إذا كان الكذب ينجي، فإن الصدق أنجى... قد تكون هذه الحكمة التي سار على نهجها أجدادنا العرب، قد انتهت صلاحيتها في هذا الزمن، الذي أصبح فيه الكذب هو الطريق الأوحد إلى النجاة في نظر البعض، وتحول ما يسمى بـ «ملح الرجال» إلى توابل للحياة برمتها.

كذبة أبريل أو(كذبة نيسان حسب ما يتم تداولها في بلاد الشام) التي يحل موعدها السنوي هذا اليوم، باتت أيضاً مناسبة جديدة من مناسبات الكذب التي يبدو أنها تواصل انتشارها في عالمنا العربي، وتسري فيه سريان النار في الهشيم مع مطلع الشهر الرابع من كل عام، عبر العديد من المقالب الخفيفة الظريفة أحياناً، والثقيلة المزعجة أحياناً أخرى. وفي عالم الفنانين والمشاهير، لاتخرج مناسبة الأول من أبريل عما هو شائع في بقية الأوساط، حيث ثمة العديد من المقالب والكذبات التي تنطلي على المشاهير في حياتهم الخاصة. وربما يحيط الكذب بهذا العالم أكثر من أي وسط آخر، وتحاك فيه المؤامرات والتكتلات، كما أن لوثة الكذب وصلت إلى الأغنيات التي لم توفر كلماتها الحديث عن كذب المحبين الذي يولد جفاء العلاقات بين العشاق. حول موضوع كذبة أبريل التقينا عدداً من الفنانين والإعلاميين من الإماراتيين والمقيمين، وسألناهم عن تجربة الكذب واهتمامهم بهذا اليوم، ومدى ما يتعرضون له من أكاذيب في مهنهم التي تتطلب تواصلاً مع الجمهور الذي لا يقنع بغير الصدق.

فنانون يتجملون * الفنان عادل خميس بدا ممتعضاً جداً من موضوع الكذب بحد ذاته، وهو فوق كل ذلك لا يعترف بـ «كذبة أبريل» على وجه الإطلاق ولا يؤيدها ولا يصدقها، بل انه يعتبرها مناسبة سطحية تدعو إلى تعلم الكذب واستمرائه. ويقول إن موقفا حصل له في يوم كذبة أبريل، وهو خبر غير صحيح يفيد بوفاة احد أصدقائه المقربين جعله ينفر من هذه المناسبة. وفي عالم الفن، يعتبر خميس أن معظم الفنانين يتجملون، وهذا لا يمكن أن نسميه كذباً صريحاً، ومع كل ذلك فهو لا يؤيد الكذب بكل أشكاله، ولو كان بقصد التجمل والظهور بشكل جيد أمام الجمهور. ويسرد الفنان السعودي حديثاً للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تكذب ولو كنت مازحاً»، معتبراً أن هذا الحديث كاف لدحض كل الترهات حول شرعية كذبة أبريل.

كذبة ديانا حداد

* وربما يكون الكلام عن الكذب حديثاً ذا شجون لدى المخرجة الإماراتية نهلة الفهد المعروفة بعلاقتها الوطيدة مع الفنانة ديانا حداد، ولدى انتهائها من تصوير أحدث كليبات الفنانة اللبنانية تحدثت لـ «البيان» عن موقف طريف حصل بينها وبين ديانا، حيث كانتا تخططان للسفر مع بعضهما لعمل ما خارج دولة الإمارات، وحين أخبرت ديانا نهلة بأن موعد السفر قد تقرر في الأول من أبريل لم تصدق المخرجة الإماراتية هذا التاريخ، واعتقدت انه مقلب من مقالب ديانا حداد.

ولم تذهب إلى المطار حتى تأكدت من أن ديانا سبقتها إليه. وتعتقد نهلة أن الفنان مهما كذب على الجمهور، فإنه لايستطيع الاستمرار في الظهور بمظهره الخادع أمامهم، وتقول إن العمل الفني الجيد الذي يصل إلى الناس يجب أن يكون بسيطاً وصادقاً، وهما ميزتان توصلانه بأسرع الطرق إلى الناس.

90 بالمئة

* ويعتبر الفنان العراقي عادل المختار أن الوسط الفني يسوده الكذب بنسبة 90 بالمئة، ويقول ما يظهره الفنانون على وجوههم وفي تصرفاتهم من طيبة وأخلاق حميدة تجد أنه يتناقض بشكل كبير مع دواخلهم، وعليك أن تكتشف في حياتهم اليومية الكثير من المفاجآت غير المتوقعة.

ولا يبدو المختار مهتما كثيرا بيوم الكذب، أو بالحفاظ على فعل مقالب بالآخرين في هذا تاريخ الأول من أبريل، ويقول إن الاهتمام بهذا اليوم قد ذهب إلى غير رجعة، فهو منذ تخرج من معهد الموسيقى لم يعد يهتم بهذه المناسبة.

