هل يقف قطاع الإنشاءات على أعتاب تدخل حكومي لضبط أسعار الاسمنت بعد أن باتت الارتفاعات السعرية تقصم ظهر العاملين في قطاع يتولى تنفيذ سلة عمرانية بقيمة 3 تريليونات درهم لأهم مفاصل التنمية الشاملة في الدولة؟ هل سيتسبب التدخل الحكومي ـ إن حدث ـ بتعريض مفاهيم السوق الحرة إلى الإرباك بعد أن ساهم تطبيق تلك المفاهيم بنجاح التجربة الإماراتية كما يتساءل احد المراقبين؟

ولماذا يرفض البعض التدخل الحكومي بينما هناك دول بما فيها العظمى منها تطبق سياسة السوق الحر وسبق وتدخلت لفرض الضرائب على واردات بعض السلع لحماية منتجاتها من الإغراق ومنعت تصدير بعض منتجاتها تحت عنوان عريض مفاده حماية المصلحة العليا للبلاد ولحماية اقتصادياتها في نهاية الأمر؟ لماذا لا توافق الحكومة على رفع الأسعار عند المستوى الذي تطالب به المصانع وتثبته لعامين أو أكثر لتتمكن المصانع من مواجهة مشاكلها المتعلقة بارتفاع أسعار الطاقة والمحروقات والأيدي العاملة والمواد الخام وليتمكن المطور ـ الحكومي والخاص ـ من معرفة تكاليف البناء وليتمكن المقاول من اخذ احتياطاته. كما يقول احد المقاولين؟ لكن إذا ما قامت الحكومة بذلك ألن تؤدي تلك الخطوة إلى زيادة معدلات التضخم الاقتصادي الذي يمثل تحديا لا يستهان به بحسب احد الخبراء؟ هل صحيح أن خسائر المقاولين والمطورين ستتراجع إذا ما ثبتت الحكومة الأسعار؟ هل فعلا يتكبد المقاول خسائر نتيجة ترك المصانع تتحكم بالعرض والسعر في نهاية المطاف؟

وإذا فضلت الحكومة عدم التدخل وترك قوى العرض والطلب تتحكم في السوق فهل سيعني ذلك استمرارا لأزمة أسعار الاسمنت وتفاقما قد يجعل الطفرة العمرانية والمشاريع العقارية على كف عفريت حسب تساؤلات بعض المطورين في السوق؟ لماذا يشكك العاملون في القطاع العقاري بأن ما يحدث من صعود صاروخي للأسعار غير ناجم عن نقص المعروض . ولا يمكن تسميته بـ «أزمة حقيقية» بل «طبخة» يذوق سمها المقاولون والمطورون وتجني المصانع من ورائها مئات الملايين؟ ولماذا يضغط المساهمون العرب في شركات الاسمنت المحلية على إدارات المصانع لرفع الأسعار غير آبهين لعرقلة الطفرة العمرانية كما يقول البعض؟ هل تمارس المصانع التفافا على قرار إلغاء الرسوم الجمركية على واردات الاسمنت بضخ نصف الإنتاج إلى السوق السوداء؟ ولماذا قررت أغلب المصانع إجراء صيانة لخطوط الإنتاج في توقيت واحد... ألا يعني ذلك وجود تكتل لفرض سعر بشكل غير مباشر ترفضه وزارة الاقتصاد؟ ومن جهة ثانية ألا يعني قيام المصانع بالصيانة حرمانها من فرصة ذهبية لجني المزيد من الأرباح على خلفية الطلب؟

ولماذا يلقي الجميع اللوم على المصانع فقط في ظل ما تصفه المصانع من غياب دعم حكومي لطالما طالبت به؟ لماذا يشتكي المقاول من ارتفاع الأسعار ويقبل بتحقيق الأرباح لنفسه فقط ويرضى بالخسائر لغيره من المصانع؟ هل نسي المقاول أيام الثمانينات عندما كان يمارس حرب الأسعار في ظل نقص المشاريع؟ لماذا لم يدافع المقاول عن مصانع الاسمنت يومها عندما كانت تتكبد خسائر فادحة؟

هذه الأسئلة ليست يتيمة وأجوبتها ليست خافية على الجهات المعنية التي تراقب بحذر وحكمة حقيقة ما يجري قبل أن تتخذ القرار المناسب لإنقاذ رأس المستهلك النهائي من تلقي المزيد من ضربات تكاليف المعيشة ... والى تفاصيل الملف.

