أظهرت الأسواق الإقليمية نتائج غير متباينة على مدار شهر مارس الماضي، فقد شهدت الأسواق الكبرى في الإمارات والسعودية إقبال المستثمرين المحليين والأجانب الشديد على البيع، حيث بلغت نسبة المستثمرين الأجانب 40% من حجم التعاملات في بورصة دبي، بينما كانت تعاملات المستثمرين المحليين على الهامش في معظم الأحيان، وأصبحت هذه البورصة أسيرة الانفعالات المتضاربة في الأسواق العالمية سلباً وإيجاباً.
وقد أدى ضعف الأداء في أسواق السعودية والإمارات إلى هبوط مؤشر أسواق منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بنسبة تقدر بأكثر من 8%، كما مُني السوق العُماني بخسائر بنهاية الشهر الأول مرة منذ 12 شهراً، وبذلك فقدت صدارة دول مجلس التعاون الخليجي من حيث ارتفاع مؤشرها لأعلى نقطة خلال 2008 ـ لصالح الكويت وجاءت بعد المغرب، أما خارج أسواق دول مجلس التعاون الخليجي فقد حقق السوق المصري أرباحاً متوازنة، حيث تغلب تدفق السيولة النقدية محلياً والمحفزات الإصلاحية على مشاعر القلق لدى مستثمري الأسواق الناشئة. جاء ذلك في تقرير أعده خالد المصري، شريك تنفيذي في «رسملة»، البنك الاستثماري الذي يتخذ من مركز دبي المالي العالمي مقراً له، وأضاف التقرير ان شهر مارس شهد تزايد موجة البيع في الأسواق العالمية.
حيث أدى ارتفاع تكلفة الطاقة وأسعار السلع الزراعية الأساسية إلى مزيد من الضغط على معدلات النمو الاقتصادي للدول النامية والاقتصادات الناشئة على السواء؛ مما عزز من نظرية مفادها عدم وجود علاقة بين الاقتصادات الناشئة واقتصادات الدول النامية نظراً لاختلاف ديناميكيتها وقوتها، فقد ظلت اقتصادات الدول النامية تعاني من الضغط نتيجة لاستمرار أزمة انخفاض معدلات الفائدة الأميركية.
حيث إن تخفيض بنك الاحتياطي الأميركي للفائدة بمعدل 75 .0% أدى إلى دعم الأسواق في النصف الثاني من الشهر إلا أن موجة الاضطراب استمرت.
وحافظ الاكتتاب العام لخط الأنابيب في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على قوته، خاصة في منطقة دول التعاون الخليجي، حيث بلغت قيمة ما طُرح في الاكتتاب من جملة رأس المال في الربع الأول من عام 2008 أربعة مليارات دولار، وهو أربعة أضعاف ما طُرح قبل عام مضى، وقد ارتفع عدد عروض الاكتتاب إلى 15 عرضاً مما يشير إلى توفر السيولة، ولكن حجم التراجع في سوق التعاملات الثانوية عبر دول مجلس التعاون الخليجي يشير إلى تردد المستثمرين، ومن المتوقع زيادة الشكوك والتراجع عند الإعلان ربع السنوي عن الأرباح مع انقضاء الموسم.
الدولار والسيولة والتضخم
ويتزايد حجم التحديات التي تواجه واضعي السياسة المالية في منطقة دول التعاون الخليجي نتيجة الارتباط بالدولار، وزيادة السيولة الناتجة عنه وزيادة معدل التضخم، وقد اقتصرت إجراءات التعامل مع هذه القضية على مساندة السكان من خلال زيادة الأجور وتحديد سقف الإيجارات وتجميد أسعار السلع الأساسية وإلغاء رسوم الواردات على السلع الاستراتيجية مؤقتاً.
وقد اتخذت الكويت خطوة أخرى عن طريق تشديد ظروف الائتمان لتقليص زيادة السيولة وتقليل الاستهلاك لتخفيف حدة التضخم، وتجنب المشكلات الائتمانية في المستقبل، بالإضافة إلى مشكلة أخرى وهي الجدل حول تأثير أزمة خفض الولايات المتحدة لمعدل الفائدة على البنوك، ودرجة تعرض البنوك الإقليمية للآثار المترتبة على أزمة سوق الرهن العقاري الأميركي.
