في شخصية الفنان الراحل أحمد زكي ازدواجية محيرة، فقد كانت لديه قدرة على التقمص الانفعالي وقدرة أكبر على قراءة انفعال الآخر، فهو يجيد التعايش المطلق مع الشخصيات المكتوبة على الورق حتى تتحول إلى لحم ودم يتفاعل معها الجمهور.

وهذا المخزون الفني يعود لوجود شخصيتين بداخله، أحمد زكي الإنسان وأحمد زكي الفنان، فالأول كان يقابل ويتفاعل مع أنماط عديدة على كل لون وشكل في الحياة ويلتقط من خلال قربه لها الملامح الرئيسية الخاصة بها من صفات وسمات ومكونات نفسية إلى أن تكتمل الصورة فيعطي كافة التفاصيل والمعلومات الدقيقة لأحمد زكي الفنان، فيبدأ في غربلة كل هذه النماذج واختزالها ويستعيدها عندما يحتاج إليها.وأحمد زكي شلال من الموهبة ونموذج رائع في الاهتمام بالتفاصيل، فهو الكوافير في «موعد على العشاء»، والمحامي في «ضد الحكومة»، عسكري الأمن المركزي في «البريء»، ضابط أمن الدولة في «زوجة رجل مهم»، خريج الملجأ في «أحلام هند وكاميليا»، مدرس الفلسفة والدجال في «البيضة والحجر»، الصعيدي المتمرد في «الهروب»، والبواب في «البيه البواب».

وإذا كانت الواقعية هي المدرسة التي يمكن أن تصنف المخرجين بها، فإن أحمد زكي هو الفنان الوحيد الذي يمكن أن تنسبه إليها، كما نستطيع أن نطلق عليه ملك الكوميديا خلال الثلاثين عاماً الأخيرة. الكوميديا لدى أحمد زكي مرتبطة بتعريف الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون للضحك «إن أهم ما يجب أن يلفت نظرنا في عنصر إثارة الضحك هو أن هذا العنصر يجب أن يكون إنسانياً» أي انه لا يضحكنا سوى الإنسان والإنسان فقط .وهذا ما فعله زكي من خلال شخصيات أفلامه المتنوعة والعديدة بالإضافة إلى15 شخصية في مسلسله الشهير مع الراحلة سعاد حسني «هو وهي» فكانت مقدرته في انتزاع الضحكات من قمة المعاناة والألم، فحقق الهدف الأساسي للكوميديا وهو الترفيه عن النفس وسط كل ما نعانيه من ألم أو قهر نفسي أو اجتماعي، الذي عبر به عن حالته الاجتماعية والنفسية فأصبح الممثل الحالة، الذي قلما تكرر أو كان له شبيه.

أحمد زكي المولود بعد عدة أشهر من النكبة السياسية للوطن العربي، والتي تمثلت في حرب فلسطين والمولود يتيماً وأدركته ثورة يوليو طفلاً لم يتجاوز الثلاث سنوات، وباغتته هزيمة الخامس من يونيو صبياً حتى تخرج من معهد الفنون المسرحية عام 1973 متزامناً مع نصر عسكري جعل من واقعه إنساناً وصل إلى حد السخرية، ممثلاً بذلك المصري ابن البلد الذي يستنكر واقعه ويتكيف معه بإطلاق نكتة ضاحكة أو إفيه ساخراً يصبح متداولاً فيما بعد بيننا على المقاهي وداخل البيوت.

أنسنة الكوميديا

اتجه أحمد زكي إلى «أنسنة الكوميديا» وتطبيق فلسفته الخاصة بتحويل الكوميديا إلى شخص يشعر ويحس ويتألم ويضحك، فيجعلنا نفكر قبل أن نضحك ويتماس هذا مع المشهد الهزلي ـ التراجيدي بالأساس ـ الذي قدمه أحمد في أول ظهور له في مسرحية «هاللو شلبي» بتقديم مسرحية هزلية تتكرر مشاهدها في فصولها الثلاثة وأيضاً بتقليده محمود المليجي في مشهد لا يتعدى عشر دقائق بعد أن كان من غير المطروح تقديمه لهذا المشهد ضمن أحداث المسرحية.

