بعشرات القصائد والأغاني الوطنية التي لعبت دوراً مهماً في التاريخ العربي المعاصر، يحفل سجل شاعر العامية عبد الرحمن الأبنودي، الذي يعالج حالياً في باريس من عدة أمراض، منها تضخم في الرئة وانسداد والتهابات في الشرايين بجانب آلام في العمود الفقري.

وعلى الرغم من حالة التفاؤل التي تسيطر على الفريق المعالج للشاعر المصري بسرعة تحسن حالته الصحية، إلا أن الأبنودي ـ الذي شهد على مدار مشواره الطويل أزمات صحية عديدة ـ اعتبر محنته الحالية هي الأصعب والأكثر تأثيراً عليه، وعلى حد تعبيره لم يتألم في حياته كما تألم في مرضه الحالي، لكن هذه الآلام التي يشعر بها كإنسان، لم تنسه الشاعر ذي الحس المرهف بداخله، فكما تألم جسده من المرض، ضحك الأبنودي الشاعر كما لم يضحك من قبل لدرجة شجعته على البدء في كتابة قصيدة جديدة تعبر عن هذه التجربة الممزوجة بالسعادة والألم.

وربما تبرز هذه التجربة فلسفة الأبنودي في التعامل مع المحن والصعاب التي يواجهها، لدرجة يمكن وصفه معها بـ «حمال هموم»، وهى صفة يطلقها أهل الصعيد على الرجال، الذين ألقى الدهر على ظهورهم أعباء قد تنوء بحملها الجبال، فكما أن الأبنودي لم تكسره هزيمة 1967 كما فعلت بأبناء جيله، بل انتفض بقصائده التي تبعث في نفوس المصريين، والعرب عموماً روح المقاومة والتمسك بأمل الانتصار والحث على طلب الثأر، فكتب أغنية «موال النهار» التي تغنى بها عبدالحليم حافظ، ليتحقق النصر في النهاية العام 1973، كما فعل ذلك من قبل يتعامل الآن مع مرضه بنفس القدر من المقاومة والصمود.

يشعر الأبنودي «الإنسان» وهو في باريس، أنه لم يغادر وطنه مصر، بعدما توالت عليه الزيارات والاتصالات من كل مكان، ومن أشخاص يعرفهم، وكثيرون في أوروبا لا يعرفهم، لكنهم يعرفونه جيداً من خلال قصائده وأشعاره، التي تجسد أحلامهم وأمانيهم، إلا أن الأبنودي «الشاعر» كان يفضل البقاء في وطنه، وتلقي العلاج وهو في منزله، الذي كان قد تحول قبل سفره لباريس إلى مستشفى صغيرة، بسبب رفضه الذهاب إلى أي مستشفى لتلقي العلاج، وهو ما فسره الأبنودي بقوله «كنت حريصا على البقاء في منزلي حتى النهاية.

على الرغم من اشتداد المرض عليّ، إيماناً منى بأنه إن لم يقدر لي الشفاء، فالأفضل أن أموت على تراب بلدي وبين بناتي»، وربما لهذا السبب ظل الأبنودي رافضاً لفكرة السفر للخارج، رغم محاولات عديدة لتثنيه عن هذا القرار، ومن بينها محاولات لفاروق حسني وزير الثقافة، حتى جاءت مكالمة الكاتب الكبير محمد حسين هيكل لتشجعه على السفر للعلاج، بعد عودته هو الآخر من رحلة علاج ناجحة من أميركا.

والأبنودي الذي ولد في قرية أبنود بمحافظة قنا في صعيد مصر العام 1938، استطاع ببراعة فائقة أن يلتقط في شعره هموم الناس البسطاء، وغلبت على إبداعه مفردات معينة لعبت النشأة دوراً مهماً فيها، وهو ما يعبر عنه شاعر الصعيد بقوله: «خرجت من بيئة أظن إنني أول من عبر عنها بصورة حقيقية وتفصيلية، فأنا ابن أسرة فقيرة - هي في الواقع ليست كذلك.

لكن الفترة التي خرجت فيها إلى الحياة، فرضت معاناة حياتية على أمي وجدتي «ست أبوها»، وهما المرأتان اللتان أدين لهما بكل ما صدر مني وعني من إبداع، كان حلمي الدائم أن أسرق لغتهما ونظرتهما للحياة وعلاقتهما بالله وبالطبيعة، وأعتقد أنهما كانتا بمثابة كتاب ضخم، يحوي كل التراث الشعبي والإنساني، لدرجة أستطيع أن ألخص فيهما صعيد مصر»، ولعل هذه النشأة تفسر سر اختيار الأبنودي للعامية، على الرغم من أن والده كان شاعراً للفصحى، ومعلماً للغة العربية، ورجل دين، لكن حبه لأمه وجدته الصابرتين على الحياة، قاداه إلى اكتشاف كل أساسيات صبر الإنسان المصري وعراقته وحبه للحياة.

لا خلاف على أن الظروف التي يمر بها المجتمع، تفرض على الشاعر توجهاً معيناً، والأبنودي ينتمي إلى جيل خرج مع بدايات الثورة. وأسهمت المعارك ضد الاستعمار في أن تلهب الوجدان الجماعي ليس فقط في مصر، بل في أنحاء الأمة العربية كافة، فيقول الأبنودي «أستطيع أن أقول إنني ربما توليت حرب 67 بنتائجها، كما تولى صلاح جاهين حرب 56 بنتائجها.

وكتبت أغنيات مثل: «أحلف بسماها وبترابها»، «ابنك يقولك يا بطل هات ليّ النهار»، «بركان الغضب، وغيرها، وبعد النكسة كان لابد من إشعال روح التفاؤل والأمل مرة أخرى، من خلال أغنية «موال النهار» أو «عدى النهار»، التي لحنها بليغ حمدي وغناها عبد الحليم، ولعبت تلك الأغنية الدور بكفاءة شديدة.

أخيراً قد تكون أسرة الأبنودي صغيرة بالفعل، لكنها كل حياته، بدءاً من زوجته الإعلامية نهال كمال، التي كانت تجمعها به علاقة صداقة قبل الزواج، علاقة أستاذ بتلميذته، وانتهاءً بابنتيه آية ونور، ويصف الأبنودي هذه الأسرة فيقول «إنها عائلة ديمقراطية بمعنى الكلمة، حيث لا يتدخل نهائياً في اختيارات بناته، وبشكل خاص فيما يخترنه من أغانٍ لسماعها».

لا لعاصفة الغناء الهابط

الأبنودي من الشعراء القريبين إلى مجتمعهم، وله آراء عديدة تجاه قضاياه المختلف من بينها رأيه في عاصفة الغناء الهابط المسيطرة على الساحة الآن حيث يقول إنه مع قلة المناطق التي تشهد حروباً مع العدو الإسرائيلي، إلا أنه أُغلقت الكثير من المسام الوطنية في جسد الأمة، وكان لابد أن يتوقف التعبير الوطني بصورته القديمة، وأن تستحدث أشكال للغناء الوطني مختلفة تماماً عن تلك التي نراها في التلفزيونات العربية، من شباب يلبس أبيض في أبيض، ويغني بأصوات خافتة لا يمكن أن توحي بالوطنية.