تبشر دبي بمنظومة مفاهيم ومقاييس جديدة لمباشرة الأعمال في قطاع المجوهرات، يشغل فيها ضمير المستهلك ـ بحسب تصريحات أحمد بن سليم الرئيس التنفيذي لمركز دبي للسلع المتعددة لـ «البيان الاقتصادي» مكانة القلب والذي ينضوي تحته الكثير من المجالات، وذلك بدءا بالمسؤولية الاجتماعية للشركات العاملة في سلسلة الإمداد بالمجوهرات، ومرورا بالقضايا البيئية والأخلاقية، وانتهاء بشروط وظروف عمل العاملين.
ويرى أحمد بن سليم أن التزامن الحاصل بين انعقاد الدورة السادسة لمؤتمر دبي وتنظيم الاتحاد العالمي للمجوهرات أولى مؤتمراته في منطقة الشرق الأوسط في دبي، ينطوي على دلالة مؤداها أنه بقدر اهتمام دبي بتوفير منصة لتجار المجوهرات على مستوى العالم لتبادل الأفكار والرؤى بشأن الوصول إلى حزمة من الممارسات التي تعين على الارتقاء بصناعة المجوهرات، فإنه بالقدر ذاته من الأهمية، تعطي دبي أولوية قصوى لتوجهات المستهلكين تجاه قطاع المجوهرات والتي تم اختزالها تحت عنوان بارز وهو «ضمير المستهلك».
ولفت أحمد بن سليم إلى أنه في الوقت الذي ارتقت فيه قضية «ضمير المستهلك» سلم أولويات صناعة المجوهرات على مستوى العالم، تحركت أهميتها على أجندة أعمال مركز دبي للسلع لتصبح واحدة من المحاور العديدة لرسالته التي تنشد قيادة صناعة المجوهرات في دبي والشرق الأوسط لتنسجم مع المعايير الجديدة في قطاع المجوهرات، وهو ما يمثل أحد المحاور الرئيسية التي تعين التجار على تحقيق الربحية من وراء تبني مقاييس التجارة النظيفة في قطاع المجوهرات.
الاستهلاك الأخلاقي
ولفت أحمد بن سليم إلى أن صناعة المجوهرات تأثرت بشكل عميق بصعود توجه الاستهلاك الأخلاقي الذي صار يشكل حافزا لا تقل أهميته عن حافزي الثمن والسمعة الجيدة، وأظهرت دراسة ـ والكلام ما زال على لسانه ـ أعدتها لجنة التعليم والتسويق التابعة للاتحاد العالمي للمجوهرات أن الصناعة تجتاز مرحلة تغييرات عميقة وجذرية أكثر من أي وقت مضي على مدى الخمسين عاما الماضية، كما لم تكن السمعة والثقة بهذا القدر العالي من الأهمية التي هي عليها الآن.
وفي إطار الاستعداد لمؤتمر الاتحاد العالمي للمجوهرات بدبي، أعد مجلس آراء مستهلكي المجوهرات دراسة مسحية عن السوق الأميركي، وعلق مارتين هويرتز الرئيس التنفيذي للمجلس على هذه الدراسة بقوله انه بات من المهم أكثر من أي وقت مضى أن تستكشف الصناعة مدى انحياز سلوك وتصورات المستهلك للقضايا المطروحة على أجندة المؤتمر، وكشفت الدراسة التي تعكس آراء 2399 عضوا في المجلس.
والتي أجريت خلال الفترة من 10 إلى 21 مارس 2008، أن ما يزيد على ثلاثة أرباع من استطلعت آراؤهم أشاروا إلى أنهم لن يقوموا بشراء مجوهرات فاخرة، إذا ما علموا أنه جرى تعدينها وصناعتها وبيعها بطريقة اجتماعية غير مسؤولة، وأن 70% من المشاركين في الاستطلاع قد أجابوا بأنهم سيتوقفون عن شراء المجوهرات الفاخرة، إذا تبين لهم أن صناعة المجوهرات لا تفعل كل شيء من شأنه أن يجعلها تتحلى بالمسؤولية الاجتماعية.
ولكن أحمد بن سليم يرصد حدوث تطور كبير في مجال ممارسات الأعمال بالنسبة للألماس والذهب، بيد أن ممارسات الأعمال في مجال الزمرد والياقوت وبقية أصناف الأحجار الكريمة ما زالت قيد التطور، مشيرا إلى أن صناعة المجوهرات بدأت منذ عقد مضى في مواجهة تحديات جديدة وواسعة النطاق لم يسبق لها أن واجهتها من قبل، وهو أمر غير قاصر على صناعة المجوهرات فحسب، بل ينسحب كذلك على الصناعات الأخرى.
