تتحرك التدفقات الاستثمارية العقارية على طول طريق الحرير الجديد الواصل بين المنطقتين الآسيوية والخليجية من الاتجاهين، بالنظر إلى النمو العقاري الضخم الذي تشهده هاتان المنطقتان، فبقدر توظيف المستثمرين من الشرق الأوسط وبصفة خاصة الشركات الإماراتية الساعية إلى اقتناء الأصول في قطاع العقارات، قدرا كبيرا من الأموال في الأسواق الآسيوية وخاصة الصين، فإنه وبالقدر ذاته، يتطلع المستثمرون الآسيويون إلى الاستفادة من الفرص التي تتيحها الطفرة العقارية التي تشهدها دول مجلس التعاون الخليجي.

وتتجه الشركات العقارية الإماراتية إلى الاستثمار في الصين في ظل النمو الاقتصادي المتسارع الذي تعيشه، يشجعها على ذلك التشريعات الاقتصادية الجديدة التي خرجت للسطح في الصين والتي أصبحت تفتح أبوابها أمام الاستثمارات الأجنبية المباشرة إليها.

وبحسب التقرير الذي نشرته مؤخرا وكالة رويترز، شملت الصفقات التي انخرطت فيها مؤسسات استثمارية خليجية، توقيع شركة إعمار العقارية ومؤسسة بالي للتطوير السياحي في إندونيسيا على اتفاقية لتطوير مشروع لامبوك الممتد على مساحة 1175 هكتارا بهدف تكوين مجمع سكني ومنتجع سياحي متكامل ينسجم مع أفخم أنماط الحياة العصرية، وتبلغ تكلفة المشروع 2, 2 مليار درهم.

خلال الزيارة التاريخية التي قام بها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي ـ إلى الهند. ومن بين عشرات الاتفاقات التي تم توقيعها أثناء هذه الرحلة، كان هناك اتفاق بخصوص مشروع عقاري قيمته 20 مليار دولار لإنشاء ثلاث مدن سكنية متكاملة على مساحة 40 ألف فدان في ولاية «ماهارا شاترا».

وتنخرط شركة إعمار أم جي اف، وهي شركة مشتركة بين إعمار للعقارات وشركة أم جي اف الهندية للتطوير في برنامج بكلفة 12 مليار دولار عبر الهند يشتمل على مناطق اقتصادية خاصة ومستشفيات ومجمعات سكنية وفنادق وأسواق تجارية كبرى.

وتنسجم خطط «إعمار» للتوسع الإقليمي مع رؤية الشركة للعام 2010 في أن تصبح واحدة من أكبر الشركات قيمة على مستوى العالم، وتستمر في العمل بهذا الاتجاه من خلال اتباع سياسة التوسع الجغرافي وتنويع قطاعات الأعمال. وتمتلك الشركة حضوراً قوياً في آسيا، وكانت قد افتتحت مؤخراً أولى مدارسها الدولية في سنغافورة، «مدرسة إعمار رافلز الدولية».

وفي السياق ذاته، وقعت اكبر مجموعة عقارية هندية «دي ال اف» عقدا بقيمة 20 مليار دولار يمتد لسنوات عدة مع مجموعة «النخيل» الإماراتية لبناء مدينتين جديدتين في الهند، كما أعلنت شركة «ليمِتلِس» التابعة لشركة دبي العالمية القابضة، التزامها بالتطوير في الشرق الأقصى من خلال المشاركة في سيتيسكيب، معرض العقارات الأوّل في الصين، وتضع شركة ليمِتلِس الصين نصبَ عينيها كسوق إستراتيجية للمرحلة القادمة، وأعلنت التزامها بالتطوير في الشرق الأقصى من خلال المشاركة في سيتي سكيب، معرض العقارات الأوّل في الصين.

وتضع شركة ليمِتلِس التي يقع مركزها في دبي الصين نصبَ عينيها كسوق إستراتيجية للمرحلة المقبلة، وستعرض مشاريعَها الحالية في المعرض الذي سيجري في إنتيكس في شانغهاي بين 24 و26 مايو، ومن بينها مشروعها التطويري الأهمّ وسط المدينة جبل علي. كما ستستعين ليمِتلِس، التي يشمل نطاق عملها وضع خطط رئيسية لمجتمعات حضرية مستدامة ومميّزة وتصميمها وتطويرها، بمعرض سيتي سكيب لتزيد المعرفة حول اسمها ولتخلق فرص أعمال جديدة في الصين. وقال مارك جاريد، مدير تطوير الأعمال ليمِتلِس في الصين:»بحجز منصّة لنا في سيتي سكيب سوف يعزّز جهدنا في تكوين علاقة استراتيجية بين دبي والصين.

