قال تقرير اقتصادي إن أسعار المحروقات تُشكّل 36% من حجم التضخم في الإمارات وإن زيادة هذه الأسعار زادت في تعميق المشكلة.
وأكد التقرير الذي أعده مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بغرفة تجارة وصناعة أبوظبي على ضرورة قيام الحكومة بدعم أسعار المحروقات كي لا يتحمل المستهلك عبء زيادة أسعارها. وأوصى المركز بضرورة دعم أسعار البنزين والديزل في الدولة أسوة بباقي دول مجلس التعاون الخليجي وفي إطار تنسيق السياسات الاقتصادية والسوق الموحدة، مشيراً إلى أن السعودية قامت عام 2006 بتخفيض أسعار المحروقات ليصل سعر جالون البنزين إلى حوالي 72 .0 دولار وجالون الديزل 30 .0 دولار وذلك سعياً منها في تنشيط البيئة الاقتصادية وتخفيض أعباء المعيشة وانه يمكن لدولة الإمارات اتخاذ إجراء مماثل للإجراء السعودي. وأوصى المركز في تقرير حول ارتفاع أسعار المحروقات وأثره على التضخم بالتوسع في إنشاء مصافي تكرير النفط وزيادة الإنتاج المحلي للمصافي لتغطية الاستهلاك المحلي، ودعا إلى الأخذ بنتائج مسح إنفاق ودخل الأسرة، لرصد المتغيرات الاقتصادية ووضع الخطط والحلول الناجحة لحد من ظاهرة التضخم والغلاء في الأسعار. وأشار إلى أهمية تفعيل آلية ضبط الأسواق ومراقبة الأسعار للحد من الارتفاع المستمر للتضخم بداعي ارتفاع أسعار البنزين حيث إن بعض التجار قد رفعوا من أسعار منتجاتهم تعذراً بارتفاع أسعار المحروقات، على الرغم من عدم تأثر تجارتهم بهذا المنتج.
وأكد أهمية أن يتم شراء المنتجات النفطية في المصافي المحلية حيث تباع بأسعار اقل من أسعار الأسواق العالمية.
ويشير التقرير إلى أن ظاهرة التضخم من ابرز القضايا الاقتصادية التي كثرت المناقشات والآراء عنها لما تشهده الدولة في السنوات الأخيرة من تصاعد مستمر في معدلات التضخم، فقد بلغ معدل التضخم إلى مؤشرات مقلقة قدرت بحوالي 14% في العام 2007، مما يستدعي اتخاذ إجراءات أكثر فاعلية للحد من تفاقم هذه الظاهرة، ويعد ارتفاع أسعار السلع والخدمات احد الأسباب وراء ارتفاع معدل التضخم بالدولة، وقد ألقى الضوء في ورقة العمل هذه على اثر الارتفاع المستمر في أسعار المحروقات على كافة القطاعات الاقتصادية واقتراح الآليات المتاحة للتعامل مع هذه الظاهرة.
فقد جاءت الزيادة الأخيرة في أسعار الديزل والتي أعلنت عنها بعض شركات البترول لتفاقم ظاهرة ارتفاع معدلات التضخم، وقد شهدت الأشهر الماضية ارتفاعات مستمرة في أسعار الديزل حتى تراوح سعر الجالون ما بين 9 .12 و7 .13 درهماً خلال شهر ابريل، ناهيك عما شهدته الدولة من ارتفاع مستمر في أسعار السلع والخدمات الأخرى خلال السنوات القليلة الماضية.
مما رفع معدل التضخم في الدولة إلى نحو 10% في العام 2006 حسب بيانات المصرف المركزي، ويقدر بنحو 14% في العام 2007، وإذا كانت لزيادة الإيجارات النصيب الأكبر في رفع معدلات التضخم بالدولة خلال السنوات الثلاث الماضية، فإنه لا يمكن تجاهل الدور الذي ساهم به ارتفاع أسعار المحروقات في رفع هذه النسبة إلى ما هي عليه الآن، نظراً لتأثيره المباشر على القطاعات الاقتصادية الهامة كقطاع البناء والتشييد والنقل والمواصلات، لتنعكس آثاره على باقي القطاعات الحيوية.
ووفقاً للتقرير فقد جاء قرار شركات توزيع المنتجات البترولية بزيادة أسعار البنزين في سبتمبر 2005 وبنسبة تقدر بحوالي 30% بسبب الخسائر المادية التي تتكبدها بعض هذه الشركات من عمليات توزيع المنتجات البترولية في الدولة، ليساهم بذلك في رفع تكاليف المعيشة في الدولة وتصبح أسعار المحروقات بالدولة الأعلى على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي.