الممارسات الأخلاقية
وأظهرت دراسة مسحية أعدها مؤخرا الاتحاد العالمي للمجوهرات أن المستهلكين صاروا يتحرون عن الأدلة التي تؤكد مباشرة الشركات لأعمالها استنادا إلى ممارسات أخلاقية ومسؤولة، وأصبح هذا الاهتمام يشكل أحد معايير اختيارهم للسلع في القرن الحادي والعشرين.
وأفادت آراء المشاركين في الدراسة المسحية أنه من المرجح يشكل كبير أن يقبل 88% من المستهلكين على الشراء من الشركات التي تحقق فوائد في مجال الصحة والسلامة، كما أنه من المرجح أن يقبل 87% على الشراء من شركات تتبع ممارسات تجارية وعمالية عادلة، وتلتزم بممارسات صديقة للبيئة.
وعلاوة على ما سبق، خلصت الدراسة إلى ثلاثة دروس رئيسية لقادة الأعمال والتسويق، وتتمثل أولا في عامل الثقة، فمع كل الجلبة التسويقية، تظل مكافأة ضمير المستهلك مرتبطة بممارسات الأعمال الشفافة والمسؤولة والموثوق فيها، ثانيا: تمحور المستهلكين حول أنفسهم، من زاوية إعطائهم الاهتمام والأولوية لقضايا تتعلق بالجودة والاستدامة، وإمكانية تحمل التكاليف، ثالثا: يتفهم قادة الصناعة فرص السوق التي تتيحها الاستدامة.
مبادرات جديدة
وعليه، انخرط قادة الصناعة في عدد من المبادرات التي تعالج أوجه قلق ضمير المستهلكين، وذلك على غرار المناقشات التي تم إجراؤها من قبل الاتحاد العالمي للمجوهرات في كيب توان بجنوب إفريقيا، حيث جرى حينذاك تنظيم عدد من ورش العمل.
من جانب آخر اقترب تشكيل مجلس الممارسات المسؤولة للمجوهرات، تحت رئاسة ميتشيل ري، وسيكون المجلس بكامل أعضائه متأهبا لمباشرة عمله خلال العام الجاري، وسيستهل المجلس عمله بإجراء تقييم ذاتي لمدى تطابق ممارسات الأعمال في قطاع المجوهرات مع المقاييس البيئية والأخلاقية والاجتماعية للاتحاد العالمي للمجوهرات، وبمجرد الانتهاء من التقييم، ستقوم جهة محايدة ثالثة بمتابعة التحري بشأن مدى صواب هذه التقييمات.
ومن جانب آخر، قامت لجنة مبادرة الألماس التنموية بتعيين مديرها التنفيذي دوروثي جيزينجا، وسيكون بمقدور المبادرة التي تمكنت من جمع الكثير من التبرعات من المصادر العامة والخاصة، فضلا عن الحكومات ودوائر الأعمال وهيئات المجتمع المدني، وقد اعترف قادة دول مجموعة الثماني بهذه المبادرة.
ومن جانب ثالث، واصلت «لجنة مبادرة النهج المسؤول في التعدين» التابعة للاتحاد العالمي للمجوهرات جهودها الرامية إلى إرساء نظام طوعي للتحري المستقل عن مدى تطابق أنشطة التعدين مع المقاييس الاجتماعية والبيئية وحقوق الإنسان، بما في ذلك صناعات الألماس والذهب.
المسؤولية الاجتماعية
وتعتبر المسؤولية الاجتماعية أحد المجالات الرئيسية المرتبطة بضمير المستهلك، ويكشف هنا ميتشيل هوبكينز رئيس لجنة المسؤولية الاجتماعية للشركات في منطقة الخليج بالاتحاد العالمي للمجوهرات والعضو المنتدب في شركة إم إتش سي آي إنترناشيونال ليمتد، عن وجود توجه لتأسيس مكتب في دبي يعني أساسا بتعميق الوعي بالمسؤولية الاجتماعية، معربا عن اعتقاده أن الشركات بدأت تدرك أهمية المسؤولية الاجتماعية في مباشرتها للأعمال، وأنها بدأت تخطو خطواتها الأولى على هذا الطريق الطويل.
