إذا كان «تلاميذ الخوف» عنواناً ينضوي على جملة من الدلالات المتباينة التي تطاول مختلف أوجه الوجود الإنساني، بما في ذلك البعد النفسي والسياسي، فقد ارتأى مخرج العرض ومعدّه مأمون الخطيب أن يقصرها على الدلالة الاقتصادية الاجتماعية المتأتية عن واقع التدهور المعيشي وضيق الحال الذي اتسع في الآونة الأخيرة، ليلقي بظلاله الموحشة على حياة معظم البشر، ويضعها تحت خطوط الفقر، والعرض مأخوذ عن نص أيفون وولف، ومن أداء نهال خطيب، مروان فرحات، لمى الحكيم، كميل أبو صعب، فدوى سليمان، مجد فضة وأسامة التيناوي، ويجري تقديمه حاليا على مسرح القباني بدمشق، في إطار عروض المسرح القومي وبمناسبة يوم المسرح العالمي.
انطلقت تفاصيل العرض وأحداثه من واقع أسرة ورثت الفقر أبا عن جد: رب الأسرة متقاعد، والأم لا تعمل، وهي تحاول إرغام ابنتها على الزواج من رجل غني لا تحبه كحل لمشاكلها المالية وضمان لمستقبلها، الأخ يكدح منذ فتوته، والأخ الآخر يحاول تجاوز أزمته المعيشية تارة بالاحتيال، وأخرى بالزواج من فتاة ثرية، وتكتمل هذه الدائرة الخانقة والمغلقة حين تقول الأم: (الفقر كالمرض المعدي، إن أصاب الإنسان ابتعد الناس عنه).
وبعد أن اكتملت الدائرة التي سوف تنمو في إطارها مقولة العرض، أتت الذروة الدرامية للحدث، فكدّ الأب المتواصل عبر سني الوظيفة مكّنه من تأمين بيت متواضع ودكان صغير لعائلته، لكن مع التدهور المعيشي يرهن الدكان لقاء قرض يود أن يشارك به في مشروع استثماري، وحين يفر صاحب المشروع بمال الشركاء، ويُحجز على الدكان، يُصاب الأب بسكتة قلبية ويموت، ومع هذا الحدث الانقلابي تتشتت أواصر الأسرة، تتزوج البنت الرجل الغني وتغادر منزلها ولا تعود إليه ثانية، كذلك يفعل الأخ المحتال، وفي المشهد الأخير لا يبقى في المنزل سوى الأم التي تراجع أوراق الحجز باستمرار، والأخ الكادح الذي يحاول إقناعها بأن ما حدث لا يمكن إصلاحه.
وفي هذا السياق العام للحكاية وظّف المخرج كل عناصر العرض المسرحي لخدمة الحالة المقترحة، وهي حالة العوز بكل مفرزاتها الراهنة، فالإضاءة كانت شاحبة طغى عليها اللون الأزرق، وهو لون قلق وحزين، والموسيقى أسهمت في مضاعفة الإحساس الطاغي بالحزن، والديكورات الخشبية البسيطة التي شكلت غرفة الجلوس عكست تدني حالة الأسرة، وهذه الغرفة كانت المكان الوحيد الذي احتضن كل التفاصيل في زمن متسلسل وسريع.
إلى ذلك حافظ الخطيب على بيئة محايدة صالحة للتعميم، وجعل الشخوص ينطقون بالفصحى كونها لغة العقل، ولم يجر تجسيد معظم الأحداث، بل تم سردها عبر حوارات كثيفة، لم يكن الغرض منها سوى إظهار التشوهات السلوكية والذهنية التي تحدثها في النفس البشرية الحاجات الناقصة، وفي هذا السياق أيضا لم تأت الشخصيات بوصفها كائنات مكتملة، بل تقدمت بوصفها نماذج دلالية غايتها رسم معالم التعب والقلق والخوف من الغد، وغايتها إطلاق صرخة احتجاج ضد الفقر الأسود الذي يجتاح الأسر، يفّرغها من دفئها الإنساني، ويحجب عنها ضوء الأمل، وهي صرخة أتت في موعدها، إن كان على المستوى المحلي، أو كان على المستوى العالمي.
الفريق الفني: مساعد مخرج رامي عيسى، ديكور نعمان عيسى، أزياء وسام صبح، إضاءة بسام حميدي، مشاركة في الإعداد موسى أسود، مكياج هناء برماوي، مختارات موسيقية يزن الشريف، متابعة درامية وفنية إيناس حسيبة، مدير منصة أحمد سماحي.
دمشق ـ تهامة الجندي
