باتت مشكلة ندرة الكوادر الوطنية المؤهلة للعمل في قطاع الإنشاءات والتي لا تتجاوز نسبة 1% على عكس النسبة الأكبر بقليل في قطاع العقارات، واحدة من ابرز مشاكل قطاع المقاولات وتستدعي الوقوف على أدق تفاصيلها ومناقشتها وإيجاد الحلول السريعة لها بتعاون جميع الجهات المعنية مع القطاع الخاص للوصول بهذه القضية الوطنية إلى بر النجاح.
وبينما تتصاعد الدعوات لبذل جهود مضاعفة للتعامل مع قضية التوطين في قطاعات الاقتصاد بالدولة بشكل عام وفي قطاع الإنشاءات بشكل خاص، تبرز على الساحة ضرورات عدة لجعل التوطين منهاج عمل طبقاً للمبادرة التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، والتي توفر برنامجاً متكاملاً لإعادة تأهيل وتدريب المواطنين من أصحاب المؤهلات والكفاءة المهنية والأكاديمية.
ويرى المراقبون ان ذلك (سيكون عاملا مهما في مساعدة أصحاب القرار في كشف العيوب والتناقضات التي تعرقل عملية إيجاد الفرص الوظيفية للمواطنين في مختلف الفعاليات الاقتصادية العاملة في القطاع الخاص بهدف تصحيحها ومعالجتها، عبر إصلاح ذلك الخلل وردم الفجوة على صعيد الأرقام المحبطة التي تعكس تراجعا كبيرا في توظيف المواطنين في القطاع الخاص.
ويقول المراقبون ان (أهمية برامج ومبادرات التوطين تنبع من انطلاقها لتنمية وتطوير الكوادر الوطنية والمساهمة في تشجيعها على العمل في كل القطاعات لتحقيق احد الأهداف الرئيسية التي نقلت الإمارات ودبي إلى مصاف المدن العالمية في فترة وجيزة عقب نجاحها الملموس في استقطاب الخبرات والكفاءات التي لا تستغني عن مجموعة من الكوادر الوطنية للعمل في فعالياتها الاقتصادية المتنوعة لترسخ التحول العصري الذي تعيشه دبي على وجه الخصوص والإمارات عموما.
عراقيل ومقترحات
الدكتور احمد سيف بالحصا رئيس جمعية المقاولين بالدولة قال لـ «البيان» في وقت سابق «ان ابرز العراقيل التي تعرقل الجهود المبذولة لتوطين القطاعات في الدولة وليس في دبي وحدها لا تتعدى قضية غياب المعلومات الدقيقة عن حاجة القطاع الخاص ومن ضمنها قطاع الإنشاءات من الكفاءات المواطنة.
ويرى بالحصا بأن من المهم جدا ان تتوفر المعلومات الكافية عن عدد المواطنين الراغبين بالعمل ومؤهلاتهم العلمية والأهم من ذلك توافر معلومات حول حاجة القطاع الخاص لنوع المؤهلات المطلوبة هذا مشروع وطني يجب ان يتوفر له مركز معلومات تشارك في دعمه بالمعلومة الدقيقة كل الوزارات والدوائر ذات العلاقة.
ولفت إلى ان «هذه احد العراقيل ولو جئنا إلى المعوقات الأخرى فسنجد ان في مقدمتها غياب السياسة التعليمية التي تقوم على توجيه مخرجات التعليم بحيث تأتي في النهاية لتقول انك تحتاج إلى 1000 مهندس على سبيل المثال وهو ما سيتم تخريجه على شكل دفعات من الكليات في هذا العام. هذا الكلام غير موجود على الإطلاق.
أسباب وأسباب
وعن الأسباب يقول الدكتور بالحصا (العراقيل مترابطة والواحدة تلد أخرى فأنت لا تستطيع توجيه مخرجات التعليم حسب حاجة القطاع الخاص من المهن لأنك لا تعرف مسبقا ما هي حاجة القطاع الخاص أصلاً لذا لن تتمكن من توجيه مخرجات التعليم نحو تخصصات معينة).
لكن تقرير بالحصا لا يرى في غياب المعلومات وتوجيه مخرجات التعليم نهاية المشكلة ويقول لا بالتأكيد لأن توفر مركز المعلومات وتوجيه مخرجات التعليم لا يكفيان بل يقطعان الشوط الأكبر لكن هناك مشكلة أخرى تعيق التوطين في القطاع الخاص وهي انك عندما تقوم بالتوطين فإنك على سبيل المثال تفرض على القطاع الخاص زيادة في إنفاقه على صعيد الرواتب.
