قالت صحيفة «انترناشونال هيرالد تريبيون»، إن انفجار فقاعة الإسكان في الولايات المتحدة، تحوّل إلى ظاهرة عالمية إذ اتجهت أسعار العقارات نحو الانحدار زحفاً من الريف الايرلندي، إلى الساحل الإسباني، ومن مرافئ البلطيق البحرية، إلى عمق الأراضي الهندية. وهذا التباطؤ العالمي المتزامن الذي ازداد إطباقاً في الشهور الأخيرة أخذ يكبل عجلة النمو الاقتصادي العالمية، ملقياً بظلاله ليس على المنازل فحسب وإنما على الوظائف أيضاً.

ففي ايرلندا وإسبانيا وبريطانيا وغيرها من الأماكن انهارت أسواق الإسكان، التي انتعشت خلال العقد الماضي من الزمن، إلى الحضيض. ويتوقع بعض الخبراء أن تواجه بعض البلدان مثل ايرلندا ظروفاً أكثر رداءة من الولايات المتحدة، مع إمكانية تحول ذلك الهبوط السعري إلى انهيار شبه كامل. وقالت الصحيفة، إن مشاكل العالم ناجمة إلى حد ما عن انتقال العدوى الأميركية، فمع انكماش التمويل السكني والائتماني على خلفية الأزمة التي بدأت في سوق الرهن العقاري الأميركية، أعرب بعض المحللين عن خشيتهم من أن بلداناً أخرى قد تعاني من تخلف السداد وحبس الرهون التي عصفت بكاليفورنيا وفلوريدا، وولايات أخرى.

وتعقيباً على ذلك، قال «مايكل بول»، استاذ الاقتصادات الحضرية والعقارية في جامعة يونغ في انجلترا الذي يدرس أسعار المنازل «إن المشاكل في الولايات المتحدة تنتقل إلى أوروبا»، مضيفاً إن ما يجري الآن، هو أكثر ضراوة مما كنا نتوقعه. وبالنسبة لبلدان مثل ايرلندا حيث كانت الأسعار أكثر تضخماً من الولايات المتحدة، فقد كانت ثقافة مؤلمة حيث تعلم أصحاب المنازل لغة البؤس الأميركية.

وهذا الواقع آخذ في الانتشار، فأسواق المنازل التي كانت تضج بالحيوية يوماً في أوروبا الشرقية راحت تنخفض بسرعة، مع توقف الأوروبيين الغربيين المتوترين عن شراء العقارات والاستثمارات في وارسو واستونيا، ولو غصنا في الشرق قليلاً، في الهند والصين، فإن الأسعار توقفت عن الصعود، فبعد الانخفاض الحاد في أسواق الأسهم، في أعقاب بلوغها مستويات عالية لم يعد الناس يملكون السيولة النقدية للخوض في سوق العقارات.

وفي هونغ كونغ، التي كانت تضج بالنشاط حتى وقت قريب، تباطأت المبيعات واتخذت مساراً انحدارياً. وفي نيودلهي وغيرها من المناطق الهندية، انخفضت الأسعار بنسبة 20% خلال العام الماضي. وقد وصفها «سانجاي دوت» المدير التنفيذي في مكتب ممباي لشركة كوشمان، أندويكفيلد الشركة العقارية، بأنها تآكل شديد للثقة.

ويمكن أن يعزى ذلك الانكماش إلى قوانين الجاذبية الأساسية القائل: «ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع»، فمع رفع أسعار الفائدة المتدنية لتضخيم الفقاعات الإسكانية في بلدان كثيرة، قال خبراء اقتصاديون إن التأثير المشترك لانخفاض الأسعار كان متوقعاً.

وقالت الصحيفة، إن كيفية تأثير ذلك على ثروات البلدان، تتفاوت تفاوتاً كبيراً، فايرلندا وإسبانيا، تحاولان التخلص منه، فيما يتوقع أن يتباطأ النمو في الهند هذا العام بنسبة نقطة مئوية فقط من مسيرة الأخيرة وهي 9%. وفي الصين، قد يكون الأثر أكثر محدودية.

