تلعب الصين الآن دورا متزايد الأهمية في الاقتصاد العالمي بعد أن بدأت تتكامل معه. وأصبحت الصين سلة إنتاج السلع المصنعة للعالم بفضل انخفاض تكلفة الإنتاج والعمالة فيها ولذلك تتخذ غالبية الشركات من أرضها مقرا لمصانعها أو مراكز أبحاثها أو خدماتها. ولا يمكن أن يكون هناك شركة عالمية كبرى أو متعددة الجنسيات ليس لها عمليات في الصين إلا النادر القليل.

وبالنسبة للدول النامية أصبحت الصين الشريك التجاري المفضل لها واحتلت المركز الثاني في هذا الصدد بعد أميركا وأوربا كما أن حجم التجارة بين الصين والدول النامية في تزايد مستمر وينمو بسرعة كبيرة، خاصة الدول الفقيرة في أفريقيا وأميركا اللاتينية. وليس الدول النامية فقط، فقد احتلت الصين مكانة اليابان لتصبح ثاني اكبر شريك تجاري لأميركا.

كم أن انفتاح شهية الصين للسلع والموارد الأساسية والخامات الأولية كان نعمة على بعض الدول المتقدمة مثل استراليا اكبر مصدر للحديد الخام في العالم لان الصين أصبحت اكبر مستورد لخام الحديد في العالم. وهكذا تشارك الصين في دفع عجلة نمو الدول المتقدمة باستيراد المواد الخام منها وفي اقتصاد الدول النامية بتصدير منتجات مصنعة إليها والتبادلات التجارية بين الطرفين، فضلا عن استيراد النفط من كل من الدول النامية والمتقدمة على السواء.

وتسجل الصين نموا اقتصاديا يزيد على 10% تقريبا منذ الثمانينات وتصدر إلى العالم 75% من الإنتاج العالمي من لعب الأطفال كما تنتج 58% من الإنتاج العالمي من الملابس وتشحن إلى دول العالم 29% من الاستهلاك العالمي للهواتف النقالة.

ومن جانب آخر تجذب الصين استثمارات أجنبية كبيرة تصل إلى مليار دولار أسبوعيا، وذلك بعد أن تبنى الزعيم الصيني دينغ سياو بينغ حملة الانفتاح والإصلاح الاقتصادي في السبعينات وقرر قبول استثمارات الشركات الأجنبية.

واستعان دينغ شياو بينغ في دفع عجلة الإصلاح الاقتصادي بمقولة الزعيم الصيني السابق له دينغ شياو بينغ عندما قال «دع ألف زهرة تتفتح». ومنذ ذلك الحين تدفقت الاستثمارات الأجنبية المباشرة على الصين التي استغلتها ووجهتها حسب حاجات البلاد الإنتاجية.

ويتوقع الخبراء أن تحتل الصين في العام الجاري المركز الثالث عالميا من حيث حجم الصادرات وان يتفوق اقتصادها حجما في نهاية العقد على كل من فرنسا وبريطانيا.أصبحت الصين الشريك المفضل لدى الدول النامية وثاني أكبر شريك تجاري لها بعد الولايات المتحدة وأوروبا رغم ان حجم التجارة بين الطرفين في ارتفاع مستمر.

وتمثل الكونغو الدول الفقيرة التقليدية من إفريقيا وأميركا اللاتينية. والدول التي أصبحت الصين حليفها الأول هي التي كانت واقعة تحت سيطرة الغرب مثل ميانمار والسودان. وفي هذه الدول تستفيد الصين أيضاً من الموارد الطبيعية المتوفرة لديها.

واستثمرت الشركات الصينية 15 مليار دولار في السودان منذ عام 1996 خاصة في صناعة النفط. وأدى ذلك إلى ان ترفع السودان انتاجها من النفط من لا شيء تقريباً إلى أكثر من نصف مليون برميل يومياً مما أدى إلى تعزيز مدخول الحكومة. وكان ذلك مفيداً بالنسبة للسودان لأن العقوبات الأميركية منذ 1997 قد منعت بعض أكبر الشركات العالمية من دخول البلاد. لكن هذا كان أيضاً نعمة على الصين لأن السودان من الدول القليلة التي استطاعت شركة البترول الوطنية الصينية شراء حصة كبيرة في بعض الحقول النفطية وإدارتها بشكل مباشر. وتأتي 10% من واردات الصين من النفط حالياً من السودان.

وأعطى ذلك الصين الفرصة لرفض العقوبات المفروضة على السودان. والعائدات النفطية من جانب آخر وفرت للحكومة السودانية السيولة النقدية لشن الحرب، حسب قول مجلة الايكونوميست. والحقيقة ان الشركات الصينية تمادت أكثر وأنشأت مصانع أسلحة في السودان أثبتت فعاليتها منذ فرض حظر السلاح على السودان منذ عام 2004.

وتتمتع ميانمار بموارد الخشب والأحجار الكريمة والأغذية التي تحتاجها الصين. وإذا سارت الأمور على ما يرام سوف تكون ميانمار ممر النفط من المحيط الهندي إلى جنوب الصين مما يوفر طريقاً بديلة لمضيق سنغافورة المزدحم.

