حمل خبراء المستثمرين مسؤولية الارتفاعات المتلاحقة في أسعار الأغذية في مختلف أنحاء العالم. وقالوا إن واحداً من أبرز أسباب الظاهرة هو اتجاه المستثمرين لتحويل أموالهم إلى أسواق السلع الأولية في السنوات الخمس الأخيرة بحثا عن عوائد أعلى مما يحصلون عليه من أسواق الأسهم والسندات. وأكدت صناديق الاستثمار العالمية أن الأرباح التي يمكنها تحقيقها في السلع الأولية تفوق بكثير أرباح سوق الأسهم وبدأت منذ عام 2002 تدخل سوق النفط ثم أسواق المعادن فالحبوب.
وغذى هذا الاتجاه انخفاض أسعار الفائدة في الدول الكبرى الأمر الذي جعل الاستثمارات ذات الدخل الثابت أقل إغراء وساهم بنصيب في ذلك أيضا ضعف الدولار الذي يعمل على رفع سعر الاستثمارات المقومة بالدولار مثل أغلب الحبوب. وجذب هذا بدوره مستثمرين لا صلة لهم بسوق الحبوب أو تربطهم بها صلة واهية وغالبا ما يعرفون بالمضاربين فرفعوا أسعار الذرة والقمح وفول الصويا إلى مستويات جديدة تماما.
وفي مارس سجل سعر الذرة في المعاملات الآجلة 88. 5 دولارات للبوشل وسعر فول الصويا 3/4 86. 15 دولارا في بورصة مجلس شيكاجو للتجارة التي تمثل مقياسا للأسعار العالمية. وبلغ سعر القمح في بورصة مجلس شيكاغو أعلى مستوى عند 3/4 49. 13 دولارا للبوشل في فبراير. وفوجئت شركات صناعة الأغذية بارتفاع تكاليف النقل من جراء ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية فنقلت بعض الزيادة في أسعار الحاصلات إلى المستهلكين مما أدى إلى احتجاجات في العديد من الدول. بل إن بعض الدول منعت تصدير الحبوب حتى تضمن تغطية الطلب المحلي.
ويقول المستثمرون إن الأسعار المرتفعة تدعمها عوامل أساسية متمثلة في العرض والطلب مثل زيادة استهلاك البروتين في قوى اقتصادية ناشئة مثل الصين والطلب على الوقود الحيوي المستخلص من الذرة وفول الصويا وزيت النخيل. لكن الاقتصاديين يقولون ان المستثمرين يتحملون بعض المسؤولية على الأقل. وقال تشاد هارت خبير الاقتصاد الزراعي لدى مركز التنمية الزراعية والريفية بجامعة ولاية ايوا «الفكرة هي أن هناك الكثير من اللاعبين الجدد في لعبة المعاملات الآجلة في السلع الأولية وهؤلاء اللاعبين الجدد ليست لهم بالضرورة مصلحة راسخة في السوق باستثناء مصلحة المضاربة». وقال إنه رغم أن السلع الزراعية تتداول وفقا للعوامل الأساسية مثل تقارير المحاصيل فقد تزايدت حدة التقلب فيها بسبب تدفق أموال استثمارات جديدة.
وأوضح جاري كالتباوم الذي يدير صندوق تحوط باسم كالتباوم اند اسوشييتس أوف أورلاندو بولاية فلوريدا ويستثمر أمواله في الحبوب «مما يؤسف له في اعتقادي أن الناس عندما تتعامل في السلع الأولية لا أعتقد أنهم يبالون بالأثر الاجتماعي». وأضاف متحدثا عن المستثمرين من أمثاله «ما يفعله هؤلاء هو الاستثمار وعملهم هو تحقيق الربح. واذا اعتقدوا ان شيئا سيرتفع سعره فيتجهون لتداوله. ولا يقلقهم أي تداعيات أخرى».