وقد ذكرت هيئة ستاندارد أند بورز الأميركية مجدداً أن البنوك في منطقة الخليج ستستمر في قوة أدائها نتيجة استفادتها من الوضع المالي القوي في أسواقها المحلية، وبالتالي انخفاض درجة تعرضها لآثار مشكلة خفض معدل الفائدة ومنتجات الاستثمار الهيكلي الأميركية، وعلى الرغم من ذالك فقد تأثرت أرباح بعض البنوك في المنطقة بحجم الخسائر والإجراءات الوقائية المتبعة لمواجهة هذه المشكلات، ولكن تلك الآثار تحت السيطرة بشكل عام.
عودة التوازن بالإمارات
عانت الأسواق المالية بالإمارات من الركود خلال الشهر، فقد ساهم المستثمرون الأجانب بأكثر من 40% من حجم التعاملات في ذات الوقت الذي كان المستثمرون المحليون في انتظار حافر للتعامل، وبعد موجة التراجع خلال الشهر، عادت الأسواق إلى قيمة تداول تماثل تلك التي بدأت بها مطلع العام، وفي ضوء الإعلان عن الأرباح، تبدو قيمة التعامل الحالية جاذبة للاستثمار.
وفي تطور مهم، قامت هيئة الأوراق المالية والسلع بالإعلان عن التغيرات الرئيسية لمتطلبات الإقفال للشركات المدرجة بالقائمة من خلال عرض الأسعار الذي قُدم لزيادة الشفافية، كما قامت هيئة الأوراق المالية والسلع بالإمارات بوضع مجموعة من القيود الشديدة على التعاملات المالية لكبح جماح التعاملات الداخلية لمديري وموظفي الشركات.
وقد أدى زيادة دعم الوسطاء لاحتياطي الائتمان بقصد تهميش المتعاملين ـ إلى زيادة المخاوف من التراجع في السيولة النقدية، وبالتالي اتساع نطاق البيع على المدى القصير إلا أن ذلك يعد إيجابياً من حيث تطوير السوق على المدى البعيد.
سوق دُبي
بدأت شركات الاستثمار في سوق دُبي للأوراق المالية بداية غير قوية خلال هذا الشهر؛ حيث بلغت نسبتها 12% قبل استعادة السوق نصف قيمة الخسائر التي مُنيت بها مع نهاية الشهر، وكان حجم التعاملات ضعيفاً مع انتظار المستثمرين المحليين والأجانب لوجود حافز للتعامل من جديد، وكانت نسبة الخسائر في سوق الأسهم في شركات مثل «إعمار» و«إندو» اللتين فقدتا نسبة 12% و8% من قيمة الأسهم على التوالي خلال الشهر، وهي نسبة كبيرة طبقاً لمؤشر السوق، وكان التعامل سلبياً بحيث تراجعت خمس أوراق مالية في مقابل الإقفال الإيجابي لاثنين، وقد تراجعت القيمة إلى مستويات جاذبة للشراء كما حدث عام 2007 كما هو واضح من إعلان الأرباح لعام 2008، ورغم ذلك كان هناك انتظار الحافز لاستعادة حجم التعاملات والأرباح.
سوق أبوظبي
كانت تعاملات سوق أبوظبي للأوراق المالية تسير في أجواء سلبية خلال الشهر، بحيث أقفلت بمعدل خسائر بلغ حوالي 5 .5% قبل تجاوز الأزمة، ومثلها مثل نظيرتها في سوق دبي، لم يكن حجم هذه التعاملات كبيراً نظراً للجوء المستثمرين إلى التعاملات الهامشية، وظلت التعاملات سلبية بحيث أقفل 33 من أصل 57 سهماً بشكل سلبي، وبلغت تعاملات السوق خلال 12 شهراً معدل أسعار منخفضاً بلغ 14 ضعفاً مقارنة بـ 16 ضعفاً في بداية العام.
تغير المسار بالسعودية
بعد تجاوز أزمة فبراير، تغير مسار الاستثمارات المباشرة في السعودية ومُنيت بخسائر خلال شهر مارس، فقد أدى وصول معدل الخسائر لأكثر من 11% إلى زيادة الخسارة السنوية إلى أكثر من 18% لتصبح بذلك أسوأ الأسواق الإقليمية أداءً، وبات قطاع البنوك الأكثر تأثراً؛ فقد خسرت البنوك الرئيسية مثل سامبا والراجحي ما يقرب من 25% و18% على التوالي.