«البيان الاقتصادي» حاور خالد محمد سالم بخيت مدير إدارة الشركة العالمية لمنتجات الخرسانة المسلحة (يونيميكس) وسألته:

* يقال أنكم تعيشون مع المقاولين عصرا ذهبيا وتبدأون يومكم بالأرباح وتنهونه بتدقيق حساباتكم المليونية في البنوك!!

ـ نكران النعمة حرام ونحمد الله على كل شيء ولكن الأمر لم يصل إلى العصر الذهبي للأرباح ... لا أبالغ لو قلت بأنه عصر الخسائر الذهبي ان صح التعبير وهو يشمل الجميع سواء المقاولين أو مصانع الاسمنت التي تتهم بأنها السبب في الأزمة الحالية انتهاء بشركات الخرسانة... نحن جميعا نمر بأزمة ونتطلع إلى نهايتها في اقرب وقت... واعتقد بان توفر الاسمنت سيلغي الأزمة إن كانت موجودة فعلا.

* ماذا تقصد بقولك «ان كانت الأزمة موجودة فعلا»؟

ـ اسأل مصانع الاسمنت... اسأل المساهمين في الشركات التي تملك تلك المصانع.. المساهمين يضغطون على إدارات تلك الشركات لرفع الأسعار والأخيرة في حيرة فهي تتعرض إلى ضغوط مختلفة من كل الجوانب.. ضغط من المساهمين لرفع الأسعار، وضغط من الاقتصاد للالتزام بالأسعار، وضغط مستمر من تكاليف التشغيل ممثلة بارتفاع أسعار المواد الخام والطاقة ونقصها والمحروقات والأيدي العاملة والنقل وغيرها.

الإدارات في تلك الشركات تتعرض إلى كل تلك الضغوط لذلك ليس غريبا أن نسمع أن اغلب المصانع تقوم بعمليات الصيانة فهي بذلك تقلص المعروض ما يجعل الأسعار ترتفع فتحقق الأرباح التي ترضي المساهمين، وليس غريبا أيضا أن تقوم تلك المصانع بضخ نصف إنتاجها إلى السوق السوداء لكي تصل بقيمة ما تبيعه بالسوقين التقليدي والسوق السوداء إلى الأسعار التي تجعلها تحقق ملياراً وثلاثة أرباع المليار درهم في العام الماضي.

* ما هو دليلكم على قيام المصانع ببيع جانب من إنتاجها إلى السوق السوداء؟

ـ أقول لك كيف ... عندما نواجه نحن في مصانع الخرسانة نقصا في الاسمنت نقوم فورا باطلاع المقاولين بحقيقة الأمر كي لا يفاجئون لذا لا يتأخر المقاول عن تأمينه لنا من السوداء كي لا يسقط هو الآخر في مستنقع غرامات التأخير وفعلا يقومون بشرائه وجلبه لنا لنقوم بتصنيعه لأغراض الصب وغيرها.

* ولماذا تشترون من السوق السوداء وبإمكانكم استيراد الاسمنت مستفيدين من إلغاء الرسوم الجمركية؟ أليست نسبة الـ 5% إعفاء كافية بالنسبة لكم وللمقاولين؟

ـ على العكس تماما هي كذلك، ولكن يجب ان نكون صريحين وشجعاناً عندما نريد مواجهة ما يجري من المصانع الآن للالتفاف على قرار الإعفاء الجمركي.. فالمصانع ذكية وقامت بدراسة حاجة السوق من الاسمنت والسعر الذي سيباع فيه الاسمنت المستورد المعفى من الرسوم، فرتبت الإنتاج بحيث تضخ نصفه إلى السوق التقليدي والنصف الأخر إلى السوق السوداء .