لكن الغرب كان على خلاف مع السودان وميانمار من فترة طويلة تسبق تعاون الصين معها وانفتاح شهيتها إلى الموارد الطبيعية المتوفرة هناك. ويقول الدبلوماسيون الصينيون أنهم ليسوا السبب في المخالفات التي يشكو منها الغرب ولذلك لا يجب ان تعتبر الصين مسؤولة عند التعامل مع تلك الدول.

لكن ليست الصين وحدها التي تستثمر في ميانمار، بل هناك شركات نفط حكومية من ماليزيا والهند تستثمر في كل من ميانمار والسودان. وروسيا من جانبها اعترضت على محاولة أميركا فرض عقوبات على ميانمار العام الماضي. كما تشتري تايلاند الغاز الطبيعي من ميانمار.

ويقول الغرب ان الصين تستغل تلك الدول للحصول على مواردها الطبيعية. كما يقول خه ونبنغ الباحث في أكاديمية العلوم الاجتماعية الصينية ان الصين تريد أيضاً ان تضيع جهود تايوان في كسب الاعتراف الدبلوماسي والتأييد من منظمات مثل التجارة العالمية والأمم المتحدة. والمشجع ان هذا يفيد بأن الصين تحاول تعزيز موقفها في إطار المؤسسات الدولية القائمة ولا تقيم شبكات منافسة من الدول المعزولة دولياً.

وطالبت البرازيل والأرجنتين بتصدير ما هو أكثر من المعادن والأغذية إلى الصين وبدأت تسفك دماء الواردات الصينية الرخيصة التي تتلقاها في المقابل.

والفوائد التي تجنيها الصين من الدول الغنية بالموارد واضحة في ظل انفتاح شهيتها لتلك الموارد. وأدى ارتفاع الطلب الصيني على الموارد الطبيعية والارتفاع المصاحب لها إلى مضاعفة قيمة وحجم الصادرات الصينية. لكن الخطر الذي يهدد الدول الغنية بالموارد ان الشهية الصينية لمواردها قد تفتر في يوم ما. ومع ذلك فإن التعاون مع الصين لا يزال مفضلاً لدى الدول النامية مقارنة بالغرب أو أميركا.

الشركات المستقرة في الصين قوية لكن ليست مسيطرة بشكل كامل

أجرت مؤسسة مكنزي استطلاعا بين رجال الأعمال في آسيا ومديري الشركات العالمية العاملة في الصين . وقال أكثر من ثلثهم ان شركاتهم لها عمليات في الصين وان 30% منها تجري معاملات تجارية مع الصين. وقال أكثر من نصف رجال الأعمال ان شركاتهم تحقق أعلى العائدات من عملياتها في الصين.

وأوضح الاستطلاع ان ثلثي الشركات الكبرى التي تزيد عائداتها السنوية على مليار دولار، لها عمليات في الصين وان 81 % منها تحقق عائدات مرتفعة في السوق الصينية. والأكثر إثارة انه في الوقت الذي تعتقد فيه الشركات أنها ركزت عملياتها في الصين فان 14% فقط من الذين شملهم الاستطلاع قالوا ان شركاتهم تملك مصنعا أو مصنعين أو مرفق خدمات أو متاجر هناك. والنسبة تبلغ 21% بين الشركات التي تعمل في قطاع الانتاج (مقابل شركات الخدمات).

ويقول التنفيذيون ان انخفاض نسبة التواجد لن تستمر. ويتوقع 90% من المشاركين من الذين ليس لهم عمليات في الصين ان شركاتهم سوف تقوم بإعمال تجارية في البلاد خلال 5 سنوات.

ويقول الذين تعمل شركاتهم في الصين إنهم يركزون على السوق الواسعة ويقول 7% فقط ان شركاتهم تبيع سلعاً أو خدمات في الصين لكن 34% من كل المشاركين أو 43% من مديري الشركات التي لا تحقق عائدات حاليا من الصين يتوقعون بيع منتجات أو خدمات في البلاد خلال 5 سنوات. ويعتقد مديرو الشركات ان التواجد في الصين أمر حتمي. ولا يزال 83% من المشاركين الذين يقولون انه لا يحتمل ان الصين سوف تكون قادرة على معالجة تهديدات نموها، ويعتقدون ان شركاتهم سوف تقوم بعملياتها في الصين خلال 5 سنوات.

وينظر إلى الشركات التي تتخذ مقار لها في الصين على أنها قوية لكنها غير مسيطرة بشكل كامل. كما ينظر إليها على أنها قادرة على المنافسة. ويرى كثير من المشاركين في الاستطلاع ان تلك القدرة على المنافسة قائمة على انخفاض تكلفة العمالة وهى التي تتمتع بها الشركات الصينية بشكل أكبر.

ويفسر انخفاض تكلفة الانتاج لتلك الشركات ان 27% من المشاركين في الاستطلاع في الصناعات الإنتاجية يصنفون المنافسين الصينيين على أنهم من الأقوياء أو الأشد قوة، مقابل 27% في صناعات الخدمات. ويصنف 36% من مديري الشركات في الصين المنافسين المحليين داخلها على أنهم ضعفاء أكثر من أي بلد آخر. ويقول 13% من المديرين في الصين ذلك أيضا حتى إذا تراجع معدل النمو إلى صفر فان عائدات شركاتهم لن تتأثر.

إعداد: أشرف رفيق