هناك مثل مصري يقول «الشاطرة تغزل برجل حمار»، وهو ينطبق تماماً على المخرجة الإماراتية نايلة الخاجة، التي تحاول بكل ما تملك من مفردات شطارة أن تخطو بـ «نادي المشهد ـ ملتقى السينمائيين الإماراتيين» إلى مراحل جديدة من التميز والعروض الرائعة المنتقاة.

شهد اللقاء الرابع الذي استضافه مركز المؤتمرات في «قرية المعرفة» مساء أول من أمس غياباً ملحوظاً للسينمائيين الإماراتيين، رغم الإقبال غير المتوقع من الجمهور، كذلك لم يحضر أحد من الجهات الداعمة والراعية لفعاليات النادي، الذي بدأت ميزانيته تقل تدريجياً، وهذا واضح في كل تفاصيل العوائق التي تهدد استمرار مسيرة «المشهد» الذي استمد قوته من مهرجان دبي السينمائي. وقلصت الخاجة استعراض «البوفيه المفتوح» الذي كان قائماً في اللقاءات السابقة، واكتفت بالمشروبات الغازية و«الفيشار»، في محاولة لتقليد نمط سلوكيات رواد صالات العرض المحلية.

وجاء تبرع «قرية المعرفة» بمكان العرض ليوفر مبلغ 15 ألف درهم كان نادي دبي الاجتماعي، يحصل عليها نظير استضافته لكل فعالية، ولم يحضر أحد محاوري اللقاء السابق الذي جهل من هي سميرة أحمد، وظهرت بدلاً منه محاورة أخرى تجهل العربية، لتفرض الانجليزية هيمنتها بمساعدة الإيطالية، مع تجاهل وإهمال كامل للغة العربية، التي ظهرت فقط في كلمة معدة مسبقاً قدمتها نايلة الخاجة، طالبت فيها بتوفر رأس المال والإمكانيات والبنية التحتية أولا لبناء صناعة حرفية للأفلام القصيرة التي من دونها لن تقوم صناعة للأفلام السينمائية الطويلة، كما أكدت في كلمتها على دور القطاع الخاص الذي سيفتح المجال للمواهب الشابة في المنطقة، لشق طريقها نحو صناعة أفلام مستقلة تدعم المشهد السينمائي في الإمارات.

بدأت فعاليات الدورة الرابعة لنادي المشهد بالاحتفاء بباقة من المخرجات المبدعات في مجال إخراج الأفلام القصيرة وهن من ايطاليا إيزابيلا سيلفاتي، ومن إيران مريم قرباني كريمي، ومن الإمارات منال بن عمرو التي أصرت على عدم الحضور ضاربة عرض الحائط برغبة النادي والجمهور بعرض فيلمها للمرة الثانية لإجراء نقاش حوله، وفي مقابل ذلك، بادرت نايلة الخاجة، في محاولة منها لإنقاذ الموقف إلى عرض فيلمها «عربانة» لتأكيد تواجد المرأة الإماراتية في هذا المجال.

وكانت ليلة «المخرجات المبدعات» عاكسة بالفعل لثقافة ورؤى حضارات مختلفة، وترجمة حقيقة لمحاولات سينمائية جادة لأكثر من دولة، ويكفي أن الأفلام التي عرضت حصدت أكثر من جائزة في مهرجان سينمائي دولي.

«إيماءة بريئة» والأداء المدهش

«إيماءة بريئة» للمخرجة الإيطالية إيزابيلا سيلفاتي هو العرض الأول في اللقاء، وكان قد حصل على جائزة خاصة في مهرجان البندقية السينمائي الثاني والستين، مفاجئاً لناحية مستوى الأداء التمثيلي، خصوصاً للمرأة العجوز التي كانت تنتظر الموت في أيامها الأخيرة، وتقوم برحلتها المعتادة إلى الشاطئ، لتعكس الكاميرا دلالات رمزية لزحف وانحسار ماء البحر مع مشهد غروب الشمس.

وفي حوار قصير رائع ومكتوب بعناية، تلتقي المرأة العجوز شخصاً غريباً برفقة كلبه ويحكي لها كيف يخطط للموت كي تحصل عائلتة على بوليصة تأمين لتسديد ديونها المتراكمة، ويطلب منها أن تساعده في مواجهة هذا التحدي، وتعود الكاميرا لتسبح في أمواج البحر المتلاطمة، لنسمع في الخلفية صوت إطلاق نار من مسدس، وعلى إثره تنطلق الطيور في الفضاء.

وفي تراجع تدريجي يأتي مشهد عودة المرأة العجوز ومعها الكلب لتركب سيارة ابنتها، معللة بأنها وجدته على الشاطئ، وعندما تشعر ابنتها بتعلق الأم بالكلب والتغييرات الجديدة الطارئة علي وجهها، تنطلق بالسيارة تاركة المكان وتاركة أيضا أكثر من تساؤل عن رحلة الحياة والموت.

«وجه عالق» بغياب المخرجة

أما العرض الثاني فكان لفيلم «وجه عالق» للمخرجة الإماراتية منال بن عمرو(الغائبة عن عرضه للمرة الثانية في نادي المشهد)، فهو يتناول ذكريات شابة عربية عانت تجربة صعبة تركت آثارها على وجهها وسلوكياتها ودخولها متاهة الدوائر المغلقة، وزاد من عمق الحدث تعرضها لنزيف مادي ومعنوي، ما أتاح للمشاهد أن يتخيل ظاهرة «الختان» التي مازالت بعض الدول العربية تمارسها بوحشية وقمع بحق الإناث.