وفي يوليو من العام الماضي، أعلنت شركة استثمار إنها ربما تدرس إطلاق متاجر بارنيز نيويورك في الصين والشرق الأوسط إذا استكملت اتفاقاً لشراء سلسلة متاجر السلع الكمالية من مجموعة جونز اباريل. استثمار«تسعى لشراء عقارات في آسيا، وفي مارس من العام الجاري أعلن العضو المنتدب في شركة استثمار العقارية في دبي ريتشارد جونسون أن الشركة تجري محادثات لشراء أصول عقارية في آسيا لا تقل قيمتها عن 250 مليون دولار، مشيرا إلى أن الشركة تدرس حالياً عدداً من صفقات الاستحواذ.

ومعظم هذه الصفقات في شمال آسيا وبصفة خاصة في الصين، وتتبع استثمار العقارية الشركة الأم «استثمار» وهي ذراع الاستثمار لحكومة دبي وتقدر قيمة محفظتها العقارية العالمية بما بين سبعة وثمانية مليارات دولارات، وتتركز حوالي نصف هذه الأصول في الولايات المتحدة، وتتوزع النسبة المتبقية على الشرق الأوسط نسبة 20% وفي أوروبا 15%، فيما يوجد حوالي 5% من المحفظة الاستثمارية للشركة في آسيا.

وقد اشترت استثمار حصة 6, 9% في سي.دي.إل هوسبيتالتي تراستس بعد وقت قصير من بيع شركة سيتي دفلوبمنتس السنغافورية الوحدة العقارية في يوليو الماضي. وفي وقت سابق، شاركت استثمار في مشروع مشترك مع أمبورايا ريزورتس التايلاندية لبناء فندق فخم على جزيرة كوه أسموي. وفي ديسمبر الماضي اشترت استثمار حصة 99, 24% في رايمون لاند التايلندية.

وفي السياق ذاته، أطلقت شركة داماك مشروعات في باكستان، كما أعلنت شركة ريف للتمويل العقاري عن خطتها لاستثمار 2 مليار دولار في الأسواق الخارجية خلال السنوات الخمس المقبلة.

التطوير العقاري

وقد أعلنت شركة مبادلة للتنمية عن توقيع عدد من مذكرات التفاهم لبناء أول مدينة عالمية متكاملة ضمن مشروع تطوير منطقة إسكندر بماليزيا، والمعروفة باسم «الملتقى 1» وذلك بالشراكة مع عدد من المستثمرين المرموقين من دول مجلس التعاون خطوة هامة في الطريق نحو تنفيذ هذا المشروع، وتبلغ مساحة المنطقة التي ستقوم مبادلة وبالتعاون مع شركة الدار للتطوير العقاري التي ستلعب دور المطور الرئيسي للمشروع بتطويرها وتنميتها نحو عشرة ملايين متر مربع بتكلفة استثمارية تصل إلى أكثر من عشرة مليارات دولار على مدار عشر سنوات مقبلة ويتصف هذا المشروع الهام بكونه أضخم استثمار أجنبي في مجال التطوير العقاري بماليزيا وواحد من أكبر المشاريع العقارية والاستثمارية في المنطقة التي تدخل فيها مبادلة للتنمية بالشراكة والتعاون مع تحالف من عدة شركات عربية كبرى .

وتم من ناحية أخرى التوقيع على اتفاقيات بين مؤسسة جوهور الجنوبية الاستثمارية ممثلة في شركة ريم سيتي التابعة لها وبين أطراف الائتلاف الذي تقوده مبادلة للتنمية والذي يضم بيت التمويل الكويتي وشركة ملينيوم العالمية للتطوير، وبموجب الاتفاقيات سيقوم الائتلاف باستثمار مبلغ يفوق 2 , 1 مليار دولار كتكلفة أولية للأراضي ومرافق البنية التحتية تمهيداً لإقامة ثلاثة مجمعات عقارية.