ورغم مقاطعته الاحتفاء بكذبة أبريل، لا يرى عادل مشكلة في أن يتناول الأشخاص يوم الكذب ببعض من المرح والمقالب الخفيفة، لكنه يعارض بشكل كامل إيذاء الناس ونسج المواقف التي لا يتقبلونها، والتي من الممكن أن تؤثر عليهم سلبياً، وكل ذلك لغاية إثارة الضحك فقط.

لا ينطلي على المشاهد

* دينا شرف مقدمة برنامج «المرأة الخليجية» على شاشة تلفزيون دبي تعود بالذاكرة إلى قصص طريفة عن يوم الأول من أبريل، فهي طالما عانت من مقالب الآخرين لأنها ببساطة لا تذكر هذا التاريخ، وتنسى دوماً انه يتعلق بافتعال أحداث كاذبة، كما انها لا تتذكر كثيراً تفاصيل المقالب التي تتعرض لها.

وبدورها تؤكد دينا على أن الكذب في عالم الفن والإعلام لا ينطلي على المشاهد أو المتلقي، وتقول: «على المذيع أن يتحلى بالصدق ويتسلح بالثقافة الواسعة وبالإلمام بكل تفاصيل المادة التي يقدمها حتى يظهر بصورة صادقة أمام الناس». وتؤكد دينا أن المشاهد ذكي ولا تنطلي عليه خدع المذيع وتلوناته، وتقول: «إذا حاولت أن أمثل على المشاهد فسيكشفني ولن يثق بي مجدداً».

الكذب المبرر

* والكذب مبرر عند الفنانة المغربية فاطمة القرياني المقيمة في دبي طالما انه طريف وظريف ويبعث على السعادة ويولد روح الفكاهة، أما الكذب المزعج والمبالغ فيه، فتعتبره فاطمة أمراً خطيراً قد يسبب صدمة حقيقية، ويتحول بعدها الفرح إلى حزن.

ويبدو أن موضوع كذبة أبريل يثير الضحك لدى المغنية المغربية، فهي لم تتوقف عن إطلاق الضحكات الرنانة بمجرد سماعها بفكرة هذا التحقيق، وللحقيقة فإنها اعترفت انها تلقت مقالب عدة في هذا اليوم ولكن بروح رياضية، ومنها أن أفراد أسرتها أيقظوها في مرة من المرات مدعين أن السماء تمطر في الخارج وهو حدث يحصل نادراً في الإمارات، فكيف إذا كانت الأمطار تهطل أول أبريل؟ فما كان من فاطمة إلا الإسراع من سريرها إلى النافذة، لتكتشف أن الشمس ساطعة والجو دافئ جداً.

* أما المذيع الإماراتي سعود الكعبي مقدم برنامج «الميدان» على شاشة تلفزيون سما دبي، فيؤكد أن لا علاقة له بيوم الكذب من قريب أو بعيد، بل إن أصدقاءه وزملاءه هم الذين يذكرونه بهذا اليوم من خلال المقالب التي يصنعونها ضده، مؤكدا أن الكذب لا يرتبط بمناسبة أول أبريل فقط. وهو يعتقد أن الناس يبالغون في افتعال الكذب في هذا اليوم، ويقول إن هناك من يتصل بك في الأول من أبريل، ويحمل خبر وفاة فلان أم أن حادثاً أصاب فلانا وأدخل على أثره إلى المستشفى.. وكل ذلك لا يعدو عن كونه كذباً أراه غير محمود وغير مبرر.

ويضيف الكعبي بأن المجاملة في عالم الإعلام تكون طاغية، وهذا لا يمكن أن نسميه كذباً، ويوضح بأن المذيع يجب أن يكون محايداً في برامجه التي يقدمها، ولا ينحاز لطرف دون آخر، وهذا لا يعني انه يمثل على الجمهور، حينما لا يصرح برأيه الشخصي بشكل مباشر.

ضحية الكذب

* بدورها تعتبر مذيعة الأخبار على قناة «ام بي سي» علا الفارس أنها ضحية الكذب في الأول من ابريل ففي هذا اليوم تواجه الكثير من المقالب الطريفة، وهي تقول «إن أهم ما في هذا التاريخ هو انه تاريخ ميلاد كل من شقيقي ووالدي». ورغم أنها مذيعة لنشرات الأخبار، تؤكد علا انه من المفيد لمقدم النشرة أن يكون طبيعياً وغير متصنع، وتؤكد انه من الصعب على المشاهد أن يكتشف شخصية مذيع الأخبار الحقيقية، لكن من الأفضل له ألا يكون متفلسفاً، وألا يتظاهر بمعرفة معلومات هي في الحقيقة غائبة عنه.

