أكد «المركز المالي» في تقريره الذي أصدره مؤخراً بعنوان «مجالات استثمار مغرية في القطاع المصرفي»، على أن استدامة النمو الحالي لأرباح الشركات الخليجية ستكون موضوعاً رئيسياً لعام 2008. فالشركات الخليجية قد دأبت على تسجيل نمو قياسي في أرباحها، ولكن تأتي هناك نقطة انعطاف يصبح من بعدها النمو هدفاً صعب المنال.

وهنا تدخل احتمالات الدمج والاستحواذ في المنطقة مرحلة رئيسية، حسبما يقول إم آر راجهو ـ رئيس إدارة البحوث، وآمريث موكامالا ـ محلل البحوث في «المركز». ويقول التقرير ان الزخم لهذه الصناعة الوليدة والمتنامية يأتي من الضغط الداخلي على الشركات لتحقيق النمو ولو بتكلفة، وكذلك من اهتمام الشركات الأجنبية بالاستثمار الجدي في منطقة الشرق الأوسط.

الدمج والاستحواذ

ازدادت القيمة الإجمالية لصفقات الدمج والاستحواذ الخليجية خلال السنوات الخمس الأخيرة إلى مستوى مذهل بلغ 55 مليار دولار أميركي، مرتفعة من حجمها المتواضع البالغ 812 مليون دولار.

فالنمو الاقتصادي القوي قد أرغم الشركات على اتباع استراتيجيات نمو غير عضوي، وهذا ما يفسر ذلك النمو اللافت. كما لقي النمو دعماً من انفتاح الأسواق بفضل متطلبات اتفاقية منظمة التجارة العالمية. غير أن النمو لم يكن منظماً، وهو في الواقع مضطرب إلى حد كبير.

وعلى سبيل المثال، شهد العام 2005 نمواً بحوالي 100%، في حين شهد العام 2006 نمواً بمعدل صفر 0%. وهذا ما يبين بوضوح أن هذه الصناعة تعتمد إلى حد كبير على الصفقات الفعلية، وبالتالي فإن أي محاولة للتنبؤ بالحجم المحتمل لهذه الصناعة في الأمد القصير تصبح محاولة بلا جدوى.

وعلى الرغم من هذا النمو المرتقب، فإن قيمة صفقات الدمج والاستحواذ في المنطقة كنسبة مئوية من إجمالي الصفقات على مستوى العالم ما زالت طفيفة لا تتجاوز نسبة 1%، ما يفسح المجال لحركة ارتفاع مناسبة في حجمها. أما من حيث القيمة الرأسمالية السوقية، فإن قيمة صفقات الدمج والاستحواذ في منطقة الخليج تبلغ 4% مقارنة بالمتوسط العالمي البالغ 7%.

السيولة ترفع الصفقات النقدية

من الجدير الإشارة إليه أن حوالي 77% من كل الصفقات تم تمويلها نقداً، وهو اتجاه ينسجم مع المتوسط العالمي البالغ 74%. وهذا ما يشير إلى مستويات عالية من السيولة في النظام المصرفي والرغبة من جانب الشركات في تخصيص هذه السيولة لعمليات الاستحواذ.

أما من حيث قيمة الصفقات، والتي بلغت 7 .55 مليار دولار أميركي في عام 2007، فإن ما مجموعه 43 مليار دولار أميركي من الصفقات كانت عبارة عن صفقات نقدية. فقد ازداد نمو نسبة الصفقات النقدية من 31% في عام 2003 إلى 77% في عام 2007.

ومن بين الدول الخليجية، جاءت الإمارات العربية المتحدة في الصدارة في هذا المجال بأعلى قيمة للصفقات المنجزة نقداً خلال عام 2007 وبنسبة 74%، تليها المملكة العربية السعودية بنسبة 31%. وفي حالة المملكة العربية السعودية بالذات، يمكن للنمو في الصفقات النقدية أن يعزى أساساً إلى صفقة بقيمة 6 .11 مليار دولار أميركي بين «سابك» و«جي اي بلاستيكس».

