لأول مرة في دولة الإمارات، والبداية من الشارقة.. مركز للموسيقى ترعاه وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، ويعنى بتعليم 30 شاباً مواطناً على مختلف الآلات الموسيقية الشرقية، والهدف الصريح الأكبر والأوضح، يتمثل في تكوين أول فرقة موسيقية وطنية تتبع وزارة الثقافة، وتمثل الدولة في مختلف المحافل داخلياً وخارجياً.
وتحت رعاية معالي عبد الرحمن العويس وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، افتتح مساء أول من أمس المركز الجديد الكائن في منطقة القوز بالشارقة، والذي يضم طلاب إماراتيين متدربين جاءوا من مختلف إمارات الدولة، ليتعلموا الموسيقى على يد ستة أساتذة قدموا من أكاديمية الفنون المصرية الجهة المشرفة على المركز حسب الاتفاقية الموقعة بينهما. - مكافأة شهرية: وبحسب القائمين على شؤون المركز الجديد، فهو يمثل نواة لتأسيس معهد عال للموسيقى بالإمارات، وقد تم اختيار الطلبة بعد اختبارات استمرت ثلاثة شهور.
حيث بني الاختيار على الموهبة والخبرة السابقة حتى لو كانت بسيطة، إضافة إلى الرغبة في التعلم، وتم الاتفاق على أن تكون الدراسة في الفترة المسائية ولمدة أربع ساعات يوميا على أربعة أيام أسبوعياً، وقد بدأت الدراسة فعلياً في المركز منذ مطلع أبريل الجاري، وتم صرف 6 آلاف درهم مكافأة شهرية للمتفرغين الملتحقين بالمركز، علاوة على أن الوزارة ستعين خريجي الدفعة الأولى في الفرقة الموسيقية التي ستكونها، والتي ستمثلها داخل الدولة وخارجها.
وقبيل حفل الافتتاح، عقد مؤتمر صحافي بمقر المركز للإعلان عن تفاصيل إنشائه، حيث وقع بلال البدور المدير التنفيذي للشؤون الثقافية وتنمية المجتمع بوزارة الثقافة، والدكتور عصمت يحيى مدير أكاديمية الفنون المصرية اتفاقية تعاون مشترك بين الأكاديمية والوزارة، لإنشاء مركز تعليم موسيقى يتبع الوزارة وتشرف عليه أكاديمية الفنون المصرية، وذلك بحضور عيد الفرج مدير إدارة الفنون والتراث بوزارة الثقافة، والفنان الإماراتي عبد الله بالخير الذي جاء مباركا افتتاح المركز.
اجتهاد ومعاناة
وفي رد على أسئلة الصحافيين، أوضح بلال البدور أن أبناء الإمارات في المراحل الزمنية السابقة اجتهدوا في تعلم الموسيقى والسير بدروبها، إلا أن الكثير من الظروف حالت دون ذلك، حيث لا يزال الكثيرون في المجتمع الإماراتي والخليجي ينظرون بصفة عامة إلى هذا العمل بنظرة لا تتناسب مع وضعيته الفنية التي تميز إبداعه وموهبته، كما كان سائداً بالنسبة للدول العربية الأخرى، وقد حرصت الوزارة على إثبات فكرة إنشاء مركز لتعليم الموسيقى أولاً، بغية تحقيق الهدف الثاني والأساسي وهو تكوين أول فرقة موسيقية تابعة لوزارة الثقافة، لتمثلها وتصاحب فعالياتها داخل الدولة وخارجها، شريطة أن يكون جميع أفرادها من المواطنين.
وأضاف البدور أن الوزارة عانت كثيراً في توفير فرقة موسيقية إماراتية خالصة، رغم محاولات الرعيل الأول والمبدعين الإماراتيين المعروفين في هذا الجانب، ولكن وبعد إنشاء هذا المعهد ستزول هذه العقبة نهائياً، لافتاً إلى أن محاولة وزارة الثقافة لإيجاد عمل مؤسس لاحتضان الحركة الموسيقية والنهوض بها، يأتي وفق متطلبات المرحلة الحالية التي تشهدها دولة الإمارات.