«رابطة».. فلسفة حياة

وجاء فيلم «رابطة» للإيرانية مريم قرباني في الترتيب الثالث للعروض، ليوضح في سيناريو جميل علاقة الأجيال ببعضها، من خلال قصة رجل عجوز ينتظر القطار يومياً في محطة مجهولة، ويأتي حاملاً متاعه وزاده ومقعده وكتاباً أحمر صغيراً يؤنس به ساعات الانتظار الطويلة، ويظهر في الجهة المقابلة طفل صغير يتقرب في عدة مشاهد تدريجية من الرجل العجوز، وتصبح اللقاءات مجرد حديث بالصورة والكلمات القصيرة عن الانتظار ومدلولاته، هل هو بالفعل انتظار لقطار لن يأتي أم انتظار لموت قد يمر ولا يأخذ الرجل العجوز؟

وفي فلسفة إنسانية عميقة، يقرر الرجل أن يتحول إلى قطار يسير بين القضبان نحو مصير مجهول، تاركاً مقعده وكتابه الأحمر للطفل الذي يأتي ويستغرب هذا الغياب، وينقلب الكادر على مشهد للطفل، وقد كبر وهو يمارس طقوس الرجل العجوز ذاتها، ويأتي بالمقعد ويجلس في المحطة المجهولة، ويخرج من جيبه الكتاب الأحمر، ليبدأ في قراءته انتظاراً للغد أو للقطار الذي لن يأتي، أو للمجهول القادم.

«حظ صغير» أدهش الجمهور

والفيلم الرابع يأتي للمخرجة الإيطالية إيزابيلا سيلفاتي نفسها تحت عنوان «حظ صغير»، ويحكي قصة درامية تمتزج بالكوميديا السوداء في كل فصولها، بداية من مقتل فتاة ليل، ثم لعب القمار علي ناصية في أحد شوارع إيطاليا، وبحث أحد المقامرين عن فلوس يقامر بها، فيجد الجثة ويبحث في محتوياتها عن فلوس يخرجها من صدر فتاة الليل لتصبح مصدراً للتعاسة للبعض ومصدر للسعادة عند الآخر.

وعندما يذهب الرجل ليقامر بها، تأتي الشرطة فتسقط الفلوس في الشارع، وتجرفها مياه الأمطار لرجل آخر يذهب بها لشراء خمر، فيكتشف أن جيبه المثقوب أسقطها، ليجدها رجل آخر كان ينتظر حبيبته، وعندما يضع رجله عليها، وينحني ليأخذها تأتي زوجته لتصفعه على وجهه معلنه اكتشافها خيانته ويصعقه الموقف تاركاً الفلوس والحبيبة.

وتتحرك الفلوس إلى وسط الشارع الذي يراها سائق تاكسي فينزل منه لجلبها فتأتي سيارة من الخلف وتصدم سيارته، فيترك الفلوس ليدخل في عراك مع الشخص الصادم، لتتحرك الفلوس إلى مكان آخر، يجدها طفل فيقوم بطيها وعمل أنف منها يضعه على لعبته الخشبية «بينوكيو» التي يسير بها بجوار جثة فتاة الليل الملقاة على الأرض، رحلة دائرية عجيبة أدهشت المتفرجين الذين صفقوا كثيراً للفيلم.

«عربانة».. جرأة الطرح

العرض الأخير كان لفيلم «عربانة» الذي عرض لأول مرة في مهرجان دبي السينمائي الدولي قسم الأفلام القصيرة في دورته الثالثة، وهو بالفعل صرخة على لسان بطلته الطفلة الصغيرة التي تعيش في دار كبيرة، الكل فيها مشغول وغائب عما يحدث فيه من كارثة، أرادت مخرجته نايلة الخاجة أن تظهرها باللونين الأبيض والأسود كدلالة على ضرورة اتخاذ موقف حاسم «إما أبيض أو أسود«، حتى يتم لفت الانتباه للأسر التي تستخدم عمالة أجنبية في بيوتها، ولا تترك «البنزين» بجوار النار، فتتعرض بناتها الصغيرات لهتك العرض، مقابل مصاصة تعبر عن عدم إدراك البنت لما حدث لها، الفيلم رغم رسالته القصيرة في دقائق أزعج الجمهور وفاجأهم لجرأة المطروح فيه.

بعد نهاية العروض، دارت حلقة نقاش شارك فيها الجمهور الذي لم يكتف بالأفلام، وبدأ في طرح تساؤلات عن كل صغيرة وكبيرة للمخرجات المبدعات التي عكست إجاباتهم فرحتهم بمستوى ثقافة جمهور نادي المشهد، الذي وعد باستضافات أخرى من دول مختلفة، رغم الأعباء المالية التي يتكلفها من تذاكر سفر وإقامة وتجهيز أماكن عرض لائقة بالضيوف والمشاهدين.

دور المحطات التلفزيونية

الأفلام القصيرة في إيطاليا يتم دعمها من قبل وزارة الثقافة هناك، هذا ما أكدته المخرجة الإيطالية إيزابيلا سيلفاتي، مركزة على دور المحطات التلفزيونية في شراء وعرض هذه الأفلام حتى تضمن لها مسألة الرواج والاستمرارية.

مكانة متميزة عالمياً

عبرت الإيرانية مريم قرباني أن السينما في بلدها لا تقف أمام أي قيود، وبعضها يتم صنعه خارج إيران، تماما كما حدث مع فيلمها الذي صورته في كندا، وأشارت إلى أن المرأة المخرجة في إيران استطاعت أن تحتل مكانة متميزة على خريطة السينما العالمية.

دبي ـ أسامة عسل