ولو جمعت السعرين ستجد بأنه السعر نفسه الذي يباع به الاسمنت المستورد المعفى من الرسوم وفي هذه الحالة يكون الأفضل لك أن تشتري الاسمنت من داخل الدولة بعيدا عن صداع الاستيراد والانتظار وفواتير التأمين والنقل وقائمة طويلة عريضة من متطلبات الاستيراد التي لا يقوى عليها الجميع، ثم يجب ألا ننسى أن اغلب أسواق الموردين للاسمنت تعاني من نقص هذه المادة، لذا فالأجدى لهم عدم تصديره وقد اتخذت بعض الدول مثل الصين ومصر وغيرها قرارا بعدم تصدير الاسمنت لحاجة أسواقه له.

* هل يمكنك ان تضع أصبعك على عقدة المشكلة مباشرة؟

ـ ببساطة عقدة المشكلة والتي يسميها البعض أزمة تكمن في رغبة المصانع بتثبيت سعر مرتفع يوازي التكلفة ويحقق لها أرباحاً ترسم الفرحة على وجوه المساهمين!!

* ولكن البعض يعتقد بأن هذا النوع من التدخل الحكومي يعد تقويضا للسوق الحرة !

ـ التدخل الحكومي مطلوب لحماية المصلحة العليا وكثير من الدول تفعل ذلك حتى إن الألمنيوم الإماراتي عندما يصدر إلى أسواق بعض الدول يفرضون عليه ضرائب كبيرة لحماية منتجات البلد الأم من الإغراق .

* لكن من جهة ثانية سيؤدي اتخاذ مثل هذه الخطوة رفع تكلفة التشييد وبالتالي سترتفع الأسعار على المستهلك النهائي الذي يعاني أصلا من غلاء المعيشة كما يرى البعض!

ـ يجب ان نفهم حقيقة أن الخسائر التي يتكبدها المقاول والمطور سواء أكان حكوميا أم من القطاع الخاص جراء عدم تثبيت أسعار الاسمنت كبيرة للغاية ولا تقارن أصلا بالخسائر المتوقعة في حالة تثبيت الأسعار عند حدود مرتفعة كما تطلب المصانع.

* كيف ذلك؟

ـ عندما تطبق المصانع سياسة جعل الجميع أمام الأمر الواقع فتتأخر المشاريع ولا تنجز في مواعيدها أو تتوقف الأعمال في عشرات المشاريع بانتظار الحصول على الاسمنت أو يعزف المطور عن مباشرة بتنفيذ المشروع نتيجة نقص الاسمنت، فإن الخسائر هنا ـ عمليا ـ اكبر مما لو تم تثبيت الأسعار حسبما تريد المصانع.

* برأيك هل الجهات المعنية مقتنعة بالأسباب الحجج والمسوغات التي تسوقها المصانع لتبرير رفع الأسعار ؟

ـ كلنا مقتنعون بأعذار المصانع لأن الكثير مما يتحدثون عنه مرتبط بأسباب عالمية لكننا لا نتفق معهم على الآلية التي يمارسون بها رفع الأسعار التي عادة ما تكون اقرب إلى لي الذراع منه إلى المنطق والعقل.

* برأيك اذا كانت الجهات المعنية مقتنعة بالأسباب مثلما تقول، فلماذا لا توافق للمصانع على الأسعار التي يطالبون بها لاسيما وان المصانع أصبحت لا تكل ولا تمل من العزف على اسطوانة غياب الدعم الحكومي وهي على هذه الحال منذ أربع سنوات ولم تتلق ردا يشفي غليلها؟

ـ ربما من المناسب أن نفهم بأن عملية تثبيت الأسعار عبر رفعها إلى المستوى الذي تطالب به المصانع عند أكثر من 400 درهم للطن أمر ليس بالهين بالنسبة للجهات المعنية التي تشم رائحة قوية لزيادة معدلات التضخم فيما أقدمت على تلك الخطوة ما يعني المزيد من التحديات الاقتصادية المستقبلية.

