لعبت هوليوود دوراً مميزاً في مساندة وتبني الأفكار والاساطير التوراتية بإنتاجها أفلاماً اعتبرها القائمون على هوليوود بأنها الخدمة الأمثل لدعم إسرائيل وأنتجت الأفلام التي تتحدث عن اليهود ومعاناتهم مثل فيلم «شمشون ودليلة» الذي أخرجه سيسيل ديميل عام 1949 وفيلم «داوود وباتشيع» عام 1951و«خفايا إيزابيل» عام 1953وكلها ترمز إلى الشخصية اليهودية.

ولكن الفيلم الذي تمت العناية بتفاصيله هو فيلم «التوراة في البداية» لجون هوستون والذي أنتج عام 1966ويتحدث عن التعاليم اليهودية ويمهد عبر الأساطير والخرافات إلى قيام دولة إسرائيل. وعلى مر العصور نجد أن صورة اليهودي كانت تمثل جماعة تقوم بشتى المهن المذمومة والمطلوبة، مثل الإقراض والربا، لذلك نجد أن الدراما صورتهم بالوحوش مستفيدة من الصورة الكريهة لليهودي في التاريخ المسيحي. وقد تطورت صورة اليهودي عبر العصور حتى وصلت في بدايات القرن العشرين إلى تحول مغاير أثر على الصورة المأخوذة عن اليهود، ومن أهم العوامل التي ساعدت على تجميل صورة اليهودي أن صناعة السينما في تلك الحقبة كانت محتقرة يحترفها الهامشيون ومن لا مكان لهم داخل النسيج الاجتماعي المستقر ولكنها أيضاً صناعة ضرورية خاصة مع تزايد الأرباح وارتفاع مستوى المعيشة لدى اليهود.

ومع تصاعد شهرة وأرباح العاملين في السينما تغيرت الصورة مرة أخرى وأصبح اليهود يتحكمون في واحدة من أهم مفردات صناعة الشهرة في العالم.

ومن أبرز الأعمال السينمائية التي عالجت الشخصية اليهودية أفلام مثل «مغني الجاز» و«قائمة شندلر» وقد سعت مجلة ساوند آند سايت إلى التسجيل نقدياً لهذه الأعمال التي تناولت الشخصية اليهودية سواء في المجتمعات الأوروبية أو الأميركية.

ويمثل الفيلم الهوليودي «ليلة واحدة مع الملك» والذي يعرض حالياً في دور السينما المحلية، عودة لنوعية تلك الأفلام التي تكرس لخدمة أهداف سياسية، رغم أنها تقدم بصورة بريئة من خلال أحداث يدعي الفيلم أنها تاريخية، وإذا كان الفيلم يتناول حكاية ملكة يهودية أنقذت جنسها من فناء محقق منذ أكثر من ألفي عام في يوم يحتفل اليهود به كل عام يسمى «عيد البوريم»، يصبح الأمر مثيراً للتأمل خاصة أن أحداث القصة نفسها مثار جدل بين علماء ورجال دين يهود ومسيحيين.

الفيلم عرض لأول مرة في دور العرض بالولايات المتحدة الأميركية في أكتوبر عام 2006. وجاء ترتيبه التاسع في قائمة أعلى إيرادات الأفلام في ذلك الوقت وهو يعتمد على رواية للكاتبين تومي تيني ومارك أندرو أولسن، تحمل اسم «حداسا: ليلة واحدة مع الملك». قامت بإنتاجها للسينما شركة «اكسيون انترتينمنت»، وحصل في عام 2007 على جائزة «كامي»، كما أنه اختير للعرض في مهرجان كان 2007.

والفيلم يبدأ بمذبحة على يد البابليين «العراقيون القدماء» وأسر من نجي منهم إلى أرض العراق أيام الملك «نبوخذ نصر» وينتهي الفيلم بعد عشرات السنين بانتقام اليهود ممن كانوا يدبرون للقضاء عليهم وسلبهم ثرواتهم أيام حكم الإمبراطورية الفارسية، وتدوي كلمة كاتب اليهود موردخاي في نهاية الفيلم يطلب فيها من كل يهودي الدفاع عن نفسه في كل مكان بالطرق الممكنة، وتكاد تتشابه لفظاً ومعنى مع كل ما يقوله الآن «جورج بوش» وما يردده «أولمرت» ومن قبلهما شارون ونتانياهو، وبين بداية الفيلم ونهايته كثير من العبث التاريخي والأساطير بتقنيات فنية مبهرة، من أجل تغليف الأفكار ومرورها لعقول يهمها فقط التسلية والترفيه دون الاستبصار بالسم المدسوس في العسل.

الفيلم يعتمد على ما جاء في سفر «استير» في التوراة، الذي يتناول قصة الفتاة اليهودية «استير»، التي تخاطر بحياتها لإنقاذ الشعب اليهودي من الإبادة، وذلك بعد استيلاء الفرس على مملكة بابل.