لأن راتب المواطن أعلى من غيره وهذا من حقه ولا يعترض عليه احد لكنك هنا ترفع على القطاع الخاص تكلفة الإنتاج مما سيرفع لاحقا من سعر المنتج هذا من ناحية أما من الناحية الأخرى فإنك لن تستطيع منع احد المستثمرين في القطاع الخاص ان يذهب إلى إمارة أخرى لكي يمارس نشاطه الاستثماري في إطار القطاع الخاص لأن تلك المدينة لا تلزمه بنسب معينة لتوطين وظائف الشركة التي يديرها أي بمعنى آخر هناك ضرورة لتعميم التوطين على كل إمارات الدولة وبنسبة معينة ومدروسة طبقا لما لديك من كفاءات مواطنة أولاً وحاجة القطاع إليها ثانيا لتتمكن لاحقا من تقويض مشكلة التوطين وصولا إلى تحقيقها بالكامل.
إلزام القطاع
ويرى بعض المراقبين «انه لا يمكن ان تقول للقطاع الخاص عليك ان تقوم بالتوطين بنسبة 100% هذا مستحيل طبعا كما لا يمكنك ان تقول لشركة عليك التوطين بنسبة 10% وتقول لأخرى عليك التوطين بنسبة 50% يجب ان تكون النسبة عادلة، وتطبق على الجميع ويفضل ان تبدأ بنسب محدودة في البداية ومن ثم رفعها سنويا وهكذا وصولا إلى اليوم الذي لا نجد فيه مواطنا عاطلا لأن ذلك يحزننا ولا يرضينا جميعا على الإطلاق».
دراسة
وقالت دراسة صدرت عن هيئة تنمية وتوظيف الموارد البشرية الوطنية «تنمية» يعد قطاع الإنشاءات من أسرع القطاعات نمواً في دولة الإمارات العربية المتحدة، ويعمل به حوالي 28% من مجموع الأيدي العاملة بالدولة، غالبيتهم من الوافدين. وهذا أمر مفهوم بالنسبة للأعمال التي تتطلب عمالة يدوية.
غير أن هذا القطاع يعمل به أيضاً حوالي 000. 17 موظف في وظائف مكتبية. هذه الوظائف تشمل وظائف مديرين، ومهندسين يقومون بأعمال مكتبية، ومحاسبين، ومساعدي محاسبين، وسكرتيرين. وموظفي استقبال، وكتبة تدوين المواد والنقل، وكتبة علاقات عامة، وكتبة شؤون موظفين وكتبة موارد بشرية وغيرهم من الكتبة. ويشكل المواطنون قلة في هذا القطاع. وقد خلص البحث إلى توصيات لدعم التوطين وذلك بعد النظر في العناصر التالية المتعلقة بالوظائف المكتبية:
الرواتب
ساعات الدوام والإجازات المستحقة الحد الأدنى المطلوب من المؤهل العلمي والخبرة والقدرات.
التوظيف والتطوير الوظيفي
المعلومات الأولية عن أعداد ونوعيات الوظائف أخذت من قاعدة بيانات وزارة العمل. كما تم تجميع مزيد من المعلومات بإجراء مسح شمل 326 شركة إنشاء كبيرة. وقد استجاب للمسح نسبة 2. 62% من مجموع الشركات التي تم الاتصال بها.
نتائج
تشير البيانات إلى هيمنة الوافدين على قطاع الإنشاءات. في عام 2004 بلغ مجموع العاملين في الوظائف المكتبية بالقطاع حوالي 000. 17 وتمثل الوظائف الكتابية وحدها 5. 68% من مجموع الوظائف المكتبية. وبلغ مجموع العاملين في الوظائف المكتبية، حسب إفادات الشركات المستجيبة، 5740 موظفاً. ويشغل المواطنون نسبة لا تتجاوز 2. 3% من هذه الوظائف ويشغل الذكور حوالي 91% من هذه النسبة. وأكثر من 74% من المواطنين العاملين في هذه الشركات يشغلون وظائف مديرين.
عند تقصي المؤهلات المطلوبة لهذه الوظائف تبين أن وظائف المديرين والمهندسين (لا يعملون في المواقع) ومدققي الحسابات/مراقبي الحسابات والمحاسبين تتطلب عادة درجة جامعية في حين أن الوظائف الكتابية يمكن شغلها بمؤهل «دون الجامعي» (شهادة ثانوية أو دبلوم أو دبلوم عالي). يبدو إذن أن العديد من الوظائف المكتبية لا تتطلب مهارات خاصة وأن المواطنين الباحثين عن عمل مؤهلون لشغل الوظائف الكتابية في هذا القطاع.
بيد أن توفر الوظائف ليس العامل المهم الوحيد. فقد أظهر المسح أن الرواتب التي تدفع للوظائف المكتبية في قطاع الإنشاءات متدنية (متوسط الراتب الشهري للمدير 10266 درهماً وللكاتب العام 2653 درهما). ومتوسط ساعات الدوام الأسبوعية 8. 51 وهو أطول مما هو مطبق في قطاعات اقتصادية أخرى حيث يتراوح المتوسط ما بين 40 و48 ساعة. كما أفاد 6. 78% من الشركات أنها تعمل بنظام الدوامين.