* هل تؤيد ام تعارض تثبيت الأسعار؟

ـ لا أؤيد ولا أعارض؟

* والحل؟

ـ الحل يكمن - من وجهة نظري - بضرورة قيام الحكومة بتوفير الدعم اللازم لبناء مصانع اسمنت جديدة تلبي النقص ولا تترك المصانع تتحكم بالأسعار وفقا لأهوائها وأهواء ورغبات المساهمين.

* ولماذا لا تبنون مصانع ؟ ولماذا تربطون بين بناء مصانع تلبي النقص وبين توافر الدعم الحكومي الذي يمهد لإنشاء مصانع جديدة؟

ـ لو أردنا في دبي ان نبني مصنعا للاسمنت ستواجهنا مشكلة نقص الأراضي وهنا يتمثل الدعم الحكومي عبر توفير أراضٍ لإنشاء تلك المصانع.

* هل نسيت بان المصانع تعاني من نقص المواد الأولية مثل الكلينكر والطاقة و....

ـ اذا توافرت لنا الفرصة فلن نواجه نقصا في المواد الأولية لأننا سنقوم بتصنيعها محليا وبالنسبة للطاقة فان المدينة قادرة على توفيرها.

* وهل ستنتهي المشكلة ؟

ـ بالطبع فان أول خطوة لحل المشكلة هي فهم المشكلة وجذورها والجهات المعنية وفي مقدمتها وزارة الاقتصاد التي نثمن دورها في التصدي لهذه الأزمة تعي أسباب المشكلة، ولكننا في الوقت ذاته لا نمثل الجهة التي يتوجب عليها ابتكار الحل بقدر ما يستدعي واجبنا الأخلاقي مشاركة السلطات المختصة في صياغة حلول تحمي المصلحة العليا للوطن.

ولو بالرأي دون ان تضر طرف على حساب طرف، لذلك فإن ما يجري الآن في سوق مواد البناء يستدعي حسبما تقول الأغلبية تدخل الحكومة لأنها الوحيدة القادرة على ضبط السوق والحيلولة دون تعرض صناعة المقاولات للشلل كي تتمكن من إكمال دورها، ويبقى نوع التدخل رهن بما تراه الجهات المعنية مناسبا.

* كيف ترى المشهد في صناعة الخرسانة خصوصا وسوق الإنشاءات عموما ؟

ـ المشهد مرتبك ومربك وغير واضح على الإطلاق بل ويمكن القول بانه لا لون له ولا احد يعرف اين سترسو سفينة أسعار مواد البناء وتحديدا الاسمنت والحديد! نحن على علم بمعاناة شركات المقاولات لأننا نتعامل معها يوميا حتى إننا بدأنا بتنفيذ طلبيات الخرسانة بسعر التكلفة دون ان نضيف إليها هامش ربح.

* كيف تقدر حجم الضرر الذي قد يلحق بقطاع الإنشاءات بسبب ارتفاع أسعار مواد البناء؟

ـ الضرر لن يصيب قطاع الإنشاءات أو المقاولين فحسب، المشكلة تكمن في ان هذه الأزمة تلقي بظلالها على ابعد من شركات المقاولات فهي عندما تشل أو تعرقل اداء المقاولين فإن ذلك سينسحب على تأخر تنفيذ مشاريع تنموية تعول عليها الدولة في ديمومة نموها وتطورها.

* مالذي يمكن ان يحدث في حال لم يحدث التدخل الحكومي ربما بسبب ما يراه البعض من تعارض ذلك التدخل وسياسة السوق المفتوح؟!

ـ البعض يفهم الأمور من زاوية ضيقة لأن السوق المفتوحة لا تعني السماح بإيقاع الضرر بالاقتصاد الوطني أو شريحة كبيرة في المجتمع. ونحن على ثقة تامة بأن وزارة الاقتصاد سوف تعقد اجتماعا مع المصانع وجمعية المقاولين لإيجاد حلول سريعة، وقد سبق لنا ولمسنا حرصا واهتماما كبيرا من الوزارة بقطاع الانشاءات كما رأينا عبر وسائل الإعلام تفهما من جانب مصانع الاسمنت ونحن لا ننكر من جهة أخرى ما يواجهونه من تحديات لا تقل كما ونوعا عن التحديات التي يواجهها المقاولون.