وهي المجمع الترفيهي والمجمع الثقافي والمنطقة المالية وسوف تتألف المجمعات الثلاثة من تسع مناطق تنفرد كل واحدة منها بتخصص متميز وسوف تقوم الائتلافات الأخرى المتعاقدة مع مؤسسة جوهور الجنوبية الاستثمارية بإقامة مشاريع استثمارية جديدة خلال العشرين سنة القادمة بالاستناد على الاستثمار الأولي البالغ 2, 1 مليار دولار.

الاستثمارات الخليجية العقارية

وتتنبأ شركتا «سي. بي ريتشارد اليس» و«جونز لانج لاسال» العقاريتان بأن تشهد الاستثمارات الخليجية في مجال العقارات الدولية نموا في العام الجاري نسبته 20% لتصل قيمتها 20 مليار دولار، بالمقارنة مع استثمارات عقارية قيمتها 5, 14 مليار دولار في عام 2007 و5, 12 مليار دولار في عام 2006.

وشرح بلير هاجكول العضو المنتدب الإقليمي لشركة «جونز لانج لاسال» في دبي هذا الوضع بقوله: أن اللاعبين في دول مجلس التعاون الخليجي يطورون ويخلقون الثروة في مختلف مناطق العالم، ويتمحور تركيزهم اليوم على أوروبا الوسطي والشرقية، وتبشر شرق آسيا بهوامش أرباح مرتفعة، وسيكتشف العالم في العام الجاري الأهمية العالمية للمستثمرين الخليجيين، كما سيكتشف الأهمية الكبيرة لقطاع العقارات في دول مجلس التعاون الخليجي.

وقد اشترى مستثمرو الشرق الأوسط في العام الماضي ـ بحسب تقديرات شركة جونز لانج لاسال ـ عقارات تجارية في منطقة شرق آسيا قيمتها 300 مليون دولار، ومن المتوقع أن ترتفع هذه الاستثمارات في العام الجاري عن المستويات التي سجلتها في عام 2006، وذلك نتيجة للتوسع العمراني والعقاري في كل من الهند والصين.

ويستبعد هذا الرقم الاستثمارات العربية التي يتم إداراتها من الولايات المتحدة وأوروبا. ويشكل هذا الرقم حصة زهيدة من إجمالي الاستثمارات الخليجية في مجال العقارات على مستوى العالم والتي بلغت قيمتها في عام 2006 حوالي 13 مليار دولار، بيد أنه يدل على زيادة الاهتمام بالعقارات في آسيا التي كانت في الماضي خارج نطاق الاهتمامات. وقد حفز تشدد التشريعات الأميركية المقيدة لتدفقات رؤوس الأموال بعد أحداث 11 سبتمبر، على زيادة الاهتمام من جانب المستثمرين الخليجيين بأسواق العقارات الآسيوية.

هوامش أرباح مرتفعة

وواصل المستثمرون الخليجيون نشاطهم في سوق العقارات الآسيوي، بيد أنه وعلى خلاف استثماراتهم في سوق العقارات الأوروبي، حيث تكون هذه الاستثمارات قاصرة بشكل أساسي على شراء العقارات، يتوافر للأموال الخليجية حيز ضخم من حرية الحركة في الأسواق الآسيوية للدخول في مجال التطوير العقاري والتي يتزايد الإقبال عليها بفعل صعود أسعار العقارات في مختلف الدول الآسيوية بما في ذلك السوق الصيني، نظرا للنمو الاقتصادي القوي وارتفاع مستويات الأجور.

وعلى سبيل المثال، أظهرت الدراسات أنّ الصين شهدت نموّاً نسبته 20% في العقارات في العقد المنصرم، وسيستمرّ هذا النمط على الأرجح لأنّ هذه الدولة ستبني أكثر من 750 مدينة على امتداد السنوات الخمس عشرة القادمة، ويجري العمل على أكثر من 2500 مشروع حالياً أو ستتمّ المباشرة بها قريباً، ومن بينها مشاريع واجهات مائية، ومناطق حرّة صناعية، ومدن تكنولوجية، ومشاريع سياحية.

وتجني هونج كونج الأرضية التي خسرتها إبان الأزمة المالية الآسيوية التي تفجرت في أواخر التسعينات، وتظهر الإحصاءات الحكومية هناك أن القطاع يشهد نموا متواصلا مدفوعا بالطفرة التكنولوجية في سنغافورة، وهو ما ساعد على رفع أسعار المنازل الخاصة بنسبة 3, 8% خلال الربع الثاني من عام 2007.

