بات التضخم عنوان الساعة. وقد طال ارتفاع الأسعار مختلف الجوانب المعيشية. من جهة أخرى، ساهمت الأزمة المالية التي عصفت بالاقتصاد الأميركي وهبطت بعملته في تعالي الأصوات المطالبة بفك ارتباط الدرهم بالدولار على مستوى الدولة. وتباينت الآراء حول التأثير الحقيقي للتضخم على نشاطات اقتصادية متعددة، من بينها أداء المحافظ الاستثمارية في البنوك وتحديدا العقارية منها، كون الشائع أن العقار يظل بمنأى عن التأثر السلبي في وقت الأزمات الشبيهة.
وتحدث مسؤولون في بنوك وطنية ومؤسسات مالية، هي مصرف الشارقة الإسلامي، بنك الإمارات الإسلامي، بنك المشرق ومعهد الإمارات للدراسات المصرفية والمالية، ل«البيان الاقتصادي» عن آثار التضخم على القيمة النقدية وأسعار الفائدة، كما وقد أجمعت الآراء على أن المحافظ العقارية بمنأى عن التأثر السلبي على عكس المحافظ الأخرى. ومن جهة أخرى اجمع المستطلعون على أن أداء المحافظ في العام الماضي كان ممتازاً على غير المتوقع وأعربوا عن توقعات بتحسن أفضل في الاقتصاد العالمي والدولار في الفترة المقبلة.
سندات وأصول
ويلعب توزيع الأصول دورا هاما في تأثيرات التضخم على المحافظ الاستثمارية، بحسب رضا جمعة مدير محافظ أوراق مالية ببنك المشرق، والذي أشار إلى أن «المحافظ التي تتكون من سندات يكون تأثير التضخم على أسعار القيمة الصافية التابعة لها سلبيا»، ويسترسل موضحا أن ارتفاع التضخم يجب أن يقابله ارتفاع في أسعار الفائدة مما يؤدي إلى انخفاض أسعار السندات وبالتالي انخفاض القيمة الصافية للأصول.
وفى ظل الظروف الاقتصادية غير المواتية في الولايات المتحدة الأميركية نتيجة انخفاض الطلب، تعمد السلطات النقدية إلى تخفيض أسعار الفائدة لتشجيع الاستثمار ومن ثم تحفيز الطلب النهائي، ونتيجة لارتباط عملات معظم دول الخليج بالدولار فإن السلطات النقدية في تلك الدول تضطر أيضا لتخفيض أسعار الفائدة بالرغم من اختلاف الظروف الاقتصادية فيها عما هو في الولايات المتحدة الأميركية، وبالتالي يؤدي ذلك إلى مزيد من التضخم في دول الخليج.
من جانب آخر نوه إرحمة الشامسي نائب مساعد الرئيس بإدارة الأصول بمصرف الشارقة الإسلامي إلى أن التضخم أثر وبشكل إيجابي في حجم الاستثمارات في المحافظ الاستثمارية على شريحة الأفراد وذلك بازدياد عمليات الصرف على الخدمات الحياتية والأمور الحيوية سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات، هذا بدوره أثر على قطاعات العمل المختلفة التي من بينها قطاع المحافظ الاستثمارية.
ومن جهة أخرى أكد الخبير جمال الجسمي المدير العام لمعهد الإمارات للدراسات المصرفية والمالية على ان التضخم له تأثير إيجابي على المحافظ الاستثمارية بشكل عام، لان جمهور المستثمرين يرون في الاستثمار الوسيلة الأفضل للحفاظ على القيمة الحقيقة للنقود مع فرص العائد.
وأوضح فيصل عقيل مدير الخدمات المصرفية للأفراد ببنك الإمارات الإسلامي أن تأثير التضخم على المحافظ الاستثمارية يتوقف بشكل كبير على مدير المحفظة، فالمدير الناجح هو الذي يعيد تشكيل المحفظة أو يتوقع التغيرات في السوق مما يحقق له في النهاية أعلى عوائد على الاستثمارات.