الصحافة وكذب الفنانين

* العلاقة بين الصحافة بالفنانين يشوبها الكثير من الكذب والتهرب والتجمل، ففي اللقاءات المباشرة التي يجريها الفنانون مع الصحافيين يشعر المشاهد بأن هذا الفنان ملاك بريء هبط من السماء منزها عن كل الأخطاء ومترفعا عن جميع العثرات، وهو شخص مرهف الإحساس يتمنى الخير للجميع، ويأمل أن يعم السلام على الأرض وما إلى ذلك من العبارات الرنانة التي يطلقها الفنانون.. لكن في الواقع فإن الكثير من هؤلاء ينطبق عليهم قول الشاعر: «فإذا تكلم خلت شيئا يحتذى فكلامه شهد وفعله علقم».

ذلك أن تعامل العديد من الفنانين مع الصحافة وتحديدا المكتوبة منها يحمل الكثير من الكذب، وخاصة أن معظم المشاهير لا يلتزمون بمواعيدهم ويخلون بالتزاماتهم، وفي الغالب فإنهم لا يردون على هواتفهم المحمولة بحجة انشغالهم بالتصوير، أو بذريعة عدم رغبتهم في الرد على الأرقام التي لا يعرفونها، رغم أنهم في كل المناسبات يؤكدون على استعدادهم الدائم للتواصل مع الجمهور، ويتلقون بصدر رحب ملاحظاتهم وانتقاداتهم مهما كانت لاذعة.. وهنا سأذكر عدداً من الحوادث التي واجهتها شخصياً عن كذب الفنانين.

* ممثل عربي مقيم في دبي اتصل بي يوماً ليخبرني أنه قادم إلى مكاتب «البيان» لإجراء حوار مع إحدى الزميلات في الزميلة «الصدى»، وقال لي حينها إن بحوزته أخباراً جديدة ليبلغني إياها، وانتظرت قدوم هذا الممثل في هذا اليوم ولم يحضر.

وحين اتصلت بالزميلة التي كانت تود إجراء حوار معه قالت لي انه أكد لها أكثر من مرة انه سيحضر لإجراء الحوار، وفي كل مرة كان يعتذر لأسباب واهية.. في الواقع لم استغرب كذب هذا الفنان، كل ما أثار فضولي اتصاله بي وهو قد قرر عدم الحضور.

* ممثلة عربية أخرى تقيم في دبي وتعمل في المسلسلات الخليجية، اتصلت بها في إحدى المرات لأخبرها أن مجلة ما تبحث عن فنانة تضعها على صدر الغلاف، وقد رشحت اسمك لهذا الغرض، فشكرتني وأبدت استعداداً للظهور على صفحات المجلة.

لكني أكدت لها أن الموضوع لا ينتظر التأجيل وهم يريدون منك الحوار والصور خلال يومين، فقالت لا مشكلة في ذلك سأتصل بك حالما أنتهي من التصوير، وبعد ساعات مرت ولم تتصل بعثت لها رسالة تذكير، ولم تتصل ثم عاودت الاتصال بها مرات عدة وفي أوقات مختلفة وعلى مدى يومين، ولا إجابة ولا حتى اعتذار.

* ممثل عربي قدم إلى دبي كضيف على مهرجان دبي السينمائي، شاهدته في اليوم الأول من المهرجان، وطلبت منه إجراء حوار، وعندها تذرع بالتعب والإعياء، وأعطاني رقم هاتفه النقال لنحدد موعدا لاحقا. وفعلا اتصلت به بعد يومين فقال لي أنا أشاهد فيلماً الآن عندما افرغ منه سأتصل بك.

ومضت الأيام ولم يتصل الفنان وصادف أن شاهدته في حفل توزيع الجوائز، وكان قد عرف أهمية التغطية الصحافية أيام المهرجان، فبادرني بالسؤال:«لماذا لم تعاود الاتصال بي لإجراء حوار؟ » فأجبته: «ظننت أن الفيلم الذي كنت تشاهده لم ينته بعد؟!».

أغنيات عن الكذب

لما كان الكذب ملح الفنانين، كما تبين آراء البعض، فإن أغنيات كثيرة تناولت الكذب منها «لا تكذبي» و«حلو وكداب» لعبد الحليم حافظ، و«كداب مغرور» لمحمد فؤاد و«كداب كبير» لميسم نحاس، وأخيراً «لو ما بتكذب» لنجوى كرم.

كما أن لعادل المختار أغنية بعنوان «كذابة» وهو يقول عنها إنها أغنية كانت معدة للحديث عن الرجل، لكنه والشاعر كريم العراقي قررا تحويلها لكي تتناول الأنثى كنوع من التغيير، بما أن موضوع الكذب دائما ما يطبق على الرجال. وتتذكر نهلة الفهد أيضا أغنية عن الكذب كانت قد أصدرتها ديانا حداد في شريطها الأخير وتقول كلماتها: «حلف لي مية يمين مش حيخون السنين، خلص الغرام بيومين أتاري كداب كبير».

أما المذيع سعود الكعبي فلديه موهبة شعرية واضحة وقد نظم بيتين عن الصدق والكذب يقول فيهما: «الناس نادر تلتقي بصادق الناس، وأنا عشقتك دونما حيلة وبد، لكن قيلت دامها الناس أجناس، كلن بساسه ما بها حد عن حد».

دبي ـ نائل العالم