زيادة 40%

شهدت أسعار الاسمنت تقلبات عديدة خلال الفترة مابين 2003و2008 وطبقا لمصادر موثوقة فإن سعر كيس الاسمنت في عام 2003 كان مستقرا عند 6 دراهم ليقفز إلى 30 درهما في عام 2004 ثم يعاود الانخفاض عند حدود مرتفعة في عام 2005 ليصل إلى 16 أو 17 درهما وتوقف عند تلك الحدود إلى الان، بينما وصل سعر طن الاسمنت في الأسواق المحلية عام 2003 إلى 140 درهما ليقفز بشكل صاروخي إلى مابين 500 و 600 درهم عام 2004.

ثم هبط واستقر عند حدود مرتفعة قياسا بالأسعار السابقة إلى 340 درهما للطن، لتعيده وزارة الاقتصاد قبل عدة أشهر إلى 295 وألزمت المصانع به لكن التجار باتوا يبيعونه اليوم بأسعار تتراوح مابين 350 إلى 400 درهم بذريعة زيادة الطلب ونقص المعروض وزيادة أسعار الوقود والنقل.

لكن مقاولا آخر فضل عدم ذكر اسمه قال إنه «تلقى رسائل من بعض شركات الخرسانة تضمنت الأسعار الجديدة التي ستبيع فيها الخلطات في المستقبل القريب وهي تزيد بنسبة 40% عن الأسعار الحالية». وطبقا للمقاول ذاته فإن تلك الشركات بررت عزمها رفع الأسعار «بسبب زيادة تكلفة المحروقات التي تعتمد عليها تلك الشركات والمصانع بشكل كبير بالإضافة إلى استخدامها مواد كيماوية تسدد أثمانها باليورو الذي يشهد ارتفاعا في قيمته مقابل الدولار».

وتبرز أهمية قطاعي العقارات والمقاولات حيث يلعبان دوراً كبيرا لا يستهان به في الناتج المحلي حيث بلغت نسبة مساهمتهما نحو 8% من الناتج الإجمالي لعام 2007 كما يعدان من بين أكثر القطاعات نمواً. إن تأثيرات القرار سوف تنعكس إيجاباً على أسعار الاسمنت بالسوق المحلية، وسوف تشجع المقبلين على البناء على تسريع انجاز معاملاتهم، خصوصاَ وان بعض الملاك عمد إلى تأجيل البدء في مشروع البناء مع الارتفاع الذي شهده قطاع الإنشاءات.

تثبيت الأسعار يخدم الجميع

أجمع غالبية من استطلعت «البيان» آراءهم بضرورة تثبيت أسعار الاسمنت لمدة زمنية محددة تتراوح مابين عامين و3 أعوام لتتمكن الأطراف المشاركة في عمليات البناء من تنفيذ التزاماتها دون التعرض إلى عواصف وهزات غير محسوبة حسب تعبيرهم.

وأوضح هؤلاء بضرورة التدخل الحكومي كونه يمثل الحل الأكثر قبولا حتى لدى مصانع الاسمنت لأنها ستحدد أسعارا تخدم الجميع حتى ولو كانت عند مستويات مرتفعة بدلا من ترك السوق السوداء تتحكم بمصائر المشاريع. لكن المهندس عماد عزمي المدير الشريك في الشعفار للمقاولات العامة كان الوحيد الذي فضل ترك السوق تعمل وفق آليات الطلب والعرض استنادا إلى مفاهيم السوق الحرة مشيرا إلى أن «نجاح الإمارات نتج عن التطبيق الحي لمفاهيم وآليات السوق المفتوحة».

وكان الدكتور احمد سيف بالحصا رئيس جمعية المقاولين بالدولة طالب مؤخرا بعقد اجتماع طارئ تحت مظلة وزارة الاقتصاد ويضم ممثلين عن مصانع الاسمنت وشركات المقاولات لنزع فتيل أزمة تهدد بشّل صناعة الإنشاءات على خلفية بوادر فلتان سعري بات يخيم على سوق مواد البناء الرئيسية منذ أشهر .