لكن الفنان عبدالمنعم مدبولي كان له رأي آخر بعد أن رأى أحمد زكي في كواليس المسرحية يقلد بعض الفنانين فعرض عليه أن يقدم فقرة هي عبارة عن هذا الجرسون الأسمر المائل للسواد أجعد الشعر الذي يعمل في لوكاندة بها مجموعة من الممثلين ويحاول الحصول على فرصة لأن يصبح ممثلاً ويأتي هذا ضمن أحداث المسرحية تزامناً مع بداية مشواره الفني لينتزع الضحكات من المتلقي إلى حد الدموع وليبدأ مشواره الفني.

لم يكن أحمد زكي في دوره المأساوي في مسرحية «مدرسة المشاغبين» إلا ولداً فقيراً لا يجد قوت يومه يرتدي الملابس الزائدة من الناظر الذي يفضحه بعد ذلك، الولد الطيب الذي يجيب عن أسئلة المعلمة وفي النهاية ينفجر في الناظر الذي يمثل سلوكيات مرفوضة من المجتمع.

ولم يكن أحمد زكي في كل ذلك يسعى إلى نزع الضحكات، فالدور مأساوي تماماً كما تذكرون لكنه كان ينتزعها بالفعل بطريقته الخاصة التي بنى عليها تراثه في الكوميديا الذي تركه لنا، وإذا اعتبرنا دوره في «البيه البواب» عبدالسميع الصعيدي يدخل في إطار السخرية من التركيبات الاجتماعية، فإن الضحك الذي كان يملأ قاعات السينما التي تعرض الفيلم لم يكن على شخصية البواب (كاركتر الصعيدي الغبي) وإنما على الموقف الذي عالجه بخفة دمه فأضاف للشخصية وسخر من طموحها، وجعلنا نردد معه «يوم الخميس كان بكره يبقى التلات كان إيه».

ابن الواقع

عمد «زكي» إلى نزع الكوميديا من تفاصيل الشخصيات التي يقدمها، فشخصيته في مسرحية «العيال كبرت» تكاد تكون الشخصية الجادة الوحيدة في المسرحية التي تصنف على أنها كوميديا، فهو الشاب الجامعي الجاد الذي يصبح فجأة مسؤولاً عن إنقاذ أسرته من التفكك بسبب نزوة الأب.

فيحاول وضع الخطط التي تنجم عنها مواقف بينه وبين إخوته في المسرحية «سعيد صالح ويونس شلبي» يستطيع أن ينتزع بها الضحكات من الجمهور، بينما اعتمد الآخرون في نفس المسرحية على إطلاق الإفيهات والنكات في إضحاك الجمهور.

ليؤكد بذلك على فلسفته التي وضعها منذ بداية مشواره الفني، متزامنة مع فلسفته الخاصة ومعالجته لأمور حياته بسخرية شديدة والنابعة من تمثيله لجيل الواقعية في الفن بصفة عامة وفي السينما بصفة خاصة، لأنه ابن الواقع الذي جعل مشروعه الخاص «الممثل» يتعامد مع مشروعة العام «الإنسان» .

ويجعل اختياراته لشخوصه انعكاساً شرطياً لموقفه من الواقع أو موقف الواقع منه، فكان المشهد الافتتاحي لمشوار أحمد زكي مسرحياً كوميدياً وأراد أن يوطد علاقته بالهزل بتجربته مع المخرج أحمد فؤاد في فيلم «الاحتياط واجب» وهو صاحب النصيب الأكبر من الهزليات في السينما المصرية والتي أضافت لأحمد زكي أو هو الذي أضاف إليها (التجربة) ملمحاَ خاصاً للأداء الكوميدي.

استطاع أحمد زكي أن يقوم بدور «أنور عبدالمولى» الموظف المطحون القادم من الأقصر إلى القاهرة ويتورط في مهمة رسمية يخرج لنا منه بأداء مختلف في فيلم «أربعة في مهمة رسمية» لنكتشف قدرته في نحت شخصياته واكتشاف قدرته على التعامل مع ثلاث حيوانات تشاركه البطولة في الفيلم.

والتي من المؤكد لم تقم بتنفيذ كل ما هو مكتوب في ورق السيناريو أو حتى خضعت لأوامر المخرج الذي ترك المهمة لأحمد زكي الذي تحمل مسؤولية فيلم تشارك الحيوانات في بطولته للمرة الأولى في تاريخ السينما المصرية، واستطاع أحمد أن ينتزع منا الضحكات من خلال مواقفه وردود فعله وتصرفاته ـ غير المكتوبة ـ مع الحيوانات وليست مواقف أو شخصية أنور عبدالمولى هي السبب في تذكرنا للفيلم بل أحمد زكي هو الذي ترك أثراً في الشخصية التي قام بتجسيدها في الفيلم.

