كشف مسؤولون حكوميون وفي مؤسسات مالية وصناعية سنغافورية عن توجهات لتأسيس شراكة اقتصادية أكثر قوة ومتانة مع دول مجلس التعاون الخليجي ومع دولة الإمارات على وجه الخصوص. وتوقع «لي أي شيان» وزير التجارة والصناعة السنغافورية ان تشهد العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية بين سنغافورة ودولة الإمارات تطورات ملحوظة خلال الفترة المقبلة.
مشيرا إلى ان البلدين يمتلكان إمكانيات ضخمة وتجارب حازت على إعجاب وتقدير المؤسسات الدولية وذكر ان زيارته الأخيرة إلى دولة الإمارات في بداية مارس الماضي كشفت عن الحجم الكبير للثقة المتبادلة ورغبة المسؤولين الإماراتيين في زيادة وتدعيم التعاون بين البلدين والاستفادة من الخبرة السنغافورية في إدارة وتطوير المشاريع والخدمات المختلفة. وأشار وزير التجارة السنغافوري إلى ان بلاده تنظر بإعجاب إلى التجربة التنموية الإماراتية قائلا ان سنغافورة والإمارات لديهما العديد من القواسم المشتركة التي تشمل التفكير السليم والخطط الخلاقة والانفتاح الاقتصادي على العالم الرغبة في التعاون الدولي القائم على تحقيق المصالح المشتركة.
وذكر ان المشروعات التنموية التي تنفذها دولة الإمارات في إطار خطط ورؤية اقتصادية تمتد لعشرات السنين المقبلة تتضمن مشروعات على جانب كبير من الأهمية وخاصة في مجال الطاقة النظيفة التي أعلنت عنها «مصدر» وان بلاده على استعداد بما تمتلكه من خبرات ممتازة لان تشارك بفعالية في هذا المجال.
وعن حجم المنافسة وتأثيراتها بين دبي وسنغافورة قال وزير التجارة والصناعة السنغافوري ان الجانبين يمثلان مركزا بالغ الأهمية للأعمال والمال والخدمات في منطقتين مختلفتين حيث ان دبي تعد المركز التجاري والخدمي المميز الذي يوفر خدماته لأسواق الشرق الأوسط وأوروبا وغرب آسيا في حين توفر سنغافورة هذه الخدمات إلى دول شرق آسيا واليابان واستراليا وبالتالي ليس هناك منافسة ضارة بين الجانبين بل ان الجانبين يكملان بعضهما في منطقتين على درجة كبيرة من الأهمية الاقتصادية مع وجود إمكانات كبيرة للتعاون والأعمال المشتركة.
ولفت وزير التجارة والصناعة السنغافوري إلى ان دول الشرق الأوسط وعلى وجه الخصوص دول مجلس التعاون الخليجي أصبحت تشكل احد أهم الأولويات في السياسة الاقتصادية والتجارية لسنغافورة مشيرا إلى ان قيمة المبادلات التجارية بين بلاده ودول المجلس ارتفعت إلى 42 مليار دولار سنغافوري خلال العام الماضي 2007 من أصل 48 مليارا هي حجم التجارة السنغافورية مع دول الشرق الأوسط.
وذكر ان هذه الأرقام تعتبر متواضعة جدا مقارنة بحجم المبادلات التجارية لبلاده مع دول العالم والتي بلغت خلال العام الماضي 840 مليار دولار سنغافوري تعادل حوالي 700 مليار دولار أميركي. وتوقع الوزير السنغافوري ان يتم التوقيع على اتفاقية التجارة الحرة بين سنغافورة ودول مجلس التعاون قبل نهاية العام الجاري قائلا ان الفرق التفاوضية قد اتفقت على معظم بنود الاتفاقية. مشيرا إلى ان توقيع الاتفاقية لا يعني إزالة كافة الضرائب والرسوم بصورة فورية بل يتم تخفيضها بشكل ملموس.
وتوقع ان تشهد العلاقات الاقتصادية والتجارية بعد توقيع الاتفاقية طفرة كبيرة في ظل الإمكانيات الضخمة لدى الجانبين وتزايد الأهمية لدول المجلس على صعيد التجارة العالمية وكذلك النمو السريع الذي تشهده دول المجلس في كافة المجالات والاحتياجات التي يتطلبها هذا النمو. وردا على سؤال حول التجربة السنغافورية للسيطرة على ارتفاع التضخم قال وزير التجارة والصناعة ان التضخم في بلاده بلغ 6% العام الماضي، وهي نسبة مقبولة مقارنة مع الارتفاع العالمي في أسعار السلع.