توصيات
وأوصت الدراسة بتدخل الحكومة لدفع عملية توظيف لمواطنين في قطاع الإنشاءات وتقرر أن هذا التدخل يبرره توفر كم كبير من فرص التوظيف في الوظائف المكتبية في هذا القطاع. غير أنها تنبه إلى أن أي تدخل ينبغي أن يراعي الاعتبارات التالية: ضرورة اعتماد سياسات تقوم على تشجيع شركات القطاع على تطبيق دوام أقصر. غير أن مثل هذه التدابير يجب أن تتم بالتشاور مع القطاع وألا تؤثر سلباً على مصلحة العمل.
يمكن تحسين قابلية توظيف المواطنين، خاصة الوافدين لتوهم إلى سوق العمل، عن طريق إخضاعهم لألوان شتى من برامج التدريب الداخلي لتزويدهم بشيء من الخبرة العملية. ويمكن أن تلعب هيئة تنمية دور المنسق لهذه البرامج.
ينبغي إعادة النظر في السياسات الحالية التي تسمح باستقدام عمالة وافدة لشغل وظائف مكتبية على الرغم من توفر فائض من العمالة المواطنة المؤهلة للقيام بأعباء تلك الوظائف. يجب دعم السياسات الحالية بتشريعات تفرض نظام حصص توظيف على الوظائف المكتبية عموماً.
التوطين في قطاع الإنشاءات
ويقول تقرير أصدرته شركة بنيان الدولية للاستثمار ونشرته البيان «لا يمكن لأي جهة مهما بلغت معلوماتها من الدقة إن تخبرنا عن عدد المواطنين في قطاع الإنشاءات، ولو أردنا ان نستبق السؤال اللاحق الذي يفترض ان يكون ما هي معوقات توطين قطاع الإنشاءات فسيكون الجواب، نحن لا نملك أدنى معلومة عن حاجة قطاع الإنشاءات من المهندسين أو الفنيين أو العمال.
وأضاف التقرير «ولو كنا ندري لتمكنا من توجيه مخرجات التعليم إلى تلك التخصصات وبالأعداد التي نحتاجها وبالطبع فنحن نتحدث عن الحاجة الآنية التي لا نعلم حجمها فكيف الحال عندما يدور الحديث عن حاجة القطاع الإنشائي أو الهندسي بعد عام أو عامين أو خمسة أعوام.ونحن على علم ان المسيرة العمرانية مستمرة وهناك مشاريع كبرى طرحت وأخرى يتم الاستعداد لإطلاقها بينما تجري دراسة العشرات منها حاليا.
أكثر تكلفة
لكن التقرير يلفت إلى ان «هناك اعتقادا راسخا بأن المواطنين أكثر تكلفة من غيرهم، لكن علينا أيضاً ان لا ننسى ان ما لا يختلف اثنان هو ان إجراءات جلب العمالة الأجنبية وما تتضمنه من تأمين مسكن ووسائل نقل، والتأشيرات وغيرها جميعها تشكل عبئا على ميزانية مؤسسة ما، وقد ضربت هونغ كونغ مثالاً يحتذي به في هذا الصدد. إذ حصرت الوظائف والمناصب التنفيذية العليا في مؤسساتها في أهالي هونغ كونغ الأصليين، نظراً لأنهم أكثر الماما بعادات وتقاليد مجتمعهم.
وبالتالي هم أكثر دراية بكيفية التعامل بمرونة تامة مع المتغيرات المختلفة. وهناك العديد من المفاهيم الخاطئة ترسخت في أذهان المسؤولين في القطاع الخاص. كما في أذهان الشباب المواطن على حد سواء، أدت إلى عزوف هؤلاء عن العمل في القطاع الخاص، على الرغم من المزايا الاقتصادية العديدة المترتبة على توطين القطاع الخاص، وخصوصاً في قطاعي المصارف والتأمين الحيويين.
بالأرقام
لا تتجاوز نسبة مواطني الدولة العاملين في شركات ومؤسسات القطاع الخاص 1% وتعد النسبة ضئيلة جداً مقارنة بحجم متطلبات السوق المحلية المتنامية بهدف تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي من جهة. ومقارنة بالأعداد المتزايدة من خريجي وخريجات الجامعات والمعاهد المختلفة من المواطنين سنوياً من جهة ثانية. وتقول احدث الإحصاءات الصادرة من الجهات الرسمية إن 13 ألفاً من خريجي التعليم الجامعي في نهاية العام في حاجة للانضمام إلى سوق العمل والمشاركة الفاعلة فيه.
بينما يرتفع عدد الدفعات الجديدة إلى 16 ألفاً في العام 2006، و19 ألف خريج جديد في العام 2010، ومن المتوقع أن تزداد أعداد الخريجين إلى 115 ألف خريج خلال السنوات الست المقبلة، مما يستدعي تكثيف الجهود الجبارة لمواجهة مجموعة من التحديات التي تقف حجر عثرة في سبيل عملية التوطين، وتفاعلهم البناء مع مجتمعهم.
تحقيق: مشرق علي حيدر