وأكد أن المحافظ الاستثمارية تمثل جزءا مهما من تفكير المستثمرين في المجتمع، فالاستثمار في محفظة يختلف تماما عن شراء أسهم في شركة ما.
استمرارية واستقرار
وفي الوقت الراهن يشير عقيل على أن التضخم أثر وبشكل لافت على القيمة الشرائية للنقدي واعتبر أن الفترة السابقة ناجحة بالنسبة للمحفظة العقارية.
حيث أنها مستقرة بفائض نقدي قدره 14% وذلك نتيجة لاستمرار التدفق النقدي القوي من المستثمرين وإيرادات الإيجارات الفعالة وضح أن تأثير المحافظ العقارية لا يختلف كثيرا عن تأثيره على المحافظ الأخرى، بمعني انه إذا ما أحس المستثمرين بأن هناك حالة من التضخم في سوق معينة فمن الطبيعي أن لا يستثمروا في هذا السوق.
ولكن الإدارة الجيدة للمحفظة العقارية قد تقلل من الأثر السلبي، وقال: نحن ولتنويع استثماراتنا في القطاع العقاري، لدينا أكثر من محفظة عقارية داخل وخارج الدولة.
وبشكل عام في أوقات التضخم يكون العقار أفضل استثمار حيث إن العائد عليه يكون أعلى من مستوى التضخم.
وبحسب البيانات الصادرة عن البنك المركزي لعام 2007 يرى رضا أن التضخم له الأثر الايجابي على أداء المحافظ العقارية وارتفع عرض النقود بنسبة 37% مقارنة بعام 2006 وذلك من شأنه أن يزيد الطلب على الأصول الثابتة ومن ضمنها العقار، ومن جانب آخر فان ارتفاع التضخم مصحوبا بانخفاض أسعار الفائدة يعنى أن أسعار الفائدة الحقيقية تتدهور بشكل أكبر لتصبح سالبة وعليه ففي ظل بيئة تضخمية ذات أسعار فائدة سالبة وارتفاع المعروض النقدي، ذلك من شأنه أن يزيد الطلب على العقارات لتفادي انخفاض القيمة الشرائية للنقود.
ويقول الجسمي ان الاستثمار العقاري من أفضل الاستثمارات تأثراً من الناحية الإيجابية وأكثرها تأثراً بالتضخم ولكن عند انخفاض الأسعار أو حالات الركود النسبي لا تتأثر الأسعار بدرجة كبيرة كغيرها من المحافظ الأخرى.
ومن وجه نظر أخرى يرى الشامسي أن التضخم لعب دورا أساسيا في قطاع العقارات الذي ارتفعت عوائده بشكل واضح، الأمر ذاته انعكس إيجابيا على عوائد المحافظ الاستثمارية العقارية التي حققت أرباح متميزة بفضل هذا الارتفاع. وهذا بدوره أدى إلى عودة رؤوس الأموال وزيادة في الاستثمار في المحافظ العقارية.
تذبذب مرحلي
من خلال الدراسات يشير الجسمي أن أداء العام الماضي كان ممتازا لعوامل دولية ومحلية أساسها إعادة تقييم الاستثمارات المحلية والعالمية في ضوء المخاطر والفرص المتاحة مما أدى إلى أداء نسبي ممتاز للمحافظ الاستثمارية. وفي ظل ظروف التضخم الحالي استبشر الجسمي على أن التوقعات المستقبلية تشير إلى استمرار موجة الارتفاع والأرباح الاستثمارية، ولكن مع وجود بعض التذبذب المرحلي نتيجة المخاوف وعدم الخبرة الكافية لتحديد المخاطر فإن الاتجاه العام يؤشر إلى الارتفاع ولكن ليس بنفس النسبة في العام الماضي.
وفي الوقت الراهن يجد جمعة أن معظم المحافظ الاستثمارية في منطقة الخليج بشكل عام ودولة الإمارات بشكل خاص أظهرت أداءً ايجابيا مرتفعا في 2007 تراوح بين 40% إلى 60% زيادة في القيمة الصافية للأصول.