وأكد ان قوة الدولار السنغافوري الذي يرتبط بسلة من العملات ساهم إلى حد كبير في لجم جماح التضخم مشيرا إلى ان احد الأسباب في سنغافورة هو الارتفاع العالمي في أسعار السلع والمواد الاستهلاكية وخاصة بعد ارتفاع أسعار البترول الذي انعكس بدوره على أسعار إنتاج الكهرباء والمواصلات.
وقال: اننا ننظر إلى قوة الدولار السنغافوري أمام الدولار الأميركي عاملا مهما في السيطرة على معدلات التضخم وفي كبح جماح الارتفاع في أسعار السلع والمنتجات رغم ان ذلك يؤدي في نفس الوقت إلى تخفيض معدلات النمو الاقتصادي.
وأضاف وزير التجارة السنغافوري ان الحكومة لا تعالج موضوع التضخم عن طريق الدعم للمواد الغذائية بل تلجأ إلى زيادة دخل المواطنين وإعادة الضرائب المدفوعة للمواطنين حسب المستوى الاجتماعي في حين يذهب جزء من محصلة الضرائب ورسوم الاستهلاك إلى صناديق التأمينات الاجتماعية.
وفي موضوع متصل كشف مسؤولون في مجلس التخطيط الاقتصادي السنغافوري عن قيام العديد من الشركات الإماراتية المعروفة بضخ استثمارات كبيرة في سنغافورة. وذكر «فابيان شوه زونج» مدير العمليات للشرق الأوسط واسيا باسيفيك ان شركة «اينوك الإماراتية» استثمرت 214 مليون دولار أميركي لإنشاء مستودعات للغاز في سنغافورة كما ان شركة «ليمت ليس» وهي إحدى الازرع الاستثمارية لشركة دبي العالمي قد افتتحت مركزا إقليميا لها في سنغافورة.
وأشار إلى ان شركة نخيل وعدد من الشركات السنغافورية قد حصلت على عقد قيمته 689. 1 مليار دولار سنغافوري لبناء مجمعات سكنية في حين ان شركة الثريا للاتصالات الفضائية قد افتتحت مكتبا إقليميا في سنغافورية. وأكد المسؤول السنغافوري اهتمام الشركات الشرق أوسطية وعلى الأخص الإماراتية باتخاذ سنغافورة مركزا لتلبية احتياجات الصين ودول أخرى في شرق أسيا لافتا إلى ان دول مجلس التعاون الأخرى قد بدأت بمد جسور للتعاون مع سنغافورة.
حيث اتخذت شركة سابك للصناعات الأساسية سنغافورة قطر ومركزا لعمليات توزيع منتجات البتروكيماوية في حين استحوذت شركة اجيلتي الكويتية للخدمات اللوجستية على شركة «ترازلتيك» السنغافورية وأسست مقرا لها في سنغافورة.
وفي الوقت نفسه فقد حصلت الشركات السنغافورية على عدد من العقود المهمة بدول المجلس منها عقدا بمحطة الطاقة والمياه في الفجيرة الذي تبلغ استثماراته الأولية 2. 2 مليار دولار سنغافوري وهو الأكبر من نوعه لشركة سنغافورية في منطقة الشرق الأوسط كما حصلت إحدى الشركات السنغافورية على عقد لتنفيذ مشروع لمعالجة المخلفات في قطر لمدة 20 سنة وتقدر قيمة المشروع بحوالي 7. 1 مليار دولار سنغافوري.
وقال «زونج» يعد مشروع «كابيتال لاند ليمتد» المشترك مع «مبادلة» لتطوير المنطقة المحيطة بمدينة زايد الرياضية الأكبر من نوعه بقيمة 5 مليارات دولار. وقدم زونج وعدد من المسؤولين في مجلس التخطيط الاقتصادي السنغافوري عرضا يفيد بان الناتج المحلي الإجمالي لسنغافورة قد ارتفع إلى 5. 171 مليار دولار أميركي عام 2007 في حين ارتفع معدل دخل الفرد السنوي إلى 645. 36 الف دولار.
وأشار إلى ان معدل النمو الاقتصادي في سنغافورة قد ارتفع العام الماضي إلى 7. 7% في حين زاد حجم المبادلات التجارية خلال العام المذكور إلى 5. 589 مليار دولار أميركي. وذكر ان سنغافورة تخدم سوق سكانه 8. 2 مليار نسمة كما انها تأتي في المرتبة الـ (15) عالميا في حجم المبادلات التجارية.