ومع احتدام الحديث عن الكساد في الولايات المتحدة يقول البعض إن التوقعات قد لا تكون مبشرة للأسهم والسندات بقدر ما هي مبشرة للسلع الأولية. وقال توم فرنانديز المدير لدى شركة جرينهافن لإدارة الأصول في اتلانتا تستثمر في المحاصيل الغذائية ومحاصيل الوقود الحيوي «من المرجح أن يتوقع المستثمرون ناتجا محليا إجماليا سلبياً من هنا ولديهم ما بين 65 و95 في المئة من أصولهم مستثمرة في الأسهم وأصول ذات عائد ضعيف». ويضيف أنهم ليس أمامهم خيار سوى تخصيص جزء من استثماراتهم لأصول مربحة فما كان منهم الا ان اتجهوا لتكوين مراكز دائنة في السلع الأولية.
والمركز الدائن رهان على أن الأسعار سترتفع بينما يمثل المركز المدين رهانا على أن الأسعار ستنخفض. وقال متعاملون ان ثقل المستثمرين من أصحاب المراكز الدائنة شغل المساحة بين المنتجين والمستهلكين في أسواق الحبوب وهي أسواق أصغر من أن تتحمل التدفقات المالية الضخمة. فإجمالي حجم التعاملات في يوم واحد في الذرة وفول الصويا والقمح ببورصة مجلس شيكاغو أقل من واحد في المئة من ثلاثة تريليونات دولار تتداول يوميا في سوق الصرف الأجنبي العالمية.
وبلغت القيمة الإجمالية لمحاصيل الذرة وفول الصويا والقمح الأميركية في العام الماضي 51. 92 مليار دولار. وللمقارنة فإن إجمالي قيمة سندات الخزانة الأميركية الصادرة ولم تستحق حتى الآن يبلغ نحو 6. 4 تريليونات دولار كما أن القيمة الإجمالية لأسواق الأسهم الأميركية تبلغ نحو 16 تريليون دولار.
وقال بيتر كوردل رئيس سليبكا فاينانشال بارتنرز وهي شركة للوساطة في التعاملات الآجلة في السلع الأولية في مينيابوليس «استوردت الولايات المتحدة ما قيمته 36 مليار دولار من النفط الخام الشهر الماضي. وإذا استخدم مصدرو النفط هذا المال في شراء قمحنا فسيكون لديهم ما يكفي لشراء المحصول الأميركي بالكامل». ويقول المستثمرون ان القطاع الزراعي يتحمل جزءا من اللوم لعدم الاستثمار بما يكفي في الإنتاج خلال السنوات الخمس الأخيرة.
ومع تفاقم الأزمة الائتمانية الأميركية يوما بعد يوم تتزايد صعوبة حصول المزارعين على قروض في الولايات المتحدة أكبر مصدر للحبوب في العالم. كذلك فإن الشركات التجارية التي تشتري الحبوب من المزارعين وتعيد تسويقها تسجل خسائر لأنها التزمت بتوريد الحبوب بأسعار أقل كثيرا من أسعار اليوم. وقال فرنانديز من شركة جرينهافن «شركات الحبوب نفسها ليست كبيرة بما يكفي من وجهة نظر حجم السوق للتعامل مع هذه الأسعار المرتفعة بسرعة».
وكان سوء الأحوال الجوية مشكلة أخرى اذ أثر كثيرا على حجم المحاصيل. ففي استراليا وهي من كبار مصدري القمح أشعلت موجة جفاف حادة السوق. ثم جاء السباق لاستخلاص الوقود الحيوي من الحبوب ليزيد الطين بلة. فقد التزمت الولايات المتحدة بإنتاج تسعة مليارات جالون من الايثانول المصنوع من الذرة هذا العام وعشرة مليارات جالون في عام 2009. وقد لا يكون من الإنصاف توجيه الاتهام في ارتفاع أسعار السلع الأولية لصناديق التحوط والمضاربين نظرا لتعدد العوامل المؤثرة في الأسعار.
وقال جافن ماجواير المحلل لدى شركة أيوا جرين في شيكاجو والتي تتخصص في التعاملات الآجلة في الحبوب الأميركية «ان تحرك أسواق الحبوب نحو الارتفاع في صالح هذه الصناديق لكنها ستسعد بالقدر نفسه اذا كانت هذه الأسواق تسير في اتجاه نزولي لأن بوسعها تحقيق مكسب من بيعها على المكشوف». ويتفق كالتباوم مع هذا الرأي إذ يقول «هذه الأشياء يمكنها أن تحقق مكسبا في أي من الاتجاهين. وسيأتي الوقت الذي تنخفض فيه الأسعار».
