البحث عن الوضع الوظيفي الأفضل والراتب الأعلى مطلب يبحث عنه كثير من الناس، وهو حق مشروع للجميع، خصوصاً في ظل الضغوط التضخمية وموجات الغلاء، والمنافسة بين المؤسسات والشركات على استقطاب الكفاءات عبر تقديم المحفزات والامتيازات التي تشكل عاملاً أساسياً في «هجرة» الموظف من مؤسسة إلى أخرى، في سوق مفتوح على مصراعيه.

شريحة كبيرة من الشبان والشابات المواطنين يتوافدون إلى معرض الإمارات للوظائف سنوياً لانتهاز فرصة تواجد عدد كبير من مؤسسات وشركات القطاعين الحكومي والخاص، وتعبئة طلبات التوظيف وتقديم سيرهم الذاتية. وتتنوع هذه الشريحة من الشباب المواطن بين باحث حقيقي عن فرصة عمل أو تدريب، وبين موظف يتطلع إلى تحسين وضعه الوظيفي أو المادي وحتى المعنوي عبر الانتقال إلى مؤسسات وشركات أخرى تقدم له ما يبحث عنه.

وكما يشكل المعرض فرصة للمؤسسات وللشركات لسد الشواغر الوظيفية فيها، ولتحقيق نسبة التوطين التي تنشدها من ناحية، يعتبر المعرض سبباً لحدوث تسرب وظيفي من ناحية ثانية. كيف ينظر المسؤولون إلى ظاهرة تسرب الموظفين المواطنين اليوم؟ وهل هناك فعلاً تسرب وظيفي للشباب المواطن كما يقال؟ وكيف تستدرك الشركات تسرب موظفيها للحد من خسارة كفاءاتها؟... أسئلة عديدة طرحها «البيان الاقتصادي» على عدد من المسؤولين في شركات مختلفة تشارك في معرض الإمارات للوظائف، وعاد بهذا التقرير.

تغير السوق

يقول خالد الفلاسي، المدير العام لـ «جمعية الاتحاد التعاونية» لـ «البيان الاقتصادي»، إنه نتيجة للتغيرات التي طرأت على سوق العمل خلال السنوات الأخيرة، تتراجع مفاهيم وظيفية عدة، كالولاء والارتباط الوظيفي، أمام إغراءات سوق العمل، التي تشجع الموظفين على الانتقال من شركة إلى أخرى، وخاصة في ظل ارتفاع تكاليف الحياة وغلاء المعيشة، وتنافسية الأجور بين شركة وأخرى، ورغبة الإنسان بالبحث عن فرص عمل أفضل تمكّنه من التأقلم مع ظروف الحياة المتغيرة.

ويرى الفلاسي أن التسرب الوظيفي ليس ظاهرة سلبية بالمطلق، وهي مرتبطة بشخصية الإنسان من جهة وبسلوك الشركة من جهة أخرى. ففي الوقت الذي يترك فيه البعض شركاتهم طلباً لراتب ومحفزات أفضل في شركة أخرى، يبحث آخرون عن تحقيق إنجاز ما في مكان آخر لم تسمح لهم ظروف العمل في تحقيقه، فيما يبحث البعض الآخر عن تقدير أو تحفيز افتقدوه في وظيفتهم السابقة، سواء كان هذا التقدير في المعاملة أو في الكلمة الطيبة أو حتى في نظرة الرئيس إلى المرؤوس.

الأمن والأمان الوظيفي

الأمن والأمان الوظيفي مطلبان آخران يحددان مسألة ولاء وانتماء الموظف إلى مؤسسته، كما يقول الفلاسي. موضحاً أن الشعور بالأمن والأمان الوظيفي يبدأ بشعور الموظف بأن وظيفته غير مهددة، وبأنه شخص فاعل ويهم المؤسسة التي يعمل لديها، عبر توفير فرص تطوير المهارات التي تفيده على المستوى الشخصي وتفيد مؤسسته، والتي تدفعه إلى الإبداع وعدم الاكتفاء بالقيام بالواجب انطلاقا من الخوف على الوظيفة.

من ناحية أخرى، يقول الفلاسي إن الجمعية تفخر في كثير من الأحيان بانتقال موظفيها إلى مؤسسات أخرى، لأن ذلك يدل على أنهم من الكفاءات، مشيراً في الوقت عينه إلى أن الجمعية تسعى جاهدة للتحفيز المالي وتحرص على تقديم الدعم المعنوي لموظفيها وتقديرهم وتدريبهم وصقل مهاراتهم، في ظل توسعها المتواصل، إيماناً منها بأن الاستثمار في الإنسان المواطن ليس خسارة بل تفعيل لدوره الاجتماعي، وانطلاقا من حرصها على تقديم خدمة متميزة للناس من خلال موظفين راضين عن وضعهم الوظيفي. مشيراً إلى أن وزارة العمل صنفت الجمعية ضمن الفئة الأولى كأفضل مؤسسة خاصة في التوطين.

