ألقى المشاركون في الندوة التي عقدت ظهر أمس على هامش مهرجان السينما الخليجية، والتي تتحدث عن السينما الرقمية في الخليج العربي والواقع الجديد الذي فرضته في مجال الإنتاج السينمائي، اللوم على المخرجين الشباب في عدم حصولهم على الكم المعرفي والثقافي الذي يؤهلهم للتميز في مجال صناعة السينما،.
مؤكدين أن منطقة الخليج العربي لا تزال ضمن خانة الدول غير المنتجة للسينما، مشيرين إلى أن الأفلام التي تحسب على السينما بالمعنى الصحيح تعد على الأصابع، وذلك على الرغم من الحماس الزائد الذي يعتري الشباب منذ سنوات مضت في مجال إنتاج أفلام سينمائية قصيرة.شارك في الندوة المخرج البحريني بسام الذوادي أمين عام جمعية السينما لدول مجلس التعاون الخليجي والناقد السينمائي اللبناني محمد رضا وجيان لوكا شقرا مدير شركة «فرونت رو فيلمد انترتينمنت ال ال سي»، وأدار الندوة الزميل زياد عبدالله الصحافي في «الإمارات اليوم». وأوضح الذوادي في مستهل حديثه أن الدول الخليجية لا تملك أرضية أو قاعدة سينمائية لتحقيق أفلام بمعنى الكلمة، لكنها تستطيع السير في بعض التجارب، مؤكداً أن رصيد دول الخليج مجتمعة من الأفلام السينمائية لا يتعدى خمسة أعمال.
مشكلة دائمةولفت إلى أن المشكلة التي تواجه المخرجين الخليجيين على الدوام تكمن في عدم وجود الفنيين والتقنيين المحترفين في المنطقة، سواء كانوا مديري تصوير أو مختصي إضاءة وصوت أو في المونتاج، أو حتى كتاب سيناريو، موضحاً أن الموجة الكبيرة التي نلحظها من الشباب الخليجيين المتوجهين للإخراج السينمائي تصطدم بعدم وجود أدوات لتنفيذ العمل على الوجه الأمثل.غير ذلك كشف الذوادي عن أن كم المخرجين الموجودين في دول الخليج العربي غير المنتجة للسينما أكبر من نظرائهم المتوفرين في دول متقدمة في صناعة السينما، وهذا مؤشر يحمل في طياته أسئلة كثيرة، ونحن من واقع مسؤوليتنا لا نحاربه وإنما ندعم التوجه الصحيح للمخرجين، وعلى سبيل المثال فقد أسسنا في مملكة البحرين شركة للسينما تسعى لإيجاد البنية التحتية لصناعة السينما، حيث أن أول مطلب تحتمه هذه الشركة على المخرج أن يأتي بفريق عمل متكامل ومحترف لإتمام الصناعة السينمائية.
أداة إحباط وأكد الذوادي أن هذا الواقع المحترف لا يمكن أن يكون أداة إحباط أو إعاقة للمخرجين الخليجيين، فدول الخليج مجتمعة تسعى لتوفير سينما متمكنة لحاجتها الفعلية إلى نافذة تعبر عن آراء أهل المنطقة وواقعهم وتنقله إلى العالم أجمع.وتطرق الذوادي في حديثه خلال الندوة إلى أنه لا يمكن أن نطلق على الفيلم القصير المصور بكاميرا فيديو فيلماً سينمائياً، فالتقنية أمر ضروري وحتمي في مجال صناعة السينما، والكثير من شبابنا يتعاملون ضمن إخراجهم بتقنية تلفزيونية، رغم أن بعض التجارب فيها شبه تطور سينمائي.
الأهم كما جاء على لسان المخرج بسام الذوادي أن الأمر الذي يصدم فعلياً أن كل هؤلاء الشباب المخرجين أظهروا من خلال الورش التي قدمت أن لا أحد منهم يملك خلفية سينمائية، أو ثقافة القراءة أو المشاهدة في الإنتاج أو التصوير أو البناء الدرامي السليم للعمل السينمائي، وكل ما في الأمر أن كثيرا من المشاركات عبارة عن كاميرا وسيناريو ليس بسيناريو حقيقي، ومن ثم تنفذ الأفلام التي تسمى لدى البعض بأنها أفلام سينمائية.