استناداً إلى مقولة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي: «لا نريد أن تكون الإمارات في الصف الأول، وإنما في مقدمة الصفوف، في جميع مناحي الحياة». وحول التعاون المشترك بين وزارة الثقافة وأكاديمية الفنون المصرية، أشار البدور إلى أن المباحثات تجري منذ فترة طويلة، وقد أثمرت عن هذا التعاون المشترك الذي نأمل جني ثماره في المرحلة المقبلة.
تعاون مشترك
وأثنى الدكتور عصمت يحيى رئيس أكاديمية الفنون المصرية، على اختيار المكان المناسب للمعهد المتميز، وعلى تنظيمه بطريقة تتلاءم مع هويته التي تسعى الوزارة إلى تثبيتها عبر فن الموسيقى الراقي الذي سيدرسه الطلاب في مختلف تخصصات الموسيقى الشرقية، موضحاً أن المحادثات كانت في البداية بين معالي عبد الرحمن العويس وزير الثقافة في دولة الإمارات وفاروق حسني وزير الثقافة المصري الذي رحب بفكرة التعاون المشترك بين الوزارة والأكاديمية.
وأضاف يحيى قائلاً: «منذ ذلك الحين، تم العمل سريعاً من أجل ترتيب إجراءات إنشاء المركز الذي يتبع وزارة الثقافة وتشرف عليه أكاديمية الفنون المصرية وفق للوائح والقوانين التي تضبط العملية التعليمية فيه، والتي اعتمدت من قبل وزارتي الخارجية والثقافة في الإمارات، ومجلس الأكاديمية في مصر، حيث تلا ذلك عمل اختبارات لـ 30 طالباً من جميع تخصصات الموسيقى الشرقية، وتم إحضار مدرسين متخصصين لتولي أمر الطلاب الملتحقين بالمركز».
منهاج دراسي
وأشار يحيى إلى أنه تم إعداد منهاج دراسي لمدة عامين بمعدل 16 ساعة أسبوعيا بمعدل 768 ساعة تدريب سنوياً، وسيحصل المتدرب على شهادة انجاز وفقاً لمرحلة التدريب الفني، وذلك بعد اجتياز مجموعة من الاختبارات التي تقام كل ثلاثة شهور. وقال إن اجتياز هذه الاختبارات يؤهل المتدرب للالتحاق بأكاديمية الفنون المصرية مباشرة من دون الخضوع لأي اختبارات أخرى شريطة أن يكون الطالب حاصلاً على شهادة الثانوية العامة.
وحول الآلات الموسيقية التي يتعامل معها الطلاب، أوضح يحيى أن كل متدرب يختار آلة موسيقية واحدة من الآلات الستة، وهي: القانون والتشيلو والكمان والكونتر باص والناي والعود، مع وجود مدرسين للآلات الموسيقية المتوفرة، وسيتم تغييرهم كل ثلاثة شهور، حيث إن الشهادة الممنوحة من قبل المركز هي شهادة اجتياز التدريب العملي للدورة بمختلف مراحلها.
الهوية الإماراتية
ولفت عيد الفرج مدير إدارة الفنون والتراث بوزارة الثقافة ومدير مركز الموسيقى إلى أنه وبموجب الاتفاقية المشتركة ستكون مهمة الفرقة الموسيقية الإماراتية التي سيتم إنشاؤها الحفاظ على الهوية الإماراتية وتمثيل الوزارة، مؤكداً أنه وخلال الفترة المقبلة، سيتم توسعة نشاط المركز بحيث يشتمل على تعليم الغناء والإنشاد.
وقال الفرج: «إن شهادة الإنجاز التي ستمنح للخريجين بعد الدراسة لعامين تؤهل صاحبها لأن يصبح عضواً في الفرقة الموسيقية الوطنية التابعة للوزارة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الطلبة وبمجرد تخرجهم من المركز، سينتمون للوزارة كموظفين رسميين في الفرقة الوطنية، ثم إن الطلاب الحاصلين على شهادة المركز ستتاح لهم إمكانية الاستفادة من نظام الدراسة المعمول به في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي من خلال كليات التقنية العليا، وذلك بترتيب مستقبلي لإجراءات العمل بين وزارتي الثقافة والتعليم العالي.