يشير سفر «أستير» إلى أن طائفة من اليهود مقيمة في أرض السبي بينهم فتاة اسمها استير حظيت باستحسان الملك زيركيس فتزوجها. غير أن مستشاره الشرير ـ كما جاء في السفر ـ وهو هامان سعى للقضاء على اليهود وإبادتهم لكي يستولي على أموالهم وممتلكاتهم. فقد دبر خطة للقضاء على اليهود بأن أخبر الملك بوجود قوم لم يحددهم لهم قواعد وقوانين خاصة بهم ولا يحترمون قوانين الملك، فأمر الملك بإبادة جميع اليهود. فتدخلت استير زوجته بمهارة ودبرت خطة لإنقاذ شعبها وكشف حقد هامان عليهم. ونجحت في إنقاذ شعبها بأكمله بعد أن أمر الملك بقتل هامان عدو اليهود.

وقصة الفيلم عنصرية للغاية وتبرر لليهود كثيراً مما يقومون به حالياً، وتكمن خطورته في أنه موجه إلى المجتمع الغربي المسيحي خاصة للمتدينين محاولاً ترسيخ دعاوى اليهود في حقهم التاريخي في الدفاع عن النفس وعداء الدول المحيطة لإسرائيل ولليهود، ولا يخفى هدف الفيلم من التبرير المستتر لتسلح إسرائيل بترسانة من الأسلحة الفتاكة .

وكذلك تبرير قتل الإسرائيليين لأعدائهم الفلسطينيين وغيرهم ممن يرغبون في القضاء على اليهود من جيران إسرائيل، وفسر الناقد «مايكل ميدفيد» في لقاء تلفزيوني ما وراء الفيلم حينما أكد أن ما حدث في إيران القديمة (فارس) يحدث الآن وشخصية الوزير الفارسي هامان تشبه شخصية الرئيس الإيراني الحالي «أحمدي نجاد» الذي طالب بمحو إسرائيل من الوجود.

مشاهد الفيلم صورت بلغة سينمائية يتشابك فيها ما هو بصري وفكري. فعلى الرغم من أهمية الحوار واحتدامه وتشعب مستوياته، إلا انه ظل محافظاً على تدفقه السردي كلغة شكسبيرية بلا ترهل تؤكد مكائد المؤامرات التي تدبر وراء الستائر.

المشاهد التي صورت أحداث التآمر كانت قلقة، مربكة، متوترة، فالكاميرا محمولة والقطع سريع، في حين ان اللقطات التي تصور الحياة اليومية في مدينة سوسة لقطات متوسطة وعامة وناعمة مشحونة بعاطفة (الحنين إلى كل ما هو قديم ومبهر، وصنع الجرافيك ببراعة الشلالات والمباني على الجبال والأضواء الليلية، وأعاد للذاكرة عبق الماضي الجميل.

والمدهش في الفيلم هو مشاركة النجم المصري «عمر الشريف « بدور رئيسي هو شخصية الأمير «ميموكان» أحد حكماء القصر الذي يرفض خطة قتل اليهود ورغم أن دوره في حد ذاته لا مشكلة فيه، لكن الفيلم بشكل عام فيه قدر كبير من الدعاية الإسرائيلية وقد استغلت الشركة المنتجة اسم عمر الشريف وبيتر أوتول رغم صغر حجم أدوارهما لمنح الفيلم مزيداً من الشرعية.

كان رد الفعل في الصحافة الأميركية تجاه الفيلم سلبياً. حصل على خمس درجات حسب تقييم صحيفة «نيويورك بوست». ولم ينل سوى استحسان 17% ممن استطلعت آراؤهم من خلال موقع «روتن توماتوس» الالكتروني.

قصة حب لزواج اضطراري

الفيلم في مجمله يتقيد بالحبكة الرئيسية في النص الأصلي التوراتي. ومع ذلك أضاف عناصر لم تكن متواجدة في هذه الرواية التوراتية. القصة اليهودية الحقيقية عن العلاقة بين «استير» والملك الفارسي زيركيس لم تكن قصة حب. فزواج استير من الملك، كان اضطرارياً إذ لم يكن لها خيار آخر. أما الفيلم فقام بتصوير العلاقة بينهما على أنها قصة حب، مضيفاً إليها ما يجري في القصور من مكائد.

فيلموجرافيا

صور الفيلم في راجاستان بالهند وتكلف إنتاجه 60 مليون دولار.

الممثلة تيفاني دوبونت قامت بدوراستير«حداسا»

النجم لوك جوس في دور الملك الفارسي زيركيس

النجم العالمي عمر الشريف في دور الأمير ميموكان

النجم العالمي بيتر اوتول في دور النبي اليهودي صمويل

الممثل رون ريس ديفيس في دور اليهودي موردخاي

الممثل جيمس كاليس في دور هامان

المخرج: مايكل ساجبل

تاريخ أول عرض 13 أكتوبر 2006

مدة الفيلم: ساعتان و3 دقائق

دبي ـ أسامة عسل