شح مخزون القمح يعزز الاتجاه الصعودي
قال خبير في الحبوب بالأمم المتحدة إن أسعار القمح العالمية ربما تتراجع عن مستوياتها القياسية هذا العام مع نمو الإنتاج غير أن شح المخزونات العالمية سيعزز الأسعار بعض الشيء. وقال عبد الرضا عباسيان من منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة «نتوقع تراجع الأسعار لكن كل الدلائل تشير إلى أنها لن تعود إلى الأسعار المنخفضة التي شاهدناها في الماضي». وأضاف «شح المعروض سيتحسن قليلاً في 2008 ـ 2009». وارتفعت أسعار القمح أكثر الحبوب تصديراً في العالم إلى مستويات قياسية بسبب موجات الجفاف وزيادة الطلب على الغذاء فضلاً عن تزايد استخدامه لإنتاج وقود حيوي صديق للبيئة.
وفرضت دول منتجة مثل روسيا وأوكرانيا قيوداً على الصادرات لمواجهة التضخم الذي يغذيه ارتفاع أسعار الغذاء مما ساعد على استمرار ارتفاع الأسعار في الأسواق العالمية. وقال عباسيان ان ارتفاع الأسعار سيعزز زراعة القمح هذا الموسم غير أن زيادة الإنتاج لن تكفي لإحداث خفض ملموس في الأسعار نظرا لتراجع المخزونات العالمية إلى مستويات لم تبلغها منذ 30 عاما. وأضاف «المخزونات استنزفت بشكل كبير مما يتطلب أكثر من موسم واحد لإعادة بنائها». وتابع أن الإنتاج العالمي من القمح قد يرتفع إلى ما بين 6 و8% في 2008 مع نمو المساحة الإجمالية المزروعة بما يصل إلى 2% مع افتراض طقس طبيعي.
وقال ان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة واستراليا التي يمكنها زيادة الإنتاج بنحو 13 مليون طن هذا الموسم بحسب أحوال الطقس ستتصدر الزيادة العالمية في الإنتاج. وأوضح «لا يزال الأمر مبكرا للغاية لكن من المحتمل أن تستعيد استراليا وضعها كمصدر بل وتجني محصولاً قياسياً». وتابع أن الولايات المتحدة يمكن أن تزيد الإنتاج بمقدار أربعة ملايين طن. وصرح أيضاً بأن أسعار الحبوب الخشنة «الحبوب غير القمح والأرز» ستنخفض أيضاً بسبب زيادة الإنتاج بنسبة واحد إلى اثنين% في 2008. وقال «الأسعار القياسية التي شاهدناها ربما لن تتكرر لكن أسعار الذرة قد ترتفع قليلاً».. ومضى يقول: إن بعض المزارعين الأميركيين قد يتحولون من زراعة الذرة إلى القمح أو فول الصويا سعياً للاستفادة من تحسن الأسعار. وأضاف أن المساحة العالمية المزروعة بالحبوب الخشنة قد تنخفض.
أسعار السكر الهندي تثير قلق المشترين
قال مسؤولون بشركة الخليج للسكر أكبر مستورد للسكر الخام الهندي إن الشركة قلقة إزاء زيادة الأسعار في الهند وان الإمدادات ستكون مغرية اذا تراجعت الأسعار. وقال مسؤول بالشركة طلب عدم نشر اسمه «اشترينا حوالي 5. 1 مليون طن من السكر الخام من الهند، الأسعار الهندية ارتفعت في الشهور الثلاثة الماضية. نراقب الاتجاه العام». وجرت عمليات الشراء منذ يوليو عندما أبرمت الهند أولى صفقاتها للسكر الخام ببيع 500 ألف طن للخليج للسكر.
وقال المسؤول إن سعر السكر الخام تسليم المصنع ينبغي أن ينخفض بواقع 500 روبية «5. 12 دولاراً» للطن من مستواه الحالي البالغ حوالي 11500 روبية للطن. وبلغ السعر قبل نحو أربعة أشهر 9500 روبية للطن. وتابع المسؤول «اذا استمرت الهند مورداً طويل الأمد للسكر الخام فمن المنطقي بالنسبة لنا أن نشتري من هذا البلد بدلاً من البرازيل بسبب تكاليف الشحن».