الثقافة السينمائية
وأكد الذوادي أن الثقافة السينمائية أمر مهم للغاية، حيث تحتم على المخرج معرفة حقيقية حول لماذا هو سيصنع فيلماً سينمائياً، فمن الواجب أن تتوفر لدى مخرجي دول الخليج العربي كما لدى غيرهم من البلدان الأخرى ثقافة سينمائية لبناء سينما حقيقية تستقطب اهتمام الجمهور المحلي والعربي والغربي.
وحول استخدامات الكامير الديجتال أكد المخرج السينمائي البحريني أن أحد أهم فوائدها أنها أتاحت للكثير من الشباب الخليجي إمكانية تحقيق أفكارهم من خلال عدستها السهلة، ولكن للأسف وبعد مشاهدة أكثر من 20 فيلماً قصيراً اتضح لنا أن ثلاثة فقط منهم تتطرق لمواضيع خليجية معاشة، والبقية تغرد خارج السرب، حيث يبقى الشخص خليجي فيما العمل الذي هو بصدده لا يمت للمنطقة بصلة، وهذه سلبية ظهرت في أعمال كثيرة.
الصورة والصوت
وأوضح الذوادي أن الأفلام الخليجية القصيرة أظهرت حتى اللحظة اهتماماً بالصورة على حساب الصوت، وهذه معضلة كبيرة تقف أمام تطور السينما الخليجية، لافتاً إلى أن السهولة التي بلغها المخرجون في تحقيق رؤاهم على أرض الواقع جسدت في حقيقة الأمر سلبية مفرطة، وهي عدم البحث أو التفكير السليم أو الطرح الصحيح للقضية، فالفكرة أن جمهور الخليج العربي بحاجة إلى أفلام سينمائية ذات مضامين حقيقية، وليست مطاردات وتفجيرات على غرار القادم من هوليوود.
محمد رضا الناقد السينمائي اللبناني أكد من جهته أن الكاميرا الديجيتال لا يمكن أن تلغي فكرة الكاميرا السينمائية 35 ملم، فكما هو معروف كل جديد يطفو على السطح لا يمكن أن يلغي القديم، خاصة وأن امتيازات ال35 ملم تفوق ما هو متوفر في الديجيتال، وتؤمن صورا ذات جودة أبلغ وأكثر طلباً واستقبالاً بالنسبة للجمهور ودور السينما.
مخرج الديجيتال
ولفت رضا إلى أنه لا يعتبر مخرج الديجيتال أقل أو أكبر قيمة من أي مخرج آخر، إذ أن الفيصل في الموضوع هو مدى توفر العناصر والأسس السليمة والمطلوبة لدى المخرج، موضحاً أن الكاميرا 35 ملم تعطي أبعاداً فنية أكثر جدوى من الديجيتال، وذلك رغم الصعوبة في أداء العمل وفي التكلفة، وفي النهاية يتعين على المبدع أن يختار الطريق الأصعب في حياته لأنها الأفضل وهي في المحصلة ستوصله إلى هدفه بأقصى سرعة.
المختص في صناعة السينما، جيان لوكا شقرا أكد أن المشكلة في إدخال الوسائل التقنية السينمائية إلى دول الخليج هي التكلفة الباهظة، لذلك يتعين على دور السينما أن تقوم باستثمارات ضخمة في هذا المجال، إضافة إلى وجود مشكلة في الرقابة من الناحية التكنولوجية، وهذان الأمران يقفان عائقاً أمام الإبداع السينمائي الخليجي، ولا حل أمام المخرجين الشباب سوى الأفلام الرقمية.
لقطات من الندوة:
* أكدت الندوة على أن الكثافة السكانية هي إحدى العثرات أمام السينما الخليجية، فالفيلم الخليجي حتى وإن أضحى من أفضل الأفلام، سيعرض في 8 دور سينما في دول الخليج، والأهم: كم من الجمهور سيشاهده؟.