30 شاباً مواطناً يضعون أقدامهم على سلم أول فرقة موسيقية إماراتية
العازفون يتساءلون: لماذا لا تكون الموسيقى جزءاً من تفوق الإمارات عالمياً؟ في الأمسية الموسيقية، قدم طلاب المركز عزفاً متقناً لعدد من الأغنيات العربية والمحلية، منها الأغنية الوطنية المحلية «سيدي يا سيد ساداتي» للفنان المرحوم جابر جاسم، وهي من كلمات الشاعر المرحوم أحمد المرر الكندي، في حين أكد العازفون المواطنون أنهم سيواصلون مشوارهم إلى أن يتمكنوا من تمثيل الإمارات موسيقياً في مختلف المحافل، انطلاقاً من الواجب الوطني الذي يؤمنون به، متسائلين لماذا تظل الإمارات حاضنة الفن العربي، والرائدة في مختلف المجالات عاجزة عن تكوين فرقة موسيقية وطنية ترفع اسمها عالياً.
سلطان سالم القبيسي (23 عاماً) يعزف على آلة العود، أكد أنه تعب على تنمية هوايته في العزف منذ الصغر، والتحق بدورات داخل الدولة وخارجها، إلى أن وجد فرصته الذهبية في المركز الوطني الجديد. محمد عتيق (24 عاماً) يجيد التعامل مع الطبلة، ويشارك في العديد من حفلات الأعراس والمناسبات بجهود ذاتية لفرقته الموسيقية التي تعمل على آلات عزف محلية، يأمل مثلما يتمنى أن يأخذ بيده المركز ليصبح أول مواطن يساهم في رفع اسم الإمارات ضمن فرقة وطنية موسيقية، متسائلاً: «ألم يحن الوقت كي تتألق الإمارات موسيقياً كما هو الحال في القطاعات الأخرى؟».
أما زميله سلطان بن شنه، العازف على آلة «التشيلو» والبالغ من العمر 20 عاماً، فأكد أنه يتطلع إلى دراسة الموسيقى في أكاديمية الفنون المصرية بعد الانتهاء من المركز، ليصبح أستاذاً للموسيقى يأخذ بيد إخوانه الموهوبين من الشباب المواطنين، كما أنه يحلم بأن يتألق ليظل عضواً بارعاً في الفرقة الموسيقية الوطنية، ليؤمن لنفسه مستقبلاً موسيقياً، على قدر ما هو متحمس لخدمة بلده داخلياً وخارجياً.
عبدالله الشاعر (26 عاماً) يعزف بتألق على آلة العود، ويحلم بأن يصل لمرحلة التأليف الموسيقي، لكونه متعلقاً بهذا المجال منذ نعومة أظفاره، في حين يتوقع أن الفرقة الوطنية الأولى، ستكون قد تشكلت فعلياً في غضون 6 شهور، بعد أن تتمكن من العزف الجماعي، بفعل لملمة الجهود من قبل الأساتذة الموسيقيين الموجودين في المركز، معتبراً أن الموسيقى ليست مجرد فن، بل هي ثقافة شعب، ولا بد أن يخرج الشباب المواطنون إلى العالم بمعزوفات موسيقية ترقى إلى واقع الإمارات إقليمياً وعالمياً، وهو ما سيكون بفعل إصرار وزارة الثقافة راعية المشروع، وإخلاص الطلاب المواطنين الملتحقين بالمركز.
لقطات ومواقف
* المركز الجديد مكون من أربع قاعات رئيسية، حملت أسماء فنانين إماراتيين أوائل، ممن أسهموا في إثراء الحركة الفنية في الدولة، منهم: محمد عبدالسلام، وجاسم عبيد، ومحمد سهيل، وجابر جاسم، وسيتم افتتاح قاعتين أخريين قريباً، بأسماء فنية إماراتية قديمة.
* بلال البدور قال: ما نعانيه في الدولة أننا لا نستطيع المشاركة في الغناء بصفة رسمية في مختلف الفعاليات المقامة، لدينا مطربون إماراتيون ولا نملك فرقاً للعزف الموسيقى، وإن وجدت مشاركات، كانت مثل جهاز التسجيل والكاسيت.