ولكن هناك قلة في البحوث والدراسات التقييمية لمدى التزام الشركات في المنطقة بالمسؤولية الاجتماعية. وتبرز في رأي هوبكينز العديد من القضايا المرتبطة بقطاع المجوهرات، خاصة في قطاع صناعة وتجارة الألماس كتلك الخاصة بالسمعة وألماس الصراعات، حيث ترتكز صناعات الألماس والذهب والفضة والمجوهرات في نهاية المطاف على الدراية والمعرفة بتوجهات المستهلكين الذين صاروا يعطون أهمية كبيرة في قرارات شرائهم للمجوهرات لمسألة سمعة الشركات المنتجة.
فعلى سبيل المثال، إذا ما قام المستهلك بشراء ساعة من الألماس، فربما يراود ذهنه التفكير بأنه ربما تم إنتاجها بأيادي أطفال فقراء في شرق الهند، وهو ما قد يدمر سمعة الشركة لدى المستهلك. ومن ثم، بدأت الشركات تدرك هذه المسائل، وتتحرك بسرعة على هذا الطريق.
نحن ـ والكلام على لسانه ـ نعمل مع مجموعة الإمارات للبيئة في مجال تعميق وعي الشركات بموضوع المسؤولية الاجتماعية، حيث صار هذا الموضوع يشغل حيزا مهما في أجندة أعمال الشركات، والشيء المثير للاهتمام أن الشركات الصغيرة أكثر التزاما بالمسؤولية الاجتماعية بالمقارنة مع الشركات المتوسطة، وذلك بناء على الدراسات التي أجريناها في هذا المجال.
وبالتالي، كلما كبر حجم الشركة تراجع حجم التزامها بالمسؤولية الاجتماعية، وبالإمكان القول ان أكبر 500 شركة في العالم على قائمة فورشين تظهر تمسكها بموضوع شهرتها وسمعتها في أذهان جمهرة المستهلكين متمسكة بالسمعة، حيث تقوم هذه الشركات بإصدار تقارير منتظمة عن المسؤولية الاجتماعية.
وهكذا، صار مناطا بمركز دبي للسلع المتعددة ـ بحسب أقوال أحمد بن سليم ـ التبشير بهذا النمط من ممارسات الأعمال في أوساط تجار المجوهرات على المستويين، وذلك من خلال إطلاق حملة للتوعية بأهمية هذه المعايير في تحقيق الربحية، حتى تصبح المعايير السائدة في الأسواق المحلية والإقليمية متطابقة مع مثيلتها في الأسواق العالمية.
حوار ماديسون
جرى عقد قمة حوار ماديسون في اكتوبر عام 2007 بمقر البنك الدولي في واشنطن بهدف معالجة القضايا المرتبطة بالنواحي التجارية كتلك الخاصة بعدالة وأخلاقية تجارة المجوهرات، ومنذ إطلاق هذا الحوار، تواصلت المشاورات، وجرى تشكيل مجموعات العمل للاتفاق على مبادئ محددة تحمل اسم (رابطة التعدين المسؤولة)، وتعتبر هذه الجماعة رائدة في مجال وضع المقاييس للمعادن النفيسة.
وفي العام الماضي، أصدرت المقياس «صفر» للتجارة العادلة في المشغولات الذهبية المطعمة بالألماس والبلاتين، وتمنح هذه العملية شهادة للذهب المستخرج من المناجم الصغيرة والورش في حالة توافقها مع المعايير البيئية والاجتماعية وحقوق الإنسان، وقد بدأ تطبيق هذا النظام بشكل تجريبي في بوليفيا والإكوادور وبيرو، ومن المتوقع في العام القادم، إطلاق نظام منح شهادات لتجارة الذهب العادلة.
وفي السياق ذاته، قام الاتحاد العالمي لبورصات الألماس بطرح علامته الخاصة «WFDB» التي تتيح للمستهلكين شراء الألماس بثقة من تجار ألماس معتمدين وتتضمن محفظة الثقة بالألماس سلسلة من الإجراءات والإرشادات المتفقة مع أفضل الممارسات العالمية التي تساعد تجار الألماس غير الأعضاء في بورصة دبي للألماس، على تعزيز الثقة لدى المشترين يضاف إلى ذلك، أن الالتزام بمنهجية هذه المحفظة سيمّكن هؤلاء التجار من المضي قدماً باتجاه الحصول على عضوية البورصة خلال مدة قصيرة.
دبي ـ مجدي عبيد