ولم تقتصر الزيادة على أسعار البنزين، فقد قامت بعض الشركات برفع أسعار الديزل خلال السنوات الماضية بنسب متفاوتة ليصل سعر الجالون إلى حوالي 7 .13 درهماً في العام الحالي 2008، بعد أن كان سعره في العام 2005 حوالي 25 .6 دراهم، أي بزيادة 119%، في حين رفعت شركات البترول في إمارة أبوظبي سعر الجالون لتجار الجملة والمصانع بنسبة 50% ليصل سعره إلى نحو 9 .12% درهماً وأبقت على سعر التجزئة بنفس السعر السابق منذ العام 2006 وهو حوالي 6 .8 دراهم.
وعلى الرغم من تفهم العوامل التي تحكم ارتفاع أسعار المحروقات والمرتبطة بارتفاع أسعار النفط عالمياً، إلا إن هذا الارتفاع يمثل عبئاً كبيراً على الأسر والمجتمع خاصة أصحاب الدخول المنخفضة والتي تشكل الغالبية العظمى، فقد ازدادت مصاريف هذه الأسر بصورة غير متوقعة لتلتهم جزءاً كبيراً من دخل الأسرة وتزيد من أعبائها المعيشية، كما أنها تلتهم جزءاً كبيراً من مدخرات الأسر التي اعتادت على الادخار.
ويرى التقرير أن الإمارات الأعلى في أسعار المنتجات النفطية بالنسبة للبحرين والسعودية وقطر والكويت، وبالنسبة لسلطنة عمان فهي الأعلى في الغازولين الممتاز والديزل، وتظهر المقارنة في الأسعار بين السعودية والإمارات فرقاً كبيراً بينهما.
وبحسب التقرير فقد كان لهذا الارتفاع الكبير في أسعار المحروقات الأثر السلبي الكبير على كافة القطاعات الاقتصادية المختلفة، فعلى صعيد قطاع النقل ارتفعت الفاتورة التي يدفعها المواطن والمقيم لتعبئة مركباتهم بالبترول بعد أن أصبح سعر جالون البنزين 25 .6 دراهم، كما رفعت شركات سيارات الأجرة من قيمة التعرفة التي تتحصل عليها من المستهلك نظير الارتفاع في أسعار البنزين فأصبح المستهلك يتحمل تبعات هذا القرار، وعلى الرغم من طرح شركة أدنوك لمنتج اقل سعراً بلغ 75 .5 دراهم في مبادرة منها لتخفيف العبء عن المستهلك، إلا أن هذا السعر يظل مرتفعاً إذا ما تمت مقارنته بأسعار البنزين في باقي دول الخليج، فجاءت دولة الإمارات في مقدمة هذه الدول من حيث أسعار البنزين بعد أن كانت سلطنة عمان هي الأعلى من حيث الأسعار.
كذلك أدت الزيادة في أسعار المحروقات إلى رفع شركات الشحن والنقل وشركات الطيران رسومها نظراً لهذا الارتفاع في أسعار المحروقات والتي تدخل كعصر أساسي في عمليات التشغيل مما أدى إلى ارتفاع تكلفة الشحن، إضافة إلى ارتفاع أسعار الكثير من السلع والمنتجات الاستهلاكية بسبب تحجج التجار بارتفاع تكلفة نقلها.
ويشير التقرير إلى انه إذا ما أرادت الأسرة المواطنة بناء منزل هروباً من الارتفاع في الإيجارات والتي بلغت نسبته حوالي 30%ـ 50% خلال السنوات الماضية وتقتطع حوالي 40% من دخل هذه الأسرة، فإن شركات المقاولات ستحملها الزيادة في تكاليف البناء بسبب زيادة تكاليف النقل والفروق السعرية في مواد التشغيل كالمحروقات ومواد البناء وغيرها لتتمكن الشركات من تفادي الخسائر نظير ارتفاع تكلفة البناء بشكل عام، ويدفع المستهلك هذه الزيادة أيضاً فقطاع البناء والتشييد من القطاعات الأكثر تضرراً بارتفاع أسعار الديزل، ومن المتوقع أن ينخفض هامش الربحية للمقاولين بنسبة 15% ـ 20%.
كما أن العديد من الشركات لن تتمكن من الإيفاء بعقودها نتيجة استمرارية الخسائر في ظل الارتفاع المستمر في الأسعار المؤدية إلى زيادة تكلفة البناء بواقع 20%ـ 25% للمشاريع التي تشهدها إمارات الدولة مما يؤثر على الأرباح المتوقعة لشركات المقاولات خلال السنوات المقبلة والتي من المفترض ان يحققها العقار، فيؤدي إلى عدم قدرته لتسديد إقساط البنوك المستحقة مقابل تغطيتها المالية لمشروع البناء، فيلجأ ملاك العقار لزيادة قيمة الإيجارات في الشقق السكنية والتي بلغت حدوداً خيالية في السنوات الأخيرة.