ولفت «زونج» إلى ارتفاع حجم المبادلات التجارية بين سنغافورة ودول الشرق الأوسط بنسبة 48% بين عام 2004 و2007، وخلال هذه الفترة تقوم الشركات السنغافورية بتنفيذ مشروعات قيمتها 9. 3 مليارات دولار أميركي في المنطقة كما تقوم 250 شركة شرق أوسطية بالاستفادة من فرص الأعمال في سنغافورة.
وفي السياق نفسه أكدت مؤسسات مالية سنغافورية تزايد فرص الأعمال في دول مجلس التعاون الخليجي في ظل النمو المتزايد والمشاريع الضخمة التي تنفذ في هذه الدول والإعلان عن مشاريع جديدة تكاليفها مئات المليارات.
وقال نيك باريك» المدير الإداري في بنك «DBC» الذي يعتبر من اكبر المصارف في شرق آسيا اننا نتطلع إلى المشاركة بصورة أوسع في تمويل المشاريع بدول المجلس خلال الفترة المقبلة مشيرا إلى ان افتتاح مكتب تمثلي للبنك في دبي خلال شهر ابريل المقبل وحصوله على ترخيص لافتتاح مكتب تمثيلي في البحرين سوف يساهمان في حجم الخدمات المقدمة من البنك بدول المجلس.
وأشار إلى ان «DBC» يعتبر اليوم اكبر مجموعة مصرفية في شرق آسيا برمتها بموجودات تقدر بحوالي 591. 233 مليار دولار سنغافوري وقروض للعملاء بقيمة 433. 108 مليارات دولار وعشرات الفروع في سنغافورة ودول آسيوية وأخرى. ويقدم البنك خدمات وتسهيلات في مجال الطاقة والكيماويات والصحة والاتصالات والإعلام والتكنولوجيا والنقل والخدمات اللوجستية والعقارات والتجارة.
وتشمل قائمة عقود البنك في منطقة الشرق الأوسط لعام 2007 كل من «دبي وورد» تسهيلات بقيمة 400 مليون دولار أميركي وأخرى إلى بنك الاتحاد الوطني بقيمة مليار دولار وإلى انيوك 400 مليون دولار وإلى دبي سيفيك افييشن بقيمة مليار دولار وإلى اتصالات بمبلغ 3 مليارات دولار وإلى طيران الإمارات بمبلغ 400 مليار دولار وإلى موانئ دبي العالمي بقيمة 650. 1 مليار دولار إضافة إلى العديد من التسهيلات المالية لمؤسسات مالية وخدمية وصناعية خليجية تقدر بعشرات المليارات.
وعلى صعيد متصل قال مسؤولون البنك الإسلامي الآسيوي ان البنك الذي يتخذ من سنغافورة مقراً رئيسياً يسعى إلى خلق شبكة علاقات متميزة في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج على وجه الخصوص. وأكد «فينس كوك» الرئيس التنفيذي ان الشراكة بين «» وإحدى اكبر مجموعات الخدمات المالية في أسيا وبعض من ابرز المستثمرين من دول مجلس التعاون الخليجي قد جلبت قدرات مصرفية قوية للبنك الإسلامي الآسيوي وشبكة علاقات واسعة في الشرق الأوسط.
وأضاف ان افتتاح مكتبنا التمثيلي في مملكة البحرين يشكل الركن الأساسي لتوسيع شبكة أعمالنا في دول مجلس التعاون الخليجي. ويسعى البنك إلى خلق منتجات وخدمات بنكية استثمارية وتجارية متوافقة مع الشريعة الإسلامية.
17 مليون سائح
يخطط المسؤولون في مجلس سنغافورة السياحي إلى جذب 17 مليون سائح عام 2015 وان ترتفع عوائد السياحة في العام المذكور إلى 30 مليار دولار سنغافوري. وأوضح «روسكون تشأنج» المدير الإداري لشؤون الاتصالات في المجلس أن عدد الزائرين من منطقة الشرق الأوسط ارتفع العام الماضي إلى 574. 98 ألف سائح معظمهم من دول مجلس التعاون الخليجي.
وأضاف ان عدد السواح الذين زاروا سنغافورة عام 2007 ارتفع إلى 3. 10 ملايين سائح مقابل 7. 9 ملايين سائح عام 2006، ويتوقع ان يرتفع العدد في عام 2008 إلى 8. 10 ملايين سائح وان ترتفع قيمة عوائد السياحة إلى 5. 15 مليار دولار سنغافوري. وذكر أن معدل النمو السنوي للسياحة في حدود 11%. وقال: نخطط لجذب 150 ألف طالب للدراسة في المدارس والمعاهد والجامعات السنغافورية بحلول عام 2015 ومليون سائح لطلب الخدمات العلاجية بحلول عام.
سنغافورة ـ أحمد محسن