ولم يكن يستطع أي ممثل آخر حتى لو كان كوميدياناً التعامل مع الحيوانات بنفس الطريقة التي تعامل بل وتآلف بها أحمد دون الإخلال بما هو مكتوب في السيناريو ويخص شخصية أنور عبدالمولى الذي يشبه الكثيرين من المهمشين بل ويشبه أحمد زكي نفسه في أحلامه التي تملأه ويريد أن يخرج بها إلى دائرة النور فخرج بالشخصية إلى بؤرة المشهد رغم عناد الكاميرا التي كانت تريد التركيز على الحيوانات كتجربة جديدة في السينما المصرية.

لا تفوتني أيضاً شخصية «الصحافي» في امرأة واحدة لا تكفي وتناوله الساخر لتلك الشخصية التي تعكس فلسفته في الحياة والتي تؤكد عدم اكتفائه بامرأة واحدة وهذا يجعلني أؤكد على اختيار أحمد زكي لشخوصه التي تنعكس بشكل شرطي لموقفه من الحياة واستطاع أن ينتزع ضحكاتنا علي بطل الفيلم، رغم أن الفيلم اجتماعي بحت ولا يصنف كوميديا.

البيضة والحجر

ومنه إلى «المدرس» الذي ساقته الظروف لأن يسكن في حجرة الشيخ سباغ المعروف عنه بركاته وسط طبقات المجتمع الراقي وكان يعاني من الفقر الشديد وسوء الحظ ويتعرض للنصب فيتحول إلى النصب، ويبدأ في اللعب بالبيضة والحجر في فيلم يحمل نفس الاسم ويضيف أحمد زكي لهذه الشخصية تفاصيل جديدة لم نرها من قبل في شخصية الدجال المحترف.

فإذا به دجال يلبس البدلة ويقوم بفرد شعرة الأجعد ليتناسب مع مستواه الاجتماعي الجديد ويلبس السبح والتعاويذ على البذلة البيضاء، ونضحك معه من المواقف التي يصطدم بها مع مشكلات نساء الطبقة الراقية ومعالجته لتلك المشكلات ولم تفته طريقة كلام هذه الشخصية قبل أن تتحول إلى الدجل وبعد أن تحولت إليه وبعد أن كانت تعلم الأجيال. إن مضمون هذه الشخصية يعكس معاناة وفشل الطبقة الوسطى في وقت من الأوقات لكننا ضحكنا عليها من شدة إحساسنا بمعاناتها.

بالفعل أحمد زكي يعتبر مدرسة في فن التمثيل، فعبقرية الأداء لدية هي التي تملك مفردات سر الضاحك أحياناً الباكي أحياناً والساخر دائماً وكيف يفعل هذا بنا عندما نشاهده مرتدياً جلباب إحدى شخصياته. أيضا عمد زكي إلى نزع الكوميديا من تفاصيل شخصية «حسن هدهد» في كابوريا ذلك الفقير العاطل باستهتاره وعفويته وبتسريحة شعره الغريبة والتي قلده فيها الشباب وسميت بنفس اسم الفيلم وأيضاً صعلكته.

جعلنا نضحك في ظل بحثه عن المال بأي طريقة حتى لو قام بالمتاجرة برياضته المحببة إليه والتي يمارسها ـ رياضة الملاكمة ـ حتى يجلب المال هي قمة البؤس ووصول الإنسان إلى محطة اليأس الأخيرة حيث يقرر أن يبيع أحلامه بها.

و كل شخصية كوميدية لدى أحمد زكي لها أدواتها وشكلها الخاص الذي يرسم به «بورتريه» لها في أذهاننا لا ننساه حتى طريقة مشيته كان يتحكم فيها حتى يرينا عمق الشخصية ولكن دون استغلال الشكل الغريب أو المشية في انتزاع ضحكة، وأود هنا أن أشير إلى أن زكي قدم في فيلمه الجميل «مستر كاراتيه» شخصية السايس البسيط الأعرج الذي أضحكنا معه كثيراً ولكن دون أن يسعى هو لذلك لأنه اعتمد على كوميديا الإنسان فمن قمة التراجيديا التي تملأ هذه الشخصية إلى قمة الضحك دون استخدام إفيهات فجة لا داعي لها.