وينذر بتداعيات غير سارة على الاقتصاد الوطني. لكن ناصر خماس مدير عام اسمنت الفجيرة دفع ببراءة مصانع الاسمنت من التهم التي تمطرها عليها بعض شركات المقاولات وأكد لـ «البيان» أن بعض التجار يتلاعبون بالأسعار في حين لا تزال المصانع ملتزمة بالتسعيرة التي حددتها «الاقتصاد» مؤخرا رغم أنها ليست في مصلحة المصانع وتعرضها للخسائر.

ويؤشر الدكتور بالحصا إلى مسألة مهمة وهي أن إعفاء تلك الواردات من الرسوم لا تعني بالضرورة تناقص أسعار الاسمنت والحديد فنحن نتوقع أن أسعار الاسمنت الذي سيتم توريده سيصل إلى السوق المحلية بالأسعار السائدة وربما أكثر بقليل. وجاءت آراء المهندس رياض كمال الرئيس التنفيذي لـ «آرابتك القابضة» مؤيدة لما ذهب إليه بالحصا فالإعفاء الجمركي ليس من شأنه العمل بشكل مباشر وفوري كبح جماح سوق الإيجارات أو أسعار بيع العقارات فهذا الأمر كما يقول كمال »تحديد القيمة أمر والإعفاء أمر آخر».

ولكن المهندس عبدالله عطاطرة رئيس مجلس إدارة بنيان الدولية للاستثمار يعتقد أن ثمة خطوات أخرى إذا تم اتخاذها ستسرع من خلق الاستقرار الذي ينادي فيه الجميع خاصة إذا »قامت وزارة الاقتصاد باتخاذ خطوات مماثلة بشأن مصانع الاسمنت المحلية من خلال إلزامها بالوصول بطاقتها الإنتاجية إلى أقصاها وعدم التعذر بإجراء الصيانة».

ويرى عطاطرة أن من المنطقي »تحديد سعر كيس الاسمنت مع تحديد هامش الربح لتلك الشركات، وعدم إطلاق العنان لها لفرض أسعار غير معقولة على أصحاب البناء والمقاولين، وتمنى المهندس فارس سعيد مدير عام الدايموند »ألا يواجه سوق الإنشاءات المزيد من الأزمات فهناك مهام كبيرة يتولى تنفيذها». وقد تبدو أمنية سعيد مشروعة ولكنها صعبة حتى في الظروف المختبرية!!

اسمنت الإمارات 17% من الإنتاج العربي

باتت الإمارات على وشك إعادة رسم خارطة صناعة الاسمنت في المنطقة لتحتل المركز الثالث على صعيد حجم الإنتاج العربي (الذي يشكل 7% من الإنتاج العالمي) من تلك المادة الحيوية بعد دولتي مصر والسعودية ولتسبق بذلك الجزائر ولبنان. وطبقا لقراءة جديدة ل«البيان الاقتصادي» فأن مصانع الدولة ستصل بإنتاجها السنوي إلى مابين 18 مليون طن و20 مليون طن سنويا عقب إعلان أبوظبي عزمها تشييد اكبر مطحنة اسمنت في العالم على مساحة 2. 1 مليون قدم مربع .

وبطاقة إنتاجية تصل إلى 2 مليون طن سنويا ستقفز هي الأخرى إلى 5 ملايين طن سنويا عام 2008 ما يجعل الإنتاج السنوي لمصانع الدولة يعادل 17% من الإنتاج العربي لمادة الاسمنت والذي يصل إلى 120 مليون طن اسمنت سنويا تنتجها 117 مصنعا بحسب تقرير بيت الاستثمار العالمي «جلوبل».

وبينما تسجل أبوظبي دخولا قويا لتمتين موقعها على الصعيد الصناعي وعلى صعيد صناعة الاسمنت على وجه الخصوص تكون المدينة قد أضافت عامل استقرار إلى قطاع الإنشاءات الذي تصل حاجته السنوية حاليا إلى 11 مليون طن اسمنت سنويا (سترتفع إلى 14 مليون طن اسمنت خلال عامين) ما يجعل الدولة قادرة على تصدير نحو 4 ملايين طن اسمنت فائضة عن الحاجة.

