قال تقرير صدر أمس عن مؤسسة ميريل لينش للاستشارات ان الولايات المتحدة هي بقدر كبير أكبر بلد مستورد للطاقة في العالم. فقد استوردت في العام الماضي 40.12 مليون برميل يومياً من النفط مقابل 5.25 ملايين برميل يومياً استوردتها اليابان و28. 3 ملايين استوردتها الصين. وفيما الولايات المتحدة تحتاج إلى كميات ضخمة من الوقود تأتيها من الخارج، فقد انخفضت مستوردات هذا العام إلى مستويات متدنية جداً.
مثلاً، ان مستوردات الغاز الطبيعي السائل إلى الولايات قد تدنت إلى 95. 0 مليار قدم مكعب يومياً في الأول من 2008، وهذا أقل بكثير من مستوى 2 مليار قدم مكعب يومياً استوردتها في العام الماضي. يضاف إلى ذلك، ان مستوردات المكرّرات والبنزين والنفط الخام تدنّت 23% و6% و2% على التوالي مقابل المدة ذاتها من العام الماضي، في الوقت الذي تدفع فيه بلدان أخرى في العالم أسعاراً أعلى.
في رأينا ان التفسير البسيط لهذه التطورات الأخيرة هو الطلب القوي من قبل الأسواق الناشئة الذي يسحب الموارد بعيداً عن الاقتصاد الأميركي العليل. فمستوردات النفط الخام الصينية ازدادت 25% في شهر مارس عما كانت عليه من سنة وهذا يعكس واقعاً يوضح ان الاقتصادات الناشئة قد أكرهت على تقنين ما يستهلكه الأميركيون.
وفيما اقتصاد الولايات المتحدة يمكن ألاّ يكون ذا فاعلية خاصة في مجال الطاقة، فإن طلب الطاقة المحلي لا يتأثر بالسعر إلى حد كبير. لذلك، لما كان نمو إمداد النفط العالمي محدوداً، فإن أسعار الطاقة العالمية مستمرة بالارتفاع. وبما ان الولايات المتحدة تقع في أبعد مكان عن منطقة الشرق الأوسط المصدّرة الرئيسية للنفط، فمن المفروض ان تدفع أميركا الشمالية أسعار طاقة مرتفعة في الشهور القادمة رغم التباطؤ الحالي في النشاط الاقتصادي.
وبالتأكيد، ان من شأن الركود ان يتسبّب بطلب للطاقة أدنى في الولايات المتحدة في المدى القريب، رغم اعتقادنا ان الانقباض في الطلب الشامل سيكون بالأحرى خافتاً. اما الآن فيتوجب على الولايات المتحدة ان تدفع السعر الجاري كاملاً كي تستمر في جذب إمدادات الطاقة وإلاّ توجّهت هذه الوقود الحرارية إلى مكان آخر.
اما على صعيد الغاز الطبيعي فيبدو ضيقاً في الصيف ومن المحتمل ان تواصل الأسعار ارتفاعها ما دام العجز في المخزون يستمر واسعاً. غير انه، بينما ارتفعت أسعار التسليم القريب فإن الأسعار البعيدة ظلّت ثابتة. ثم ان العلاوة على أسعار الغاز الطبيعي في الشتاء بالنسبة إلى الصيف قد تدنّت بسرعة في 2008.
وكنتيجة للزيادة الضخمة في الطاقة التخزينية في الولايات المتحدة، فإن السعر الآجل للغاز الطبيعي هو الآن ثابت على غير المعهود. لكن ما هو الدافع إلى اختفاء الفرق بين أسعار الصيف والشتاء؟ بعد سنتين من الاستهلاك العالي جداً، أصبحت الطاقة التخزينية للغاز الطبيعي في غاية الوفرة.
أولاً، ان الشتاء القارس في أميركا الشمالية أدّى بالمخزون ليصبح تحت مستويات العام الفائت، فانخفضت من جراء ذلك، قيمة الطاقة التخزينية المتاحة.
ثانياً، ان الإضافات على الطاقة التخزينية قاربت في الولايات المتحدة وكندا 400 مليار قدم مكعب منذ 2003. وهكذا، يتوقع تخمة في الطاقة التخزينية في هذا الصيف قد تقلب العلاوة الشتوية على سعر الغاز موقتاً لتصبح سلبية رغم الصدمات الآتية من الخارج. وعلى هذا الأساس، يرجّح ان يكون المستثمرون أحسن حالاً إذا اعتمدوا استراتيجيات خاصة في مؤشر الغاز الطبيعي مستبدلين التسليم الحاضر بالتسليم الآجل القريب المدى.
اما الدور الذي يلعبه التخزين في سوق الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة فيتغير بسرعة في ظل تطور المزيج بين العرض والطلب. فتوليد الطاقة هو حالياً المحرّك الأساسي لاستهلاك الغاز الطبيعي. وسبب هذا التحوّل البنيوي من ناحية الطلب، هو ان الطلب على الغاز أصبح أقل موسمية وبالتالي انخفضت الحاجة إلى التخزين.
ومع ذلك، نعتبر ان هناك مجالات للاستثمار تعود إلى توقعات الارتفاع في خيارات الغاز الطبيعي الآجلة. ففي ظل اختفاء الفروقات بين النفط الخفيف والثقيل، تستمر مستويات طلب استبدال الغاز بالاتساع، الأمر الذي يوحي بأن تحوّلات قوية في السعر قد تكون محتملة الحدوث. ان ارتفاع التعويل على الغاز الطبيعي السائل والدور المتعاظم للطقس في توليد الطاقة والارتفاع الأخير في تقلبات أسعار النفط، كلها عوامل تدعم الازدياد في تقلبات الغاز الطبيعي.
دبي ـ «البيان»