وهكذا، ساهمت الطفرتان العقارية الخليجية والآسيوية في تدعيم مكانة دبي كساحة مثلى لتعبئة الأموال لتوظيفها في المشروعات العقارية المنتشرة في مختلف الأسواق التي يعبرها طريق الحرير الجديد، وسوف يتألق أهمية هذا الدور مع صدور الأطر واللوائح المنظمة للقطاع العقاري في الدولة، والاتجاه نحو تأسيس صناديق استثمار عقارية، وهو ما سيوفر فرصا كبيرة للمستثمرين والمطورين العقاري في المنطقتين الخليجية والآسيوية.

المحافظ الاستثمارية

تعتبر المحافظ الاستثمارية العقارية وسيلة شائعة لجمع الأموال في عدد من الدول المتطورة، وتستخدم الصناديق التي تجمع من المستثمرين في شراء وإدارة العقارات، ويجري التعامل بها في البورصات الرئيسية، كما هو الحال مع الأسهم.

وتنجذب الشركات الآسيوية بشكل متزايد ومكثف نحو الخليج وهم يستفيدون من طلب المنطقة الدائم لكل ما يتعلق بالبنى التحتية والخدمات في حين تعمل الشركات الرائدة بحرص على الاستفادة من السيولة الموجودة في منطقة الخليج، فعلى سبيل المثال، تتجه شركات بناء العقارات الهندية البارزة تتجه في الوقت الحالي إلى سوقي الأوراق المالية في سنغافورة ودبي من أجل تعويم محافظها الاستثمارية العقارية كإستراتيجية بديلة للحصول على الصناديق المالية.

إذ أعلنت شركة «يونيتيك»، ثاني اكبر شركة للعقارات في الهند أنها ستعوم محافظ استثمارية عقارية في السوق الخارجية للحصول على مبلغ يقرب من 100 مليار روبية (46, 2 مليار دولار) لتلبية خطط التوسع.

وتعتزم «يونيتيك» بيع حصة في شركاتها الست التابعة التي تمتلك في الوقت الحالي ستة عقارات تجارية بعد تسجيلها بصيغة محفظة استثمارية عقارية في سنغافورة أو في سوق دبي، وتقوم كذلك شركة «دي إل إف» التي تتخذ من دلهي مقرا لها، والتي تعتبر أكبر شركة بناء عقارات في الهند من حيث الرأسمال في السوق، بعملية تعويم محفظة استثمارية عقارية. وتحصل المجموعة على مليار دولار من «ليمان براذرز هولدنغز» ومستثمرين آخرين من أجل صندوق سيحول إلى واحد أو أكثر من المحافظ الاستثمارية العقارية، التي ستسجل في بورصة دبي أو بورصة سنغافورة.

وقد أعلنت شركة أموال للاستثمار القائمة في سلطنة عمان بالتعاون مع شركة (إن سي إل) لإدارة الصناديق في أغسطس 2006 عن إنشاء صندوق استثماري عقاري تبلغ قيمته 400 مليون دولار في الصين. ويعد الصندوق الجديد للأراضي وحدة ائتمانية تقع في جزيرة كايمان وتديرها شركة إن سي إل المحدودة لإدارة الصناديق فيما يعد بنك برمودا المملوك والتابع للبنك البريطاني بس الوصي على الصندوق

والجدير بالتنويه، أن المجموعة حققت أرباحا خيالية في الصين منذ عام 1990 وخاصة في ظل الطفرة التي يعيشها سوق العقار الصيني.

وفي غضون ذلك، فإن شركات البناء الهندية التي تصطف في طابور لتعويم المحافظ الاستثمارية العقارية هي «أوربت كوربوريشن» التي تتخذ من مومباي مقرا لها، و«نيتيش استيتس» التي تتخذ من بانغالور مقرا لها، و«دي إس كوكارني ديفلوبرز» التي تتخذ من بيون مقرا لها، ومجموعة «مانتري» التي تتخذ من مومباي مقرا لها.

وكما تسعى المحافظ الاستثمارية العقارية الهندية للاستفادة من السيولة المالية الموجودة في منطقة الخليج عبر بوابة دبي، فأن الشركات الخليجية العقارية، ومن بينها الإماراتية تعمل على الاستفادة من ازدهار الطلب على العقارات في السوقين الهندي والصيني لتحقيق عائدات قياسية.

دبي ـ مجدي عبيد