أطفال يمسكون بثياب أمهاتهم المزركشة بالأحمر المطرز على لباس فلسطيني تقليدي، ينثرون الخطى في تسارع وتسابق بريء نحو الهدف، وشبان وشابات يتقاطرون فرحاً وانتماءً ممتزجين بألوان فلسطين الأبيض والأسود والأخضر والأحمر، والقاعة المتواضعة في الحجم تضيق شيئاً فشيئاً، فيما الساحة الخارجية من المبنى امتلأت عن بكرة أبيها بالكراسي والطاولات التي جمعت الأصدقاء من الآباء وكبار السن نسبياً.
عند مدخل القاعة المخصصة للاحتفال، وقف مجموعة من الشباب الصغار المتطوعون لبيع بعض المشغولات اليدوية الفلسطينية والمطرزات والكوفيات والأعلام للجمهور، وفي القاعة امتلأت المقاعد قبل الموعد، وعلى المنصة بدت الحركة دؤوبة لترتيب فعاليات الحفل التي جاءت في 27 فعالية متتالية.
الحدث كما كان بالنادي الثقافي العربي بالشارقة مساء أول من أمس، احتفالية فلسطينية جمعت مئات العائلات والشباب والأطفال، لمتابعة فعالية فنية تراثية بمناسبة ذكرى مرور يوم الأرض التي كانت في الثلاثين من مارس الماضي، والجهة المنظمة هي وحدها فرقة البيادر لإحياء التراث الفلسطيني، التي تتخذ من الإمارات مقراً لها وتعتمد على العناصر الفلسطينية والعربية الشابة المتطوعة خدمة لقضية العرب والمسلمين (فلسطين).
الوقت المقرر للبداية كان التاسعة مساءً، فيما تأخرت الانطلاقة دقائق محصورة، قبل أن تشتعل القاعة حماساً على أنغام «اليرغول والقربة»، والطبلة والعود، لتعلو الأصوات، ويتزاحم الصفير والتصفيق والهتاف في فناء القاعة الملتهب فرحاً وولاءً، لاسيما من الشباب الصغار الذين تراصوا على جدار القاعة الخلفي، ليؤمنوا لأنفسهم رؤية أوضح للمشهد المتواضع، وتفاعلاً أكثر حماساً وعفوية لا تطلها جهود الشباب المتبرعين لتنظيم الحفل.
اللافت في الحدث أنه جاء خالياً ومجرداً عن أي تمثيل رسمي، وظل مقتصراً على الجماهير العاشقة لتراب فلسطين، دونما تفريق بين صغير وكبير أو رجل وامرأة، أو فلسطيني وعربي. وفي ذلك المكان لا أحد يسأل عن جنسية أو انتماء سياسي، ولا أحد يقبل بغير فلسطين كلها، ولا أحد يزايد على أحد، فالقاعة ضجت بأبناء فلسطين، من غزة ورام الله وطولكرم وجنين، وبقية أراضي ال67، ومن اللاجئين الذين أجبرتهم قوة الاحتلال على العيش في لبنان أو سوريا أو مصر أو الأردن، والجميع يقيم في دولة الإمارات.
اللافت في الأمر كله ليس حجم الولاء والانتماء تجاه الوطن فلسطين، الراشح من أفواه وقلوب الحاضرين، فلا أحد تطأ قدماه المكان لا يحلم بفلسطين حرة عربية، الأكبر من ذلك كان الجهد الجبار الذي تكفلت به فرقة البيادر الفلسطينية التراثية، التي رتبت فعاليات الحفل من ألفه إلى يائه بمبادرة منها دون أجر أو مقابل.
الأمر الأكثر تعبيراً كان انخراط بعض الشباب العرب المتطوعين بالفرقة من مصر والعراق وسوريا، الذين أجمعوا أنهم فلسطينيون منذ اللحظة الأولى، ففلسطين قضية العرب والمسلمين، ولا نقبل أن نكون في غير خانة الأوفياء دائماً، وهذا كلامهم، ومنهم: سامح عادل من مصر، ومازن ماهر من العراق، ورامي فاضل من سوريا، ومدحت قطف من سوريا، وجميعهم يعزفون ويغنون ويرقصون ويدبكون على اللحن الفلسطيني.
بداية الحفل كانت بآيات من القرآن الكريم، تلاها السلامان الوطنيان الإماراتي والفلسطيني، لتنطلق بعدها كلمات المتعة والفرحة والانتماء والولاء الممزوجة بلمسة غنائيةً، وعلى نغم أغنية «قادمون يا تراب الأنبياء يا بلادي»، اشتعلت القاعة، ثم توالت أغنيات الوطن التي كانت منها «وين عرام الله»، و«ياجماهير الأرض المحتلة»، و«عالجهادية»، «والشعب الفلسطيني ثورة»، و«عالأوف مشعل»، وغيرها من الأغنيات التي ألهبت الحماس طويلاً.
أما الدبكة ـ عنوان الفرحة الفلسطينية ـ فقد غمرت المكان طويلاً، وكان منها «الطيارة» و«الكرادية» وعاليادي» و«الدلعونة»، و«الشعراوية» و«العسكر» و«الشبابية» و«شباب العرب» والشمالية»، وجميعها تفوقت على بعضها البعض، في حفل تواصل لما بعد منتصف الليل.
نجم الحفل غير المتوقع كان الطفل الذي لا يتعدى في عمره الخمسة أعوام، وهو أدهم شاكر محمود، الذي قدم دبكة هزت إحساس الحضور عميقاً، وجذبت الأنظار، وأخرجت الأيادي عالياً، والظريف في الأمر أن أدهم وبعد أن اختتمت فرقته استعراضها الفني المقرر والمتقن، عاد وحيداً إلى المسرح رافعاً يداً تحية للجمهور وحاملاً إصبعيه في اليد الأخرى في مشهد فلسطيني لا يغيب عن أذهان الصغار والكبار، ويذكر على الدوام بشهيد فلسطين «الختيار» المغفور له القائد أبو عمار.. المشهد الذي صنعته أنامل الطفل الصغير كان «لنا النصر إن شاء الله».
الشارقة ـ عنان كتانة