اليوم يجنون الأرباح وغداً يدخلون حرب أسعار

قالت دراسة حديثة إن الطاقة الإنتاجية لشركات الاسمنت المحلية قد تفوق الطلب في الأعوام القليلة المقبلة مما قد يثير حرب أسعار وربما عمليات شراء أجنبية لشركات الاسمنت. وأضافت الدراسة أن الطلب على الاسمنت سيزيد إلى مثليه تقريباً ليبلغ 2ر26 مليون طن سنويا في عام 2011 إذ توجه الشركات والحكومة إيرادات نفط استثنائية إلى مشروعات الإنشاءات. وفي هذا الوقت ستزيد الطاقة الإنتاجية إلى أكثر من مثليها لتبلغ نحو 31 مليون طن حسب المذكرة التي لم تشمل سوى المشروعات القائمة بالفعل لبناء وتوسعة مصانع.

وقال خالد حمزة مدير البحوث في بنك النور في المذكرة انه من الصعب إدراك كيف سيتضاعف الاستهلاك على الفور لاستيعاب الطاقة الجديدة وان ذلك سيؤدي إلى ظهور فائض في المعروض وانخفاض في معدل استخدام الطاقة. وتابع أن ذلك من شأنه إثارة حرب أسعار بين الشركات القائمة والشركات الجديدة وربما يدفع شركات أجنبية لدخول السوق وفي مرحلة لاحقة قد يؤدي إلى اندماجات للحد من الفوائض.

المصانع رفعت الأسعار منذ 2006 وتجني 1.7 مليار درهم أرباحاً

لم يمر عام 2006 على قطاع الإنشاءات دون إشارات قوية على ما سيواجهه من ارتفاعات سعرية في مادة الاسمنت لاحقا، فقد كبست المصانع على زر «طبخة الأسعار الجديدة» حسب تعبير المقاولين، لتبدأ رحلة الأسعار النارية التي عادت على المقاولين بالويلات وعلى المساهمين في تلك الشركات بالأرباح التي بلغت 7. 1 مليار درهم في 2007.

فقد حققت شركات الاسمنت المساهمة العامة، والمدرجة في سوقي أبوظبي ودبي الماليين خلال العام الماضي نمواً في إجمالي أرباحها بنسبة 54% وبقيمة 685. 1 مليار درهم مقارنة مع 092. 1 مليار سجلتها في العام 2006.

وأظهرت نتائج 8 شركات متخصصة في صناعة الإسمنت تراجع أرباح 3 شركات منها بنسبة متباينة، كان أكثر لشركة رأس الخيمة للاسمنت بنسبة 3. 56%، بعيد تراجع أرباحها من 8. 125 مليون درهم في العام 2006، إلى 9. 54 مليوناً في العام 2007، وتلتها تراجع شركة الاسمنت الوطنية بنسبة 7. 9%، وتلتها شركة اسمنت الاتحاد بنسبة 5. 3%.

في المقابل كانت شركة اسمنت أم القيوين أكبر الرابحين بينهم بنمو تجاوز 10 أضعاف العام 2006، وبقيمة 107 ملايين درهم مقارنة مع خسائرها المسجلة في نهاية العام 2006 والتي بلغت 8. 11 مليون درهم. وتلتها شركة اسمنت الخليج بنسبة نمو بلغت 276%، وتلتها شركة الاسمنت الأبيض بنسبة نمو بلغت 138%، واسمنت الشارقة بنسبة نمو بلغت 8. 60%، واسمنت الفجيرة بنسبة 3. 15%.

وكانت الشركات التي شهدت تراجعاً في ربحيتها قد أفادت بأن التراجع الذي حدث في نتائجها للعام 2007، عائد إلى ارتفاع تكلفة المواد الخام، وتسعيرة الديزل، إلى جانب النفقات التي تكبدتها شركات أخرى على عملياتها التوسعية التي تسعى من خلالها لمواكبة النمو المشهود في السوق العقاري.

تحقيق وتصوير ـ مشرق علي حيدر