كشف تقرير اقتصادي عن عجز شركات المقاولات بالإمارات على مواكبة الطفرة العقارية والعمرانية التي تشهدها الدولة وعدم تناسب إمكانات الشركات مع المشاريع المطروحة. وقدر التقرير بان النقص في احتياجات السوق المحلي من المقاولين سوف يتراوح ما بين 30% و40% وسوف تتطلب تغطية هذا النقص تسهيلات لدخول الشركات العالمية للسوق المحلية بشروط ميسرة ومرونة أعلى.
وأشار التقرير إلى ارتفاع تكلفة استقدام العمالة وإصدار تصاريح العمل إلى 8000 درهم للعامل الواحد وإلى تجميد أموال تقدر بمليارات الدراهم في قطاع البناء والتشييد نتيجة لقرار الضمان المصرفي للعمالة وأثاره السلبية. ولفت التقرير إلى أن وجود الشركات الوهمية في مجال المقاولات تسبب في سن قوانين رادعة ومتشددة فيما يتعلق بتنظيم سوق العمل حيث أدى قيام هذه الشركات بالمتاجرة بالأيدي العاملة إلى رفع تكلفة المشاريع على الشركات الأخرى.
ورغم عدم وجود بيانات معتمدة عن عدد الشركات الوهمية في قطاع البناء والتشييد إلا انه يرجح أن تصل إلى ما نسبته 50% من الشركات المسجلة «كما أورد التقرير». وذكر التقرير الذي أعده مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بغرفة تجارة وصناعة أبوظبي أن عدم وجود تصنيف موحد لشركات المقاولات بين إمارات الدولة يتسبب ببعض الصعوبات من حيث اختلاف قوانين ومطالب التقدم للحصول على رخصة مزاولة العمل بين إمارة وأخرى.
فالشركة العاملة في إحدى الإمارات التي ترغب بتوسيع أعمالها في إمارة أخرى يجب أن تحصل على رخصة العمل التي سيتم بناء عليها تصنيفها، الأمر الذي سيختلف بناء على قوانين تلك الإمارة عن التصنيف الحاصلة عليه في الإمارة التي تعمل فيها.
ووفقا للتقرير فقد أدى النمو الكبير في السوق العقاري الذي يرافقه طرح المشاريع الضخمة والمبتكرة في مختلف القطاعات إلى عجز شركات المقاولات عن مواكبة حجم هذا العمل الذي يحتاج إلى خبرات وقدرات متخصصة، حيث إن حجم المشاريع المتوفرة حاليا يزيد على الطاقة الاستيعابية لشركات المقاولات العاملة مما دفع بعض الشركات إلى الاعتذار عن تنفيذ العديد من المشاريع أو التقدم بعروض أسعار مبالغ فيها بسبب الوصول إلى حالة اكتفاء من المشاريع.
وذلك بسبب عدم توفر الإمكانات الفنية والإدارية والمالية التي تؤهلها لتنفيذ مختلف المشاريع، حيث تعاني معظم شركات المقاولات من نقص أعداد العمالة خاصة بعد تعديلات القوانين الخاصة بالعمل مؤخرا، إضافة إلى المنافسة الشرسة على توفير مواد البناء الرئيسية والمعدات والآليات، لذلك يتم في كثير من الأحيان اللجوء لشركات أجنبية ذات اختصاصات معينة لتنفيذ المشاريع.
وتشير بعض المصادر المختصة إلى أن النقص في احتياجات السوق المحلي من المقاولين سيتراوح ما بين 30% إلى 40%، وسيتطلب تغطية هذا النقص تسهيلات لدخول الشركات العالمية للسوق المحلي بشروط ميسرة ومرونة أعلى. وأورد التقرير أن المشكلة الأساسية التي تواجه المقاولين هي تأمين أعداد العمالة المناسبة خاصة بعد صدور القوانين الجديدة التي أسهمت في تنظيم سوق الأيدي العاملة وخروج العمالة غير المنظمة أو السائية، حيث أدى هذا العامل إلى ارتفاع التكلفة الإنشائية، مما نتجت عنه أعباء مالية إضافية على المقاول خاصة في المشاريع المتعاقد عليها سابقا.
وقد تسببت مهلة العفو التي منحت للعمال غير الشرعيين لتسوية أوضاعهم مع إعفائهم من الغرامات بمغادرة عشرات الآلاف من العمال للإمارات مما تسبب بنقص في عمال قطاع البناء والذي يشهد فورة كبيرة في البلاد، حيث تذكر بعض المصادر أن حوالي 300 ألف عامل قد تبخروا من السوق، وأكثرهم ممن يعملون في قطاع البناء والتشييد، ويعمل في قطاع البناء الذي يعاني من النقص في الأيدي العاملة الماهرة مئات آلاف العمال الذين يتقاضون أجورا منخفضة والقادمين بشكل أساسي من الهند وباكستان وبنغلاديش ولا تتجاوز رواتب القسم الأكبر منهم 200 دولار شهريا.
ويتوقع أن يسفر هذا النقص في اليد العاملة عن ارتفاع رواتب العمال بهدف إغراء الذين غادروا وإعادتهم، وأيضا سترتفع تكلفة العمالة حيث ستكون الشركات الإماراتية مضطرة لدفع تكاليف تدريب العمالة غير الماهرة، وسيتمكن العمال الذين قرروا تسوية أوضاعهم والبقاء في الإمارات أن يطالبوا برواتب وظروف عمل أفضل عند توقيعهم عقودهم الجديدة لأنهم باتوا في موقع أقوى.
