبر بلد مصدر فيتنام المزارعين على زراعة كميات إضافية لكن ستمر عدة شهور قبل أن يصل المعروض الجديد إلى السوق.