ورأى أن من أهم العوامل الرئيسية لهذا الارتفاع هو إقبال المستثمر الأجنبي على الاستثمار في منطقة الخليج، بالإضافة إلى توقعات نمو أرباح الشركات أعلى من مثيلاتها في الدول الناشئة من جانب آخر. وبحسب توقعاته فإنه يرى أن أداء الصناديق الاستثمارية في منطقة الخليج وفى دولة الإمارات بشكل خاص هي توقعات ايجابية، إذ تتراوح نسب نموها بين 15% إلى 25% لعام 2008.
أما الشامسي فيعتقد أن عوائد المحافظ الاستثمارية حققت أكثر من ما كان متوقعا وذلك بسبب النمو الاقتصادي الذي شهدته المنطقة، وكنتيجة طبيعية للتضخم الحاصل والتطور العقاري حققت الشركات والمؤسسات الاستثمارية وشركات الأسهم عوائد متميزة مما انعكس إيجابيا على قطاع الأسهم والأسواق المالية.
ولكن في الوقت الراهن وبسبب الركود الاقتصادي العالمي وبالأخص الاقتصاد الأميركي وهبوط الدولار ألقى هذا الهبوط بظلاله سلبيا على أداء المحافظ على المدى القصير، ولكن على المدى البعيد فهناك توقع بتحسن أفضل في الاقتصاد العالمي والدولار معا مما يبشر بإنعاش إيجابي على نتائج الاقتصاد في المحافظ.
ويؤكد عقيل أن العائد المتوقع يتوقف بشكل كبير على الأداء العام للشركة ومدى نجاحها، لكن عند شراء حصص أو وحدات في صناديق استثمارية فان العائد يكون معتمدا على أداء جميع الوحدات داخل هذا الصندوق. بمعنى انه إذا كان أداء إحدى الوحدات داخل الصندوق غير جيد فالوحدات الأخرى ستعوضه.
وأضاف ان التطلعات المستقبلية للمحافظ العقارية لبنك الإمارات الإسلامي تتمحور على الاستمرار في تقديم عوائد جذابة للمستثمرين من خلال زيادة الدخل ورأس المال وتقدير الحاجة على المدى القصير لتخفيض وضع النقد من خلال سلسلة متلاحقة وسريعة من الاستثمارات. وبشكل عام توقع المزيد من الفرص في السوق. وكما توقع أن يكون هناك في الفترة المقبلة ارتفاع في أسعار الأراضي مما يؤثر بشكل ايجابي على أداء المحفظة العقارية.
العبرة في التنويع
يساهم ابتكار المحفظة الاستثمارية المتنوعة بتوفير المزيد من الفرص للعملاء لتعزيز عائداتهم بالنسبة للودائع الثابتة وحسابات التوفير من جهة، وتقليل المخاطر إلى الحد الأدنى من جهة أخرى. كما ينبغي أن يكون التفوق على معدلات التضخم على المدى الطويل أحد الأهداف الرئيسية من وراء التنويع الصحيح للمحفظة الاستثمارية.
ونظراً للحالة التي تشهدها الأسواق مؤخراً، فان التقلبات التي تشهدها عدة فئات من الأصول يمكن أن تسبب بأداء أدنى من مستوى التضخم للعديد من الاستثمارات على المدى القصير، وينبغي على المحفظة الاستثمارية أن تأخذ في عين الاعتبار المخاطر، والعائدات المتوقعة ومدة الاحتفاظ بالاستثمار.
كما يمكن أن تكون التوقعات بتحقيق عوائد مبالغ فيها على المدى القصير أثناء تقلبات الأسواق في قطاع الأسهم، والعقارات (في بعض البلدان المختارة)، بالإضافة إلى السلع وعمليات الصرف الأجنبي، بالغة الخطورة.
دبي ـ أبوبكر الشيزاوي