اختتم رئيس الوزراء الصيني وين جياباو اجتماعات البرلمان الصيني بالكشف بشكل مفاجئ عن توقعات متشائمة للنمو في العام الحالي على الرغم من أن البلاد تواصل نموها الاقتصادي المتسارع. وقال وين بعد أن وافق البرلمان على سياسته الاقتصادية التي تستهدف كبح التضخم وتشجيع تحقيق مزيد من النمو المستدام «أنا متخوف من أن هذا العام قد يصبح أكثر الأعوام صعوبة للاقتصاد الصيني».
وأضاف «أكبر الهواجس هو ارتفاع أسعار الغذاء، إذ انها تجعل حياة المواطنين وخصوصا ذوي الدخل المتدني أكثر صعوبة».
وقالت ليو لينجلينج أستاذة الاقتصاد في جامعة تشينجهوا ببكين إنه ثبت أيضا صعوبة تنفيذ سياسة الحكومة طويلة الأجل لتحفيز الطلب المحلي وتقليل اعتماد الصين على الصناعات القائمة على التصدير. وأضافت أن «أسعار المواد الأولية والعمال منخفضة كثيرا عما يجب أن تكون عليه».
وتعوق عوامل كثيرة جهود الحكومة لتعزيز الطلب المحلي في مناطق تتجاوز المدن الغنية في شمال وجنوب البلاد. ويحد تدني أجور الوظائف العادية من القوة الشرائية لمعظم الصينيين بل أن تضخم أسعار الأغذية يجعل من المستبعد تقريبا اتجاه المستهلكين لشراء سلع ومواد غير أساسية في حين أن الكثير يتخوف من ارتفاع الأسعار المبالغ فيها في سوق العقارات.
وقالت ليو إن «المواطنين الصينيين لم يتمردوا على هذا الوضع نظرا لفقرهم الشديد في الماضي لذا فإن من السهل إرضاءهم بحفنة من النقود».
لكنها قالت إنه «بعد مرور ثلاثين عاما على بدء الصين الإصلاحات الاقتصادية فإن المواطنين بدأوا يطالبون بزيادة الأجور». واتجهت الحكومة إلى التحكم في أسعار الحبوب واللحوم وزيت الطهي وسلع أساسية أخرى في غمرة تزايد التضخم الذي سجل 7. 8% في فبراير الماضي في أعلى مستو له منذ 11 عاما. ويقول الكثير من المنتقدين الغربيين إن خفض الصين قيمة عملتها اليوان أمام الدولار يجعل صادراتها أرخص ويعزز الفائض التجاري السنوي لها والذي يقدر بأكثر من 200 مليار دولار مع الولايات المتحدة وحدها.
وذكر المنتقدون أن الصين يمكن أن تساهم في السيطرة على التضخم وتقليل الفائض التجاري عبر السماح بارتفاع قيمة اليوان أمام الدولار بوتيرة أسرع، إلا أن ليو رفضت هذا الرأي، مشيرة إلى أنه «في حال ارتفاع اليوان بشكل أسرع فإنه سيجر الاقتصاد العالمي للتباطؤ بشكل أكبر». وأضافت أن «الصين ستشتري المزيد من السلع والدول الأخرى يمكن أن تصدر أكثر إلينا، وقد يستثمر الصينيون بشكل أكبر في الدول الأجنبية». لكن ليو قالت إن محاولات الحكومة للحد من التضخم كان لها «تأثير ضئيل» خلال فترة الارتفاع التدريجي لقيمة اليوان الذي سجل ارتفاعا بأكثر من عشرة% أمام الدولار خلال العامين الماضيين.
وقالت إن أسعار النفط الخام والمواد الأولية الأخرى في الأسواق العالمية ارتفعت بوتيرة أسرع من ارتفاع العملة الصينية، «لذلك فلن تستفيد من ارتفاع سعر صرف اليوان». وأوضحت أنه في حال تراجع الفائض التجاري الصيني هذا العام فإنه قد يؤدي لتراجع طلبها على السلع الأولية ويضر بنمو الاقتصاد العالمي في منطقة جنوب شرق آسيا ودول كالبرازيل.
وقدر تقرير أصدره مؤخرا أساتذة اقتصاديون في جامعة الشعب ببكين أن ارتفاع أسعار الطاقة العالمية بنسبة 1% يضيف 1 .0 نقطة مئوية لتضخم أسعار المستهلكين في الصين. وقال التقرير إن تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم وارتفاع الدولار أمام العملات الأخرى وتداعيات أزمة الائتمان في الولايات المتحدة على أسواق رأس المال الصينية «من شأنها إضافة مزيد من الغموض على مستقبل الاقتصاد الصيني هذا العام».
ويتوقع التقرير أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5. 10% هذا العام فيما نقلت وسائل إعلام عن ليو فينجليانج احد معدي التقرير قولها إن هناك «مؤشرات على تراجع» مخاطر نمو الاقتصاد بأكثر من اللازم.