ومسرحية ترويض النمرة لشكسبير والتراجيديا بمفهومها المسرحي العالمي وقمة التناقضات قام أحمد زكي بدور «عباس» ببشرته السمراء وشعر رأسه المجعد بمواجهة عصمت أو رغدة الشقراء الجميلة الثرية والمسترجلة في «استاكوزا» وشاهدنا رؤية عربية لنفس العمل من قبل في فيلم لـ «رشدي أباظة ولبنى عبدالعزيز» الذي لم يكن بينهما تناقض في الشكل أو المضمون .

لكننا لم نشعر أننا شاهدنا نفس القصة من قبل في السينما المصرية والسبب أحمد زكي أو بمعنى أصح روح أحمد زكي التي أضافت لعباس الكثير الذي يقوم بدور المروض هنا بعيداً عن أي أداء تمثيلي قام به، واستطاع أن يطلق من حناجرنا ضحكات وصلت إلى حد الصخب في تفاصيل لا يمتلكها.

إلا الممثل أحمد زكي الذي يرسم لنا على وجهه انفعالات مركبة بين الذهول والذعر الذي قد يصل إلى حد البكاء لكننا نضحك على الموقف ذاته من خلال معركة تشابك بالأيدي والأرجل بينه وبين رغدة وما يدور بينهما من مواقف حتى انتهاء الفيلم ونجد أن عباس في استاكوزا يحاول أن يكمل مفهوم الضحك لدى أحمد زكي ويعتبر فصلاً ضمن كتاب يشرح فلسفته واختياره لشخصياته ووجوهه.

البكاء المر

المشهد الختامي لأحمد زكي ينتقل بنا من قمة الكوميديا التلقائية إلى قمة التراجيديا، حيث قرر أن يموت في أقسى أدواره على جمهوره، ولأول مرة حولهم من الضحك إلى البكاء المر، وشيئاً فشيئاً يتحول هذا المشهد إلى ذكرى ولم تبق سوى أعماله الجميلة ومشاهده الضاحكة وأدواره التي نشاهدها ونضحك ونتذكرها مع أصدقائنا بعد أن أصابتنا حالة هستيرية من البحث عنه، لنجد أنفسنا نردد معه عندما غنى في «هستيريا»

«إن ما قدرتش تضحك ما تدمعش ولا تبكيش وإن ما فضلش معاك غير قلبك أوعى تخاف مش هتموت هتعيش».

اضحك الصورة تطلع حلوة

استطاع أحمد أن يرسم على وجوهنا ابتسامة في فيلم «أيام السادات» فكان بمثابة حالة خاصة جداً تحاول أن تمسك بابتسامة هاربة من الشاشة السحرية لتلتصق بشفاهنا ونحن نشاهده يشخص الرئيس الراحل أنور السادات في طريقة كلامه التي تنتمي إلى دلتا مصر في مكره وفي شفته الملتوية من أثر البايب، ليتركنا نتساءل كيف استطاع أن يفعل ذلك.

وانتهت فواصل أحمد الكوميدية ولكن لم تنته دعوته للضحك فقدم لنا «اضحك الصورة تطلع حلوة» وشخصية سيد غريب التي اعتبرها من أكثر شخصياته فلسفة، هي لأب يعد الأجيال الثلاثة ضمن أسرة واحدة تمثل الطبقة الشعبية التي تحاول صنع مستقبل أفضل لأولادها عن طريق التعليم، فيظهر سيد غريب في بداية تتر الفيلم في الأستوديو الذي يملكه حيث يعمل مصوراً فوتوغرافياً وفي لقطات مرحة نجد سيد أو أحمد يحاول أن يصفف شعر أحد الزبائن ويحاول إضحاكه، لا، بل يجعله يضحك بالفعل في المرآة .

ومن ثم أمام عدسته ليرسم لنا البعد الجوهري للشخصية التي تعمل على أن تبدو صورة الآخرين أجمل ما يكون وبين الكثير من المشاهد التراجيدية في هذا الفيلم ينتزع منا أحمد زكي الضحكات فعندما يذهب ليلة زفاف حبيب ابنته حتى يهدم هذا الزفاف حزناً على ابنته المجروحة والمقهورة اجتماعياً بسبب الفروق الطبقية بين ابنته وبين زميلها في الدراسة وحبيبها وعند محاولة إلقائه في حمام السباحة وسط هذا المشهد التراجيدي المؤلم نجد أنفسنا نضحك بسبب تعبيرات وإشارات صدرت عن أحمد زكي.

دبي ـ أسامة عسل