* المشاركون في الندوة أكدوا أن متوسط تكلفة إنتاج الفيلم السينمائي الخليجي الاجتماعي الواحد، دون الدخول في الديكورات تصل إلى أكثر من نصف مليون درهم وذلك من خلال الكاميرا الرقمية.
* بالنسبة للأفلام القصيرة، اتفق المجتمعون أنه لا يمكن التعامل معها على أنها سينمائية بمعنى الكلمة، مشيرين إلى أنه من الصعب جداً على السينما أن تتبنى فيلماً قصيراً، ولا مكان أمام مخرجي هذه الأفلام إلا المهرجانات أو القنوات التلفزيونية.
* قال بسام الذوادي أنه تبين من خلال مشاركات الشباب الخليجيين في مجال صناعة السينما، إن خبراتهم مرتبطة ومتأثرة كثيراً بالمسلسلات أكثر من السينما، وهنا تبرز ضعف الثقافة السينمائية لديهم، التي في النهاية تكشف عن الكادر السينمائي.
* الناقد محمد رضا أكد أن الأفلام التي تصور عن طريق الموبايل، لا يمكن أن تدخل في إطار الأفلام السينمائية، ورغم وجود مهرجانات عالمية لهذه المساهمات، إلا أنها تبقى غير مقبولة سينمائياً.
* أوضح بسام الذوادي أن الحكومة السعودية بدأت تدعم الأعمال السينمائية في المملكة بشكل كبير، حيث ستوفر خلال الفترة المقبلة مهرجاناً للأفلام القصيرة، وهذا إقرار رسمي بدعمها لهذا الفن.
أدوات الثقافة السينمائية
أحد المخرجين الشباب من الحضور لندوة السينما الرقمية في دول الخليج، تطرق خلال مداخلته إلى أن الأعمال الخليجية المتوفرة لا يمكن أن تسمى سينمائية، وإنما مجرد تجارب، معترضاً على المنطق الذي تطرق له المشاركون في الندوة حول الثقافة السينمائية، خاصة وأن دول الخليج لا تزال في خانة غير المنتجة للسينما، وليست هناك إمكانيات أدوات متاحة للشباب في هذا المجال.
الذوادي رد عليه بالقول: كلنا هواة في السينما، فالأشخاص الذين يملكون «ستايل» معروف في هذا المجال يعدون على أصابع اليد الواحدة، لكن في المقابل، فإن الثقافة السينمائية تظل تعباً ذاتياً من الشخص المخرج، الذي من الواجب عليه مشاهدة الأفلام والبحث والتقصي والتحليل والنقد.
كادر 2 قاعدة سينمائية صلبة
تطرق المجتمعون في الندوة إلى أهمية لفت نظر الحكومات الخليجية لدعم السينما بشكل أفضل، حيث أكد الذوادي أن هذا الأمر لا يمكن أن يتحقق دون أن تتوفر هناك قاعدة سينمائية صلبة، ومتى وجدت الأفلام التي تستند على التقنية المطلوبة والرفيعة، وعلى الطرح والمضمون المقبول، وجد هناك جمهوراً يتابع هذه الأعمال ويتحدث عنها، وبالتالي تصل إلى مسامع الحكومة التي سرعان ما توفر دعماً يليق بواقع وآمال السينما الخليجية.
وشدد على أن اللهجة الخليجية لا تزال غير مسموعة في دور السينما الخليجية، وبات من الضروري أن تتوفر هذه المشاركات والمساهمات التي تبنى بالشكل الصحيح ووفق الرؤى الموضوعة والمطلوبة، لافتاً إلى وجود اهتمام رسمي بالسينما في دولة الإمارات، وذلك يتجلى في إنشاء هيئة للثقافة والفنون في دبي، وفي إيجاد كلية نيويورك للسينما في أبو ظبي، إضافة إلى المهرجانات التي تتبناها دبي وأبو ظبي خدمة للسينما المحلية والخليجية والعربية والعالمية.
دبي ـ عنان كتانة