وفي هذا السياق قال «توماس ماير»، كبير الاقتصاديين الأوروبيين في دويتشه بانك في لندن، إنها ليست المرة الأولى التي يعبر فيها الانكماش الإسكاني الحدود. إلا أن تداعياتها كانت هذه المرة مضخمة بفعل الأسواق المالية. ولنأخذ بريطانيا التي تمتلك واحداً من أقوى أسواق الإسكان الأوروبية بوجود فائض أقل من ايرلندا أو اسبانيا.

وسرعان ما عبرت أزمة الرهن العقاري مياه الأطلنطي الصيف الماضي، وبحلول شهر سبتمبر أصيب بنك الإقراض البريطاني «نورثرن روك»، بهزة، وبعد شهر من ذلك تراجعت الموافقات الرهنية بنسبة 31 في المئة مقارنة بالرقم المسجل في عام سابق وبحلول شهر نوفمبر بدأ الوسطاء العقاريون يسجلون أولى انخفاضات في أسعار المساكن.

وفي شهر مارس انخفض متوسط الأسعار 5. 2 في المئة وهو أكبر انخفاض شهري منذ 1992 وفقاً لبنك الإقراض الرهني «اتش بي او س». وفي هذا السياق قال كلفين دا فيدسون» الاقتصادي في «كابيتال ايكونومكس» في لندن «إن الطفرة في أسعار المنازل، كانت هنا أكبر بكثير من الولايات المتحدة مضيفاً: إنه لو صح القول فإن الناس يجب أن يكونوا أكثر قلقاً من الأميركيين.

وأشارت صحيفة «انترناشيونال هيرالدتريبيون» إلى أن بريطانيا تمتلك أكثر صناعات تمويل المساكن تطوراً بعد الولايات المتحدة. ووفقاً لدراسة صندوق النقد الدولي فإن حجم ديون الرهن العقاري القائمة كحصة من الناتج الاقتصادي الكلي هي أعلى من الولايات المتحدة.

ومع ذلك فإن المشكلة في بريطانيا تتضاءل أمام مشاكل ايرلندا واسبانيا، فالاستثمارات السكنية تشكل 12 في المئة من الاقتصاد الايرلندي و9 في المئة من الاقتصاد الأسباني مقارنة بنحو 5 في المئة في بريطانيا و4 في المئة في الولايات المتحدة، وفقاً لصندوق النقد الدولي.

ومن ناحية أخرى فقد أوصلت أزمة الإسكان عمليات البناء الجديدة إلى مرحلة الجمود، دافعة بأعداد جديدة إلى جموع العاطلين عن العمل، وملقية بظلال قاتمة على آفاق اثنين من أفضل الاقتصادات أداء خلال العقد الماضي من الزمن. وفي هذا السياق قال «فيرناندو نسينار» مؤسس «آيد باليستا دوت كوم». الموقع العقاري الالكتروني.

«أفقنا من حلم العقارات لنجد أنفسنا في وضع تدنت فيه الأسعار في اسبانيا للمرة الأولى». فلقد بنت اسبانيا أكثر من 4 ملايين مسكن في العقد الماضي، أكثر من ألمانيا وبريطانيا وفرنسا مجتمعة وازدادت أسعار المنازل أكثر من ثلاثة أضعافها في مناطق من البلاد. مع جذب الاقتصاد الاسباني للمهاجرين، وشراء الأوروبيين الشماليين لمساكن في منطقة كوستا ديل سول في الجنوب الاسباني. أما الآن فإن الآلاف من تلك المنازل خاوية على عروشها ويقول صندوق النقد الدولي إن العقارات تجاوزت قيمتها بأكثر من 15 في المئة.

وفي ضوء جفاف الرهون وتراجع الأسعار راح المضاربون الذين اعتبروا يوماً العقارات الاسبانية فرصة لا تعوض يواجهون واقعاً مريراً. وقد انهمك الخبراء الاقتصاديون في خفض توقعاتهم للنمو بالنسبة لأسبانيا، مع زعم البعض بأنه قد يغوص في رمال الركود المتحركة صيف هذا العام وتوقع BBVA البنك الاسباني أن يرتفع معدل البطالة إلى 11 في المئة هذا العام من 6. 8 في المئة عام 2007، بسبب خسارة الوظائف في قطاع الإنشاءات بصورة أساسية. ومثل هذه الانخفاضات، واردة في ايرلندا، حيث يبدي سائقو سيارات الأجرة تذمراً من تخمة صفوفهم بعمال البناء المفصولين عن أعمالهم.

ترجمة: وائل الخطيب