تسعى دول الخليج العربية المنتجة للنفط إلى حل خلافاتها بشأن مشروع الوحدة النقدية لتجنب تحركات منفردة لرفع قيم العملات في ظل ارتفاع معدلات التضخم وربط سعر الصرف أمام الدولار المتهاوي. وبدأ صناع القرار في دول الخليج يرددون تصريحات متماثلة بعد أن أثارت سلسلة من التصريحات المتباينة تكهنات بأن الإمارات العربية المتحدة وقطر قد تتحركان بشكل منفرد باتجاه إصلاح العملة كما فعلت الكويت العام الماضي.
وكثف حكام دول مجلس التعاون الخليجي الست دعواتهم لاستكمال مشروع الوحدة النقدية في موعده النهائي المقرر في عام 2010 والذي تعثر بسبب عقبات. ودفعهم إلى ذلك جزئياً رغبتهم في إبطاء المضاربات على عملاتهم.
وتسريع خطى إنشاء سلطة نقدية اقليمية سيمهد الطريق أمام الدول التي تنتج خمس النفط العالمي لإصلاح سياسة ربط عملاتها بالدولار بشكل مشترك في الوقت الذي تشهد فيه اقتصادات الخليج ازدهارا ويقترب الاقتصاد الأميركي من حالة ركود.
وقال مشتاق خان الاقتصاد في سيتي جروب بعد ان اتفق محافظو البنوك المركزي الخليجية هذا الأسبوع على اعطاء دفعة جديدة للوحدة النقدية «الحلول المنفردة لإصلاح العملات لم تعد مطروحة الآن». وأضاف «التركيز على الموعد النهائي في 2010 هو إظهار للوحدة وان أحدا لن يشق الصف حتى اذا لم يسفر المشروع عن إصدار عملة موحدة بحلول الموعد النهائي».
وكاد مشروع الوحدة النقدية يخرج عن مساره بعد ان فكت الكويت ربط عملتها بالدولار في مايو الماضي بعد أشهر قليلة من قرار سلطنة عمان انها لن تنضم لخطة الوحدة النقدية.
وبدأت المراهنات على رفع قيم العملات في التركيز على دلائل على ان دول الخليج التي اتفقت على الإبقاء على ربط عملاتها بالدولار لحين تحقيق الوحدة النقدية اختلفت في الرأي مع تراجع قيمة الدولار بنسبة نحو 20 بالمئة أمام اليورو في الستة عشر شهرا الأخيرة.
وقال صناع قرار منهم محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي حمد السياري العام الماضي انه من الصعب الالتزام بالموعد النهائي مع تباين الآراء بشأن كيفية التعامل مع ارتفاع معدلات التضخم وانخفاض الدولار.
لكن محافظي البنوك المركزية الخليجية خرجوا من اجتماع هذا الأسبوع في العاصمة القطرية الدوحة وهم على ثقة من ان الصعوبات الفنية الكبرى التي تواجه المشروع قد تم التغلب عليها. وتجدد الاهتمام بإعادة مشروع الوحدة النقدية إلى مساره أمر حيوي لفهم تغير الموقف من إصلاح عملات الخليج. فأي عمل منفرد آخر من جانب دولة خليجية واحدة كفيل بالقضاء على المشروع برمته.
لكن كلما تأخر إصدار العملة الموحدة زادت الضغوط على دولة مثل قطر لرفع قيمة عملتها بشكل منفرد. وتقول قطر ان نسبة 40 بالمئة من التضخم الذي اقترب من أعلى مستوياته على الإطلاق ليسجل 7 .13 بالمئة يرجع إلى ضعف قيمة العملة.
واضطر ربط العملات بالدولار دول الخليج التي تزدهر اقتصاداتها بسبب ارتفاع سعر النفط إلى خمسة أمثاله منذ عام 2002 إلى اتباع تخفيضات أسعار الفائدة الأميركية منذ سبتمبر الماضي مما دفع التضخم للارتفاع.
وأشارت الكويت إلى التضخم المستورد كمبرر لفك ربط عملتها بالدولار في مايو الماضي. وسمحت للعملة منذ ذلك الحين بالارتفاع بنسبة نحو تسعة بالمئة أمام العملة الأميركية.
لكن الإصلاح في دول خليجية أخرى يواجه مصاعب سياسية.
فالسعودية صاحبة العدد الأكبر من السكان شهدت عجزاً في الميزانية في التسعينات من القرن الماضي وتخشى أن يؤدي رفع قيمة العملة إلى خفض القيمة العملة المحلية لعائدات النفط المقومة بالدولار. ويشعر جيرانها الأصغر حجماً والأكثر ثراء بالقلق بدرجة أكبر من الاضطرابات التي يثيرها تراجع الدولار بين قوة العمل التي يهيمن عليها المغتربون.
وقالت كارولين جرادي الاقتصادية في دويتشه بنك والتي ما زالت مقتنعة بأن الإمارات وقطر سترفعان قيمة عملاتهما هذا العام «انهما يفضلان اتخاذ اجراء جماعي لكن مصالحهما مختلفة في نهاية الأمر».
لكن الإمارات وقطر قد تحجمان عن شق الصف مع السعودية أكبر اقتصاد عربي وأقوى مؤيد لربط العملة بالدولار والتي أبقت على سعر صرفها دون تغير منذ عام 1986.
ووجه معالي سلطان ناصر السويدي محافظ بنك الإمارات المركزي دعوة منفردة لإصلاح العملة في نوفمبر الماضي مما أثار تكهنات بأن الإمارات تغير سياستها بشكل منفرد ودفع سعر الدرهم إلى أعلى مستوياته في خمس سنوات والريال السعودي إلى أعلى مستوياته في 21 عاماً.
ومنذ ذلك الحين عاد معالي السويدي وقال إن أي إصلاح للعملة سيكون خطوة خليجية مشتركة.
وحتى أكبر مناصري الإصلاح في الخليج يقولون دائما إنهم لا يفضلون العمل بشكل منفرد.
وقال رئيس وزراء قطر في فبراير الماضي إن أغنى دولة في الخليج من حيث نصيب الفرد من الدخل تدرس إصلاح العملة لكنه قال انه يفضل ان تسرع دول الخليج خطى الوحدة النقدية.
وكان استمرار انخفاض الدولار وخفض الفائدة الأميركية قد رجح كفة الإصلاح الجماعي حتى قبل إصدار العملة الموحدة المستبعد طرحها قبل 2010.
وحتى ذلك الحين تحاول حكومات الخليج الدفاع عن الربط بكل الطرق الممكنة من رفع متطلبات احتياطيات البنوك لامتصاص السيولة إلى طرح مجموعات من إجراءات الرعاية الاجتماعية لاسترضاء السكان المحليين. وفي السعودية حيث زاد التضخم إلى مثلية تقريبا في ستة أشهر حتى فبراير ليبلغ 7 .8 بالمئة أعلن عن علاوات غلاء معيشة ودعم للغذاء وخفض الرسوم الجمركية على الواردات للتعويض عن أثر التضخم على السكان البالغ عددهم 25 مليون نسمة.
وفي حين تراجعت مراهنات المستثمرين هذا الأسبوع على إصلاح وشيك في العملات أشارت الأسعار الآجلة للريال القطري والدرهم الإماراتي إلى احتمال ارتفاع الأول بنسبة 5 .7 بالمئة والثاني بنسبة 9 .4 بالمئة خلال عامين.