وكان البنك الدولي قد توقع في فبراير أن يتباطأ نمو الاقتصاد الصيني بشكل طفيف لكنه سيظل «قويا» عند 6 .9% هذا العام بعد أن سجل نموا نسبته 4 .11% في العام الماضي في أعلى معدل نمو منذ عام 1994. وقال ديفيد دولار مدير مكتب البنك في الصين للصحافيين إن «تباطؤ الاقتصاد العالمي سيؤثر على الصادرات والاستثمارات الصينية في القطاع التجاري».
ورغم أن الحزب الشيوعي الحاكم في الصين يشجع الشركات الخاصة والاستثمارات الأجنبية منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي فإنه لا يزال يحاول الحفاظ على مصداقيته أمام المواطن العادي من خلال فرض ضوابط على الأسعار وتطبيق إجراءات لمساعدة المناطق الريفية الفقيرة والعمال الحكوميين المستغنى عنهم وجماعات اجتماعية أخرى.
وقالت ليو إن الدعم الحكومي لأسعار الفحم والطاقة والغاز والأغذية وسلع أخرى وهو من بقايا ستين عاما من التخطيط الحكومي الصارم ـ لا يزال يشوه الاقتصاد. وأضافت أن «التغير في نمط الإنتاج لكل دولة في العالم يستغرق عقودا من الزمان». لكنها أشارت إلى أن «حكومتنا وعدت بكبح جماح التضخم خلال بضع سنوات وكذلك الحفاظ على النمو الاقتصادي وهو أمر صعب للغاية».
ويرى الباحث دينغ شنغ جيون من معهد البحوث العلمية التابع للحكومة الصينية أن التقلبات في الأسواق العالمية والارتفاع الجنوني لأسعار الغذاء خلال السنوات الأخيرة قد أثارتا اهتماما واسع النطاق وسط الصينيين. وأضاف: «يمكننا أن نخبر العالم بصورة مسؤولة: إن الصين ليست عاملا محرضا على الارتفاع الجنوني الأسعار الغذاء العالمية، بل هي عامل مهم لتحقيق استقرارها.
و شهدت الصين خلال السنوات القلائل الماضية، نموا مستمرا في إنتاج الحبوب الغذائية، وتوازنا بين العرض والطلب عليها، وزيادة لاحتياطيها ووفرة لإمداداتها في السوق مع ارتفاع معتدل وهيكلي لأسعارها، مما يشكل مقارنة واضحة مع هبوط إجمالي إنتاج الغذاء العالمي وانخفاض احتياطيه العالمي.
وفي الفترة ما بين 2004 و2007 ارتفع إنتاج الصين من الغذاء من 469 .469 مليون طن إلى 022 .484 مليون طن، 499 .497 مليون طن، 5 .501 مليون طن على التوالي وشهدت الصين نموا لإجمالي إنتاج الغذاء لأربع سنوات متتالية. ويرى دينغ ان الاحتياطي الغذائي الوطني ازداد باستمرار تماشيا مع زيادة إنتاج الغذاء بصورة متواصلة. فبلغت نسبة هذا الاحتياطي أكثر من 35% من مجموع الاستهلاك الوطني السنوي من الغذاء، بما يتجاوز كثيرا خط الأمن الغذائي الذي حددته منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) وهو 17 ـ 18%.
وعلاوة على ذلك، ظلت الصين تحافظ على نسبة الاكتفاء الذاتي العالية من الحبوب الغذائية لتبقى أكثر من 95%. وخاصة أن الصين خفضت واردات الحبوب الغذائية ما عدا فول الصويا وزادت من صادراتها، بحيث صارت الصين دولة تصدر الحبوب الغذائية أكثر من استيرادها.
فقد بلغ صافي صادرات الصين من الحبوب الغذائية 85 .2 مليون طن عام 2006، و7 .7 ملايين طن في فترة يناير ـ نوفمبر 2007. وفي ديسمبر 2007، بلغ صافي صادرات الصين من دقيق القمح 5 .133 ألف طن، بما يعادل 3 .148 ألف طن من القمح. لذا فإن النغمة القديمة المذكورة آنفا والتي عزفها قلة ضئيلة من الناس في خارج البلاد تتبدد أمام أنوار الحقيقة.
وأكد دينغ أن الصين تشهد توازنا أساسيا بين العرض والطلب على الحبوب الغذائية. ففي هذا التوازن، يشكل الأرز والقمح والذرة الشامية قواما، وهي أغذية رئيسية يعيش عليها سكان البلاد.
وفي فترة 2004 ـ 2007، ازداد إجمالي إنتاج الصين من الحبوب الغذائية ازديادا مطردا، إذ ارتفع من 327 .401 مليون طن عام 2004 إلى 398 .417 مليون طن عام 2005 ثم إلى 521 .432 مليون طن عام 2006. ومن المتوقع أن يكون هذا الإنتاج في عام 2007 قد تجاوز نظيره في عام 2006، الأمر الذي أرسى أساسا متينا لضمان حصة السكان من الغذاء.