ويرى التقرير أن هذا الارتفاع المستمر في أسعار الديزل يؤثر سلبياً على قطاع الصناعة لدخوله في عمليات تشغيل المعدات والآلات للمصانع وكذلك يرفع من كلفة النقل الداخلي والخارجي وبالتالي ارتفاع في كلفة الإنتاج النهائية والذي سينعكس على زيادة في أسعار مخرجات هذه الصناعة، بغية تحقيق نسبة ربحية معينة وتفادياً للخسائر، وهذا قد يدفع بالمستهلك إلى البحث عن بدائل ونوعيات ارخص، ان لسان حال التاجر هو ارتفاع تكاليف السلع وكذلك الحال بالنسبة للمصنع والمقاول وغيره، فالجميع ضحايا لهذه الزيادة ولكن يظل المستهلك العادي هو الضحية الأولى.
ويضيف أن هذا الارتفاع في تكاليف المعيشة في الدولة والارتفاع في معدلات التضخم سيقلل من جاذبيتها وفرصها في جذب الاستثمارات على الرغم من وجود بيئة استثمارية تتمتع بمزايا تنافسية، فقد اشتهرت الدولة بكونها مركز أعمال ذا تكاليف معقولة، إلا أن الارتفاع المطرد في تكاليف المشاريع وتكاليف عمليات الإنتاج سيقلل من العوائد المتوقعة من الاستثمارات التي تضخ بالدولة، وبالتالي فإن ذلك قد يدفع بالمستثمرين إلى البحث عن بدائل في الدول المجاورة والتي تشهد هي أيضاً معدلات تضخم ولكن بنسب اقل مما تشهده الدولة.
ولفت التقرير إلى أن بعض شركات البترول الوطنية بررت هذه الزيادة بالأسعار إلى تكبدها لخسائر كبيرة كنتيجة لشرائها المشتقات النفطية من الأسواق العالمية وبأسعار مرتفعة، وإذا ما نظرنا إلى إجمالي إنتاج مصافي الدولة من المشتقات النفطية فإننا نجد بالرغم من أن دولة الإمارات من الدول الكبرى المنتجة للبترول، إلا أن الطاقة الإنتاجية للمشتقات النفطية انخفضت بنسبة 39% خلال الفترة 2001ـ 2006.
فقد بلغت في العام 2006 حوالي 3 .332 ألف برميل يومياً في حين بلغ الإنتاج حوالي 8 .544 ألف برميل يومياً في العام 2001، وفي المقابل ارتفع استهلاك الدولة للمشتقات النفطية بنسبة 38% خلال الفترة ذاتها وذلك نتيجة للطفرة العمرانية التي تشهدها الدولة مما يستدعي زيادة في استهلاك الطاقة، ففي العام 2006 بلغ حجم الاستهلاك 312 ألف برميل يومياً في حين كان حجم الاستهلاك 226 ألف برميل يومياً في العام 2001.
ويقول التقرير انه بالتركيز على جزء من أهم المشتقات النفطية محل الدراسة والتي تستخدم بشكل كبير كمواد أولية في القطاعات الاقتصادية فإننا نجد ان إنتاج الدول من هذه المشتقات قد انخفض خلال الفترة 2001ـ 2006 بنسب متفاوتة «الجدول 4» فإنتاج الغازولين انخفض بنسبة 45% خلال الفترة 2001ـ 2006 وانخفض إنتاج زيت الغاز والديزل لنسبة 46% كذلك انخفض إنتاج زيت الوقود بنسبة 82% في حين ارتفع إنتاج الكيروسين بنسبة بسيطة وقدرها 4%.
وفي مقابل هذا الانخفاض في إنتاج هذه المشتقات النفطية، نجد ان استهلاك الدولة قد ارتفع خلال الفترة 2001ـ 2006، فقد ارتفع استهلاك الغازولين بنسبة 62%، زيت الغاز والديزل 48% والكيروسين 3% في حين قد انخفض استهلاك زيت الوقود بنسبة 5%. إن عدم قدرة شركات البترول في إنتاج المشتقات النفطية التي تغطي الاستهلاك المحلي للدولة أدى ببعض الشركات إلى اللجوء لشرائها من الأسواق العالمية وبأسعار مرتفعة مما اضطر الشركات لرفع أسعار المحروقات لتقليل الخسائر نتيجة لارتفاع أسعار النفط عالمياً.
أبوظبي ـ أحمد محسن