التركيز خارج الخليج

إن عدد الشركات الأجنبية التي استحوذت عليها شركات خليجية قد شكل تاريخياً غالبية عمليات الاستحواذ الإجمالية، ومن جملة تلك الشركات الأجنبية الشركات التي يقع مقرها خارج منطقة الخليج. وقد سجلت دولة الإمارات قيمة صفقات عابرة للحدود أعلى من المتوسط المسجل لدول الخليج ككل في السنوات الثلاث الأخيرة من حيث الاستحواذ على الشركات الأجنبية الواقعة خارج منطقة الخليج. ويمكن لهذا الأمر أن يعزى أساساً إلى التوسع الدولي من قبل الشركات الخليجية.

لكن مستوى الاستحواذ على الشركات الأجنبية في السنتين الماضيتين قد انخفض بدرجة مهمة، لتحل مكانه زيادة في عدد الشركات التي تستهدف استحواذات ضمن المنطقة. وتجدر الإشارة إلى أن عمليات الاستحواذ المحلية تمثل الحصة الأقل من قيمة الصفقات الإجمالية، ما يشير ضمنياً إلى العقبات الرقابية وغير الرقابية في التنازل عن السيطرة إلى مجموعات داخل دولة معينة.

زيادة التنويع

لوحظ أن الشركات الخليجية كانت تسعى إلى الفرص الواقعة خارج قطاعاتها (وهي الفرص المعروفة باسم عابرة للقطاعات)، رغم أن حصتها قد شهدت اتجاهاً تنازلياً مؤخراً. وكما في عام 2007، شكلت عمليات الاستحواذ العابرة للقطاعات 24% من كل العمليات، وهو مستوى مماثل بشكل أو بآخر للنسبة في الصين والهند. وفي عام 2007، جاءت دولة الإمارات في صدارة الدول الخليجية من حيث إنجاز أعلى عدد من الصفقات في مختلف القطاعات بقيمة 2 .8 مليارات دولار أميركي. وكانت هناك من أصل هذا المبلغ صفقات تزيد قيمتها على 4 مليارات دولار أميركي تم إبرامها من قبل دبي القابضة وعالم دبي مجتمعتين.

شريحة الخدمات المالية

تسيطر شريحة الخدمات المالية، وخاصة قطاع البنوك، على أسواق منطقة الخليج من حيث القيمة الرأسمالية السوقية، وبالتالي، فهي تسيطر على نشاط الدمج والاستحواذ في المنطقة. فمتوسط حجم الصفقة لقطاع الخدمات المالية البالغ 11 مليار دولار أميركي أعلى بكثير مما هو عليه الحال في القطاعات الأخرى. كما أن التنافس ضمن القطاع المصرفي قد ازداد حدة مع إزالة العوائق العابرة للحدود بصورة تدريجية.

ولا شك أن متطلبات الاتحاد النقدي الخليجي واتفاقية منظمة التجارة العالمية سوف تؤديان في النهاية إلى انفتاح القطاع المصرفي الخليجي. وسوف تستفيد البنوك الأكبر من اقتصاديات الحجم، مستخدمة ميزانياتها العمومية الأضخم للمنافسة بشكل أكثر شدة، وذلك محلياً وإقليمياً على حد سواء. ومن المتوقع لضغوط المنافسة بين البنوك الخليجية أن تؤدي إلى عمليات اندماج في المنطقة.

ويعتبر القطاع المصرفي في الإمارات واحداً من أقل القطاعات المصرفية تركزاً في منطقة الخليج، حيث يضم 46 بنكاً تجارياً، منها 25 بنكاً أجنبياً. ويشكل أكبر بنك في الإمارات، وهو بنك دبي الوطني ـ الإمارات نسبة 2 .19% من إجمالي أصول البنوك في الإمارات، في حين أن مستوى التركز في الأسواق الخليجية الأخرى أعلى بكثير بالنسبة للبنوك الأكبر حجماً.

ويشهد القطاع المصرفي الإماراتي سلفاً مرحلة اندماجات، حسبما يستفاد من آخر عملية اندماج بين بنك دبي الوطني وبنك الإمارات. كما أن هذه الصفقة التي زادت قيمتها على 7 .3 مليارات دولار هي واحدة من أضخم الصفقات في تاريخ نشاط الدمج والاستحواذ ضمن القطاع المصرفي في المنطقة.

فالكيان الناشئ عن الدمج هو الأضخم في منطقة الخليج من حيث مجموع الأصول، الأمر الذي قد يؤدي إلى منافسة بين الدول الخليجية الأخرى للوصول إلى هذا الحجم.