دفعت الأسعار المتصاعدة للسلع الزراعية والخشية من نقص في المخزون المحلي لبعض الحكومات إلى فرض قيود صارمة على الصادرات. غير أن هذه الخطوة الاحترازية من جانبها قد تطيل أمد الأزمة الغذائية العالمية، وربما تزيدها استفحالاً.
وقالت صحيفة «فاينانشيال تايمز» اللندنية إن بلداناً مثل الأرجنتين والهند كازاخستان وفيتنام منعت مزارعيها من بيع محاصيلهم إلى الخارج، أو أنها فرضت ضرائب باهظة في مسعى منها للإبقاء على وفرة تلك المحاصيل في أسواقها المحلية، وللمحافظة على انخفاض أسعار تلك المواد الغذائية.
وهذا يعني برأي الصحيفة أن المزارعين لا يستفيدون من الأسعار العالمية القياسية، وفي الوقت نفسه فإن هؤلاء يواجهون مصاريف عالية على صورة أثمان غالية لوقود الديزل والبذور والأسمدة. والنتيجة أن هؤلاء المزارعين قلصوا الرقع الزراعية المخصصة لتلك الغلال.
وهذا الأمر بطبيعة الحال أطلق أجراس الإنذار في الدول المتقدمة حيث أصدر بيتير ماندلسون المفوض التجاري للاتحاد الأوروبي تحذيرا قال فيه إن ضرائب الصادرات ونظام الحصص والحظر قد تخنق الإنتاج المحلي.
ومن جانبه قال رويفانغ جانغ المحلل الزراعي في جولدمان ساكس في لندن، إن حظر الصادرات والزيادات الضريبية المفروضة قد تعيق الاستثمار ونمو الواردات التي هي بأمس الحاجة في المناخ الحالي، لحل مشكلة الاختلال العالمي في الزراعة العالمية، نظراً للطلب القوي في السنوات الأخيرة.
وفي الأرجنتين، ثالث كبرى دول العالم تصدير فول الصويا وسادس أكبر مصدري غلال القمح تبلغ الأسعار المحلية نصف مستواها في السوق العالمية، وهذا معناه أن المزارعين الأرجنتين سيحصدون محاصيل 15 في المئة أقل في هذا الموسم، نتيجة لتأثيرات ضرائب الصادرات، وغياب الرؤية عن الوقت الذي سترفع به الحكومة القيود على الصادرات، وفقاً لمتعاملين ومزارعين.
وفي هذا الصدد قالت «أليسيا يوربكارييت» من المعهد الاقتصادي للأبحاث في «سوسيداد رورال» أكبر اتحاد للمنتخبين في الأرجنتين إن من سوء الحظ أن ترتفع أسعار القمح في الأسواق العالمية، دون أن نجد فرصة للإفادة منها.
وأضافت «ان موسم زراعة القمح في الأرجنتين سيبدأ خلال ثلاثة أسابيع» وبتقديرها أن نقصاً مقداره 15 في المئة في المناطق المزروعة لا محالة واقع. وكانت الأرجنتين أنتجت 8. 15 مليون طن من القمح بين عامي 2007 ـ 2008، وأن انخفاضاً نسبته 15 في المئة في التلال المزروعة. سيقلص ذلك إلى 4. 13 مليون طن.
وكانت الحكومة الأرجنتينية الأولى بين منتجي السلع الرئيسيين التي استخدمت التعرفات الجمركية لمحاولة تحصين سوقها عن تأثيرات الأسعار العالمية المتصاعدة. لكن الحكومة ولسوء الحظ المزارعين كانت فرضت نظاماً ضريبياً تنازلياً جديداً، حدد بصورة أساسية الأسعار القصوى حين رد المنتجون على ذلك، بإضراب شل البلاد استمر 21 يوماً، تسبب في نقص حاد في المواد الغذائية، وارتفاعاً في الأسعار.
ومما زاد الطين بلة بالنسبة للمزارعين في البلدان التي فرضت قيوداً على الصادرات والأسعار هي الزيادة الكبيرة في أسعار الديزل، والأسمدة وغيرها من مدخلات الإنتاج. كما أن كلفة تلك المدخلات لا تتم السيطرة عليها بنفس الطريقة التي قيدت بها الصادرات. ولقد قفزت أسعار البذور في الأرجنتين بحدود 95%، مقارنة بالموسم السابق، وفقاً لبورصة بوينس آيرس للحبوب.
كما ارتفعت أسعار بذور الذرة بنسبة 46%، وفول الصويا 51%، وبذور عباد الشمس 56%. وقفز سعر طن سماد النتروجين، وهو السماد الحيوي لمحاصيل مثل الذرة إلى 410 دولارات للطن، مقارنة ب300 دولار للطن في العام الماضي.
كما ارتفعت أسعار الأسمدة بنحو 200% خلال السنوات الخمس الماضية وفقاً لمتعاملين، وفي بعض البلدان، خصوصاً تلك التي تحدد أسعارها، قلص المزارعون من استخدامهم للأسمدة، فقد استخدم المزارعون الباكستانيون هذا الموسم نحو 600 ألف طن من الأسمدة، أقل من نصف الكمية المستخدمة منذ عام. ونتيجة لذلك توقعت الحكومة محصولاً من القمح لا يتجاوز 22 مليون، أقل من 24 مليون طن توقعتها عندما بدأ المزارعون موسم الزراعة في سبتمبر الماضي.
وكان «أجيت نيفارد كاربرال» محافظ البنك المركزي السريلانكي، أبلغ صحيفة «فاينانشيال تايمز» بأن الحكومات الآسيوية في محاولة خفض أسعارها المحلية لأن مثل تلك السياسة تحول دون كسب المزارعين للقمة عيش شريفة، وتمنعهم من زيادة مساحات رقعتهم الزراعية.وأضاف «ان المزارعين سيزدادون قوة، وهو أفضل حافز لمعالجة المشكلة التي تواجهها»، لكنه أقر بأن الحكومات أخفقت في استشعار التأثيرات بعيدة المدى، بسبب اعتبارات قصيرة المدى.
ترجمة: وائل الخطيب