وأيضا يعاني قطاع البناء والتشييد من ندرة الكوادر الوطنية العاملة فيه وخاصة في مجال الهندسة التنفيذية، حيث انه لا ضمان على استمرارية الكفاءات الوافدة العاملة بسبب القوانين والإجراءات المختلفة التي تطبق من حين إلى آخر.
كذلك تسببت قرارات وزارة العمل المتتابعة والمفاجئة المتعلقة بتنظيم سوق العمالة من حيث الرسوم والكفالة البنكية ومن قرار توقف العمل في وقت الظهيرة في شهور الصيف، والقرار المتعلق بجواز إعارة عمال المشاريع في قطاع البناء والتشييد من منشأة إلى أخرى، بزيادة الأعباء على الشركات العاملة في قطاع البناء والتشييد، والتي تعتمد بشكل أساسي في أعمالها على الموارد البشرية.
وبحسب التقرير فقد ارتفعت تكلفة استقدام العمالة وإصدار تصاريح العمل إلى مستويات عالية، حيث وصلت إلى حوالي 8000 درهم للعامل الواحد، إضافة إلى ارتفاع تكاليف تجديد بطاقات العمل والإقامة، حيث باتت هذه الزيادة تؤثر كثيرا في تكاليف المشاريع المستقبلية التي بدورها ستؤثر على ارتفاع الأسعار والتكلفة التشغيلية للمشاريع.
وأيضا كان لقرار الضمان المصرفي للعمالة أثاره السلبية الكبيرة حيث أدى إلى تجميد أموال تقدر بالمليارات في قطاع البناء والتشييد والذي يستحوذ على نسبة أكثر من 22% من إجمالي العمالة في الدولة، مما يؤثر على أعمال الشركات، فمثلا الشركات التي بها 10000 عامل يكون فيها إجمالي المبالغ المجمدة حوالي 30 مليون درهم، وهذا مبلغ كبير بالنسبة لميزانيات المقاولين وحجم المشاريع التي يدخلون فيها في ظل الطفرة العمرانية المزدهرة في الدولة.
وبالنسبة لقرار توقف العمل وقت الظهيرة في فصل الصيف يقدر معدل الضرر الزمني والمادي الذي نتج عن قرار وزارة العمل والمتعلق بتوقيف العمل لأربع ساعات يوميا طيلة شهري يوليو وأغسطس، بنسبة تراوحت ما بين 20ـ 25 في المئة من الكلفة التشغيلية الإجمالية المقدرة لهذه الفترة، وذلك بناء على المعطيات التي برزت مع انتهاء هذه المدة التي حددها القرار.
حيث إن الأضرار المادية نتجت عن محاولة تعويض ساعات التوقف نهارا من خلال العمل ليلا وهو ما استدعى تقديم بدل اجر إضافي للعمال وإنارة مواقع العمل إلى جانب تكاليف نقل العمال من وإلى موقع العمل خلال فترة التوقف، فضلا عن الأثر المرتبط بالاضرار الزمنية الناتجة عن التأخر في انجاز مراحل العمل المرتبطة بجدول زمني محدد وانخفاض القدرة الإنتاجية والتشغيلية للأيدي العاملة، وهو ما يكلف المقاول غرامات وعقوبات مادية.
ويرى التقرير أن قرار وزارة العمل المتعلق بإعارة عمال المشاريع في قطاع البناء والتشييد من منشأة إلى أخرى جاء، مناقضا ومفاجئا لتوقعات العاملين في القطاع بعد أن طالت المطالبة من قبلهم بإقرار وتشريع قانون يسمح بتدوير وإعارة العمالة ما بين المنشآت العاملة في القطاع.
حيث فاجأ القرار جميع الفئات العاملة في القطاع من خلال ما تم إقراره بفرض رسوم عالية ومبالغ فيها مقابل إعارة العمالة، مما سيترتب على العديد من العواقب التي ستنعكس على القطاع جراء هذا القرار، ومنها ظهور وتوسع قاعدة المضاربة والمتاجرة الخارجية في سوق العمالة، إضافة إلى ارتفاع وتضخم التكلفة التشغيلية للمشاريع.
الشركات الوهمية
وقد تسبب وجود الشركات الوهمية في مجال المقاولات بنقطة الضغط التي تم بناء عليها إعادة سن القوانين الرادعة والمتشددة في ما يتعلق بتنظيم سوق العمل والعمال، حيث أدى قيام هذه الشركات بالمتاجرة بالأيدي العاملة إلى رفع تكلفة المشاريع على الشركات الأخرى إضافة إلى التشدد في التشريعات التي تنظم سوق العمالة الوافدة والذي أدى إلى تضرر العديد من الأطراف المرتبطة بنفس هذا القطاع الحيوي.
كما تؤثر بصورة مباشرة على مصداقية العمل في قطاع المقاولات على مستوى الدولة، وفي هذا المجال لا تتوفر بيانات معتمدة عن عدد الشركات الوهمية في قطاع البناء والتشييد حيث انه يرجح بما نسبته 50% من الشركات المسجلة، وهنا يتبين ضرورة الكشف عن العدد الحقيقي لشركات المقاولات العاملة في القطاع للوقوف على مدى الاحتياجات اللازمة للقطاع من حيث التخصصات والخبرات، وجوانب القوة والضعف فيه إلى جانب تحقيق معنى العدالة والمساواة في توزيع الأعمال للشركات حسب إمكاناتها وقدراتها الفنية والمالية والإدارية