حيث استمر القلق بشأن نمو الأرباح في هذا القطاع، وكانت السيولة بالسوق الثانوي أقل من معدلات الأشهر الأخيرة بسبب الاكتتاب العام لبنوك الإنماء التي بلغت قيمتها 5 .10 مليارات ريال سعودي، وهو أكبر اكتتاب في المملكة حتى تاريخه، وحالياً تبلغ الاستثمارات السعودية حوالي 20 ضعف متوسط الأرباح، حيث سيتم الاطلاع على التقرير ربع السنوي للأرباح وتحليلها عن كثب قبل استئناف تقييم العوائد الحالية لتقرير ما إذا كانت تعد جذابة من عدمه، حيث إن السوق في انتظار كشف النقاب عن أرباح الشركات الرائدة مثل «سابك» فقد تكون النتيجة الإيجابية التي تؤدي إلى استعادة السوق لأدائه.
الكويت في الصدارة
بدأ السوق الكويتي في جني الأرباح بدءاً من فبراير ليصبح السوق الخليجي الوحيد الذي يسجل أرباحاً على مدار الشهر، وقد أدى الربح الشهري إلى تخطي البورصة الكويتية لنظيرتها العمانية كأفضل سوق مالي في منطقة الخليج خلال عام 2008، وقد واجه السوق الكويتي بعض الاضطراب نتيجة لقيام الحاكم الشيخ صُباح الأحمد الصُباح بحل البرلمان بعد فترة من الاضطراب والنزاعات بين الحكومة والبرلمان؛ مما أدى إلى شلل في دوائر صنع القرار ومجال التنمية، وفي تطور آخر، قام البنك المركزي الكويتي بتمرير قانون يقضي بخفض القسط الشهري الكلي لقروض الأفراد من 50% من الراتب إلى 40%.
وقد اتخذ هذا الإجراء في محاولة للسيطرة على التضخم وتدهور وضع السيولة النقدية، وبرغم جني الأرباح الكبيرة مؤخراً فقد حافظ السوق على قدر كبير من القوة الجاذبة، كما اتخذت مجموعة من الإجراءات الوقائية في ظل الموجة التي تجتاح الأسواق العالمية وتمتد إلى أسواق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، كما تمثل التغيرات والإصلاحات السياسية حافزاً قوياً لتحريك السوق.
خسائر في قطر
بعد تحقيق ربح بلغت نسبته 10% في فبراير، عادت الاستثمارات القطرية إلى الخسائر خلال الشهر مثل نظرائها في الدول الأخرى، حيث مُنيت بخسائر قاربت 9%؛ مما ترتب عليه فقدان قيمة ما جنته من أرباح في السابق، فقد كان حجم التعاملات منخفضاً على مدار الشهر، لكن الاستثمارات القطرية تعاملت بمعدلات جذابة تمثل 15 ضعف العوائد بالإضافة إلى معدل نمو ربحي من المتوقع أن يكون أكثر قوة خلال عام 2008، وخلال الشهر خسرت كل من شركة «الصناعات القطرية الثقيلة»، و«البنك الإسلامي القطري» و«القطرية للاتصالات» بنسبة 27 .16%، 58 .13%، 66 .17% على التوالي.
صعود مصري
بدأت الاستثمارات المصرية التعاملات بحذر في النصف الأول من الشهر قبل أن يرتفع مؤشر البيع محلياً ودولياً لأعلى بزيادة حوالي 7% عن أقل مستوى له خلال الشهر ليقفل بنهاية الشهر عند ارتفاع بلغ 5 .2%، ولا يزال السوق المصري واحداً من أفضل الأسواق الإقليمية أداءً بعوائد إيجابية سنوية أقفلت عند 8%.
وقد تعرضت مصر للآثار السلبية للسوق الدولي؛ نظراً للارتفاع النسبي لمستويات الاستثمارات الأجنبية، ولكن ذلك لم يكن هو الحال خلال الشهر المنقضي؛ حيث تحسن أداء الاستثمارات المصرية المباشرة بشكل كبير على مستوى السوق الإقليمي والدولي، فكانت الأرباح الشهرية جيدة، رغم تراجع أسهم كبرى الشركات وهي أوراسكوم للإنشاء والمجموعة المالية «هيرمس» والمصرية للاتصالات بنسبة خسارة 25 .38% و81 .12% و2 .12% لكل منها على التوالي.

