في يونيو من العام 2001 ومع البدايات الأولى لانطلاقة حكومة دبي الإلكترونية وُجه إلى أحد الصحافيين سؤال مفاده: هل تشعر بأن عبارة «موظف في الحكومة الإلكترونية» تلبي طموحك، خاصة وأنها تُشعر كل من يسمعها بأنه يتعامل مع إنسان آلي وأزرار؟ أذكر أنني استرسلت آنذاك في الإجابة.

موضحاً له أدبيات الحكومة الإلكترونية، وأننا لسنا روبوتات.. وأن eGovernment تعني خدمات أبسط وأسهل إذا ما نظرنا إليها بوصفها ترمز إلى الأسلوب الحديث في التحول نحو الاقتصاد الرقمي؛ وبالتالي يصح لنا اعتبار e، المأخوذ أصلاً اختصاراً لـ Electronic أي إلكتروني، رمزاً لـ Easy من منطلق أننا نتطلع لجعل إجراءات المعاملات والحياة أيسر للعميل.

لا أذكر هذه القصة من باب سرد الحكايات والتندر، لكنني شعرت وقتها بأن الهوة عميقة وواسعة جداً، وأدركت أن عدم الفهم والوعي الكافيين بتلك الأدبيات سيشكل حتماً أحد العوائق الرئيسة أمام نجاح التجربة.. ثم إنني أسوقها بين يدي المقال الثاني في هذه السلسلة بوصفها مؤشراً على واحدة من معوقات الحكومة الإلكترونية عربياً.

العوائق التسعة

تشير دراسة أجرتها «كلية دبي للإدارة الحكومية» إلى أنه يمكن تصنيف العوائق الرئيسية أمام تطبيق الحكومة الإلكترونية عربياً ضمن تسع فئات رئيسة، هي:

1ـ نقص المؤهلات:

يفتقد عدد كبير من العاملين في القطاعات الحكومية في الوطن العربي للمعرفة التي تتطلبها عملية التحول إلى الحكومة الإلكترونية، ويتبدى ذلك على شكل مقاومة قوية للتغيير تقف حائلاً أمام نشر هذه المعرفة، يؤازرها عامل هجرة الخبرات من القطاع العام لفائدة القطاع الخاص، أو إلى خارج البلدان العربية؛ وهو ما يفاقم هذا النقص.

2ـ الفجوة الرقمية:

تعاني العديد من المجتمعات العربية من ضعف معدلات استخدام الإنترنت والحاسوب الشخصي، وتقدر إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية في الأمم المتحدة (UNDESA) عدد هؤلاء المستخدمين بـ 10 ملايين، في حين تقدره «مجموعة مدار للأبحاث» بـ 3,26 مليونا.

3ـ ضعف البنية التحتية التكنولوجية:

تفتقر معظم المؤسسات الحكومية في الدول العربية إلى البنية التحتية الملائمة في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. علاوة على أن هذه الحكومات لم تنجح في تحقيق نوع من مكاملة البنى التحتية بين مختلف دوائرها لتمكينها من تحقيق انسيابية في تبادل المعلومات، بما يزيد من فعاليتها وجدواها.

4ـ نقص التمويل:

ويعد هذا العامل من الأسباب الأكثر وضوحاً التي تدفع دولاً عربية عدة إلى إعادة ترتيب أولويات مشروعات الحكومة الإلكترونية بحيث تركز على المشروعات الهادفة لتخفيض النفقات، حصراً، على حساب المشروعات الأهم على المستوى التنموي.

بينما تعتمد دول أخرى في مبادرات الحكومة الإلكترونية بشكل شبه كامل على القروض والمساعدات الدولية، ما أدى إلى عدم نجاح الكثير من تلك المبادرات في تأسيس حكومة إلكترونية ناجحة. ويعود السبب الرئيس في هذا الإخفاق إلى أن المساعدات الدولية تميل عادةً إلى إملاء «أفضل الممارسات» ونماذج وآليات التنفيذ المطبقة في الدول الأكثر تطوراً، من غير مراعاة الاختلافات مع دول المنطقة.

5ـ افتقاد الأطر التنظيمية:

غالباً ما تكون مبادرة الحكومة الإلكترونية في الدول العربية ممثلة بمشروعاتٍ متفرقةٍ تقوم بها مؤسسات حكومية متعددة بشكل منفصل.

6ـ استراتيجيات التطوير والتنمية:

لم تأخذ معظم مبادرات الحكومة الإلكترونية العربية موقعها المناسب ضمن خطة التطوير والإصلاح الأشمل على مستوى الحكومة عامةً في دول عربية عديدة، حيث تعجلت هذه الدول في إقرار استراتيجيات الحكومة الإلكترونية في أوائل العقد الحالي، واضطرت إلى تعديل هذه الاستراتيجيات خلال السنوات القليلة الفائتة.

7ـ الإطار القانوني:

لا يزال استبدال الوثائق الورقية المعتمدة قانونياً لمصلحة نظيراتها الإلكترونية، مثل الدفع الإلكتروني والتوقيع الرقمي.. وغيرها، في مراحله الأولى بالنسبة للعديد من الدول العربية، وقد أعاق غياب إطار قانوني ناضج وملائم لهذا النوع من المعاملات تطبيق العديد من الخدمات الإلكترونية الحكومية، ومشكلة «شهادات المنشأ» التي تحدثنا عنها في المقال السابق هي خير دليل.

8ـ عدم الاستقرار الحكومي:

يُنظر إلى الحكومة الإلكترونية في بعض الدول العربية على أنها مجرد جزء تكميلي للقطاع العام وليس عنصراً أساسياً لإعادة صياغة وتشكيل المؤسسات الحكومية. بل وتعتبر بعض الحكومات الحكومة الإلكترونية أداة تجميلية لتخفيف بعض الضغوط الخارجية المطالبة بالإصلاح والتحديث، وهي نظرة تهميشية تضع الحكومة الإلكترونية في أعلى قائمة المشروعات الحكومية التي يتم التضحية بها إذا ما حدثت أي اضطرابات.

9ـ تبني الخدمات الإلكترونية:

يُعد تغيير مزاج الرأي العام تجاه قيمة الحكومة الإلكترونية وإقناعه بالثقة بخدماتها عاملاً حاسماً في تقييم نجاح مشروعاتها في كل الدول العربية، وهذا يتطلب من مبادرات الحكومات الإلكترونية تحقيق نسبة معينةً من الاستخدام لتعكس إنجازات إيجابية في حياة الأفراد والأعمال بما يؤكد تحقيق عائد على الاستثمارات.

وعلى الرغم مما سبق أزعم أن الإجماع لا يزال واسعاً على أن مبادرات الحكومة الإلكترونية قادرة على تحقيق الأهداف الموعودة إذا ما توافر فهمٌ أفضل للعوائق والتحديات التي اعترضت نجاحها حتى الآن.