* الفنان عبدالله بالخير قال خلال الافتتاح إن جميع الفنانين الإماراتيين تطلعوا منذ البداية لإيجاد الموسيقى الإماراتية، ولكن للأسف لم تتوفر الفرصة، إلى أن أتيحت في العام 2008، وهي نقطة تحول تاريخية على صعيد الفن والموسيقى الوطنية.
* رياض القدسي رئيس أوركسترا الإمارات السمفونية شارك في حفل افتتاح المركز الموسيقي، فيما وجه له بلال البدور سؤالاً حول إذا ما كان فرقته تضم عازفين مواطنين، أجابه: منذ 15 عاماً لم يلتحق أي إماراتي بالفرقة، رغم الدعوات والمناشدات المتكررة.
* إحدى الصحافيات وجهت سؤالاً إلى عيد الفرج، فحواه: لماذا تقتصرون تعلم الموسيقى في المركز على الطلاب الذكور دون الإناث، فأجابها مازحاً: سامحك الله نحن نعاني حتى الآن من استقطاب الشبان، فكيف تتحدثين عن الإناث؟
* تبع المؤتمر الصحافي حفل في باحة المركز، تخلله عزف لأساتذة الفرقة والطلاب الإماراتيين، وقد قدم الشباب المواطنون بعض الأغنيات والمعزوفات الجماعية والمزدوجة والمنفردة، بتألق رافقته رهبة البداية والخجل النسبي، رغم التشجيع القوي من الحاضرين على أدائهم المتمكن.
* أدى الأخوان التونسيان التوأم محمد والبشير المغربي عزفاً ثنائياً متقنناً ألهب حماس الجمهور لساعة متأخرة من الليل، حينها تحفز الفنان عبدالله بالخير لمدحهما مطولاً قبل أن يهنئ زميله عيد الفرج القائم على مشروع المركز، ممازحاً إياه بالقول «حالك في هذه الأمسية يشبه حال أم العروس».
* تم خلال الحفل تكريم الجهات الداعمة للمشروع من الطرفين الإماراتي والمصري، فيما حظي الفنان الإماراتي المخضرم عدنان الهاشمي بتكريم خاص، وهو في سن جاوز الستين عاماً، لكنه أصر على مشاركة الشباب المواطنين في العزف على المسرح.
* الطلاب الإماراتيون أمل الفرقة الموسيقية الوطنية الأولى، الملتحقون بالمركز الموسيقي الجديد، قدموا من مختلف إمارات الدولة، حيث وفرت لهم وزارة الثقافة بالإضافة إلى الراتب الشهري سكناً في الطابق العلوي من المركز برفقة المدرسين المصريين.
* عيد الفرج قال خلال حفل الافتتاح: «إننا نتوق لجني ثمار التجربة بعد عامين، لتكون الفرقة الوطنية بفنانيها الشباب طلاب هذا المركز أول نواة فاعلة لأكاديمية الموسيقى في الإمارات، لذا فإن هذه الأمسية تمثل بحجمها المتواضع يوماً تاريخياً بالنسبة للموسيقى في الدولة.
أرقام معلنة
بدأ 30 طالباً إماراتياً دراستهم الفعلية في مركز الموسيقى الوطني منذ 1 أبريل الجاري، بواقع 4 ساعات مسائية في اليوم الواحد ولمدة سنتين، وقد خصصت لهم وزارة الثقافة راتباً شهرياً قدره 6 آلاف درهم، وجلبت لهم بموجب الاتفاقية 6 مدرسين من أكاديمية الفنون المصرية، ووفرت لهم سكناً مجانياً في المركز برفقة المدرسين، حيث يتدرب الشبان المواطنون على 6 آلات موسيقية، وسيحظون في ختام تدريبهم بوظيفة رسمية في الوزارة، ليضمنوا بذلك أولى المقاعد ضمن فرقة وطنية موسيقية رسمية ترعاها وزارة الثقافة، وسوف يمثل هؤلاء الشباب النواة الأولى لأكاديمية موسيقية إماراتية تواصل عملها خلال السنوات المقبلة بنجاح وتألق وبدعم من وزارة الثقافة حاضنة المشروع من البداية.
الشارقة ـ عنان كتانة