ظاهرة صحية

من جهتها، تؤكد فريدة عبدالله، مدير الإدارة التنفيذي للموارد البشرية في «دبي للعقارات» ل«البيان الاقتصادي»، أن التسرب الوظيفي ظاهرة منتشرة في كل القطاعات الخاصة والحكومية، وهي صحية في أحد جوانبها وسلبية في جوانب أخرى. وتشير عبدالله إلى أن الموظفين بشكل عام يرغبون في الانتقال من مؤسسة إلى أخرى عندما يمضون سنوات عدة في مؤسسة واحدة، ويصلون إلى مرحلة يشعرون فيها بالروتين الوظيفي وعدم التطور، مؤكدة أن هذا الأمر طبيعي وصحي.

من جهة أخرى، ترى عبدالله أن ظاهرة تسرب الشباب المواطن من المؤسسات والشركات تعتمد بالأساس على خطط وإستراتيجية هذه المؤسسات لناحية تطوير موظفيها وكيفية الحفاظ عليهم، مشيرة إلى أن هذا الأمر يتم من خلال برامج تبدأ مع التحاق الموظف بالعمل في المؤسسة وتحديد مسؤولياته ومهامه، وتشجيعه على العطاء والإبداع والإنتاج، واعتباره عضوا فعالا في الشركة وليس مجرد موظف يستلم راتبه في آخر كل شهر.

وتقول عبدالله إن دبي للعقارات تعتبر اليوم من الشركات المتميزة في المحافظة على موظفيها، حيث لا تتجاوز نسبة الاستقالات فيها 4% بحسب آخر إحصائية للشركة، مشيرة إلى أنها نسبة صحية جداً. مشيرة إلى أن مجلس إدارة دبي للعقارات رسم سياسة واضحة في هذا الخصوص للمحافظة على هذه النسبة، من خلال تبنيها لقيم تؤكد حرص الشركة على الموظف والمحافظة عليه واستمراريته فيها.

من خلال التطوير المهني للموظف وترقية المستحقين وإفساح الفرص للمبدعين وتوضيح المسار الوظيفي. مضيفة أن الشركة تتابع اهتمامات موظفيها عن قرب وتهتم بتطلعاتهم، وتحرص في مقابلات نهاية الخدمة على التعرف على أسباب الرغبة في تقديم الاستقالة في محاولة لتدارك الأمر، حيث نجحت هذه السياسة في تراجع عدد كبير من الشباب المواطن عن تقديم استقالته. ولفتت عبدالله إلى أن دبي للعقارات كانت السباقة بإطلاق برنامج «تهيئة القادة»، الأمر الذي شجع موظفيها على الاستقرار، مشيرة إلى أن 70% من أعضاء هذا البرنامج هم من المواطنين.

انتقال الخبرات

من ناحيته، يرى سرور سعيد القمزي، مدير التوظيف في إدارة الموارد البشرية في جمارك دبي، أن نسبة تنقل الموظفين المواطنين من المؤسسة قليل جداً، وهي ظاهرة صحية، تسهم في ضخ دم جديد في دورة الحياة الوظيفية في المؤسسة، وفي انتقال الخبرات الوظيفية من مؤسسة إلى أخرى. مشيرا إلى أن انتقال الموظفين من مؤسسة إلى أخرى مرتبط بأمور عدة تتعلق في الجانب الرئيسي منها بالموظف.

ويقول القمزي إن جمارك دبي تعتبر من أفضل المؤسسات التي توفر فرص التدريب لموظفيها. وقد أنشأت مركز اختبارات داخلي، مهمته تحديد نقاط القوة والضعف عند موظفيها، ليستفيدوا من نقاط قوتهم، ويعالجوا نقاط ضعفهم بمساعدة المؤسسة لوضعهم على قائمة تؤهلهم لتبوؤ المناصب الإدارية.

وقال إن جمارك دبي تعتمد سياسة إعلان الشواغر على مستوى المؤسسة وتعطي الأفضلية للموظفين القدامى، وتعمل على تدريبهم ورفع ثقافتهم الوظيفية لزيد فرصهم بتبوء المراكز المهمة. ويلفت القمزي إلى أن جمارك دبي طبقت سياسات عديدة ساهمت في الحفاظ على موظفيها بشكل عام والمواطنين منهم بشكل خاص، بعد التعرف على طموحاتهم وتحفيز قدراتهم وصقل مهاراتهم، مشيراً إلى أن جمارك دبي كانت السباقة باعتماد هذه الأساليب.

دبي ـ ضياء عبد العال