في السنوات الأخيرة وبعد ان زاد عدد دور العرض في دول الخليج بشكل ملحوظ، اعتاد الجمهور على مشاهدة الأفلام العالمية في نفس توقيت عرضها عالمياً بل وأحياناً قبل يوم واحد من عرضها في الولايات المتحدة الأميركية بسبب ان الأفلام الجديدة تطلق للعرض في عطلة نهاية الأسبوع التي تبدأ عربياً يوم الخميس، وأميركياً الجمعة.
وكان ما يثير دهشة واستياء الجمهور ان الأفلام العربية الأقرب إلى ذوقه والأكثر جاذبية يتأخر عرضها بالشهور والتي كانت تبلغ العام في بعض الأحيان، وكان السؤال الدائم للمشاهدين من رواد دور العرض: لماذا تنجح الشركات التي تدير دور العرض في الخليج في جلب الأفلام العالمية في التوقيتات الصحيحة وتفشل في انجاز نفس الشيء مع السينما العربية؟. ورغم المحاولات التي قامت بها بعض شركات توزيع الأفلام لحل هذه المشكلة إلا أن الأمر مستمر على ما هو عليه، بل وزاد تفاقماً بشكل واضح في الموسم الأخير من عام 2007 وامتدت آثاره لتشمل معظم دول الخليج، ولاحظ الجمهور ان عدداً كبيراً جداً من الأفلام العربية المهمة التي شاهدها تعرض أو شاهد إعلاناتها في العواصم العربية غير الخليجية لم يظهر لها أثر لا في الإمارات أو قطر ولا في البحرين أو الكويت أو عُمان.
وضمت القائمة أسماء مجموعة من أهم وأكبر أفلام الموسم وأكثرها تحقيقاً للنجاح وهي بالتالي الأفلام التي ينتظرها الجمهور في الخليج مثل أفلام مرجان أحمد مرجان، كده رضا، هي فوضى، كركر، الجزيرة، أسد وأربع قطط وغيرها.. فما السر وراء هذه الأزمة الأخيرة.. وظاهرة تأخر عرض الأفلام العربية في الأسواق الخليجية بشكل عام؟
آليات التوزيع
يكمن السبب الأساسي في هذه الظاهرة في تخلف أسلوب وآليات التوزيع السينمائي للسينما العربية على وجه العموم والسينما المصرية بشكل خاص، ففي حين ان كبريات شركات السينما العالمية تتبع أسلوب التوزيع على أساس الحصول على حصة من إيراد الأفلام تتراوح بين 40% و50% تصر شركات الإنتاج والتوزيع المصرية على اتباع أسلوب البيع القطعي لأفلامها أي بيع الفيلم مقابل مبلغ مقطوع بغض النظر عن إيراداته الحقيقية .
وهي تفعل ذلك لتحمي حقوقها التي تعتقد انها قد لا تحصل عليها كاملة نتيجة الخوف من الوقوع في فخ أشكال التلاعب في الإيرادات الحقيقية لهذه الأفلام في دول المنطقة، وهو اعتقاد أقل ما يوصف به أنه ساذج ومتخلف عن آليات العصر، فمعظم..
إن لم تكن كل دور العرض في المنطقة تتبع أسلوب بيع التذاكر عن طريق الكمبيوتر الذي يسجل بشكل فوري عدد التذاكر المباعة لكل فيلم والتي تظهر على الفور على مواقع الشركات صاحبة دور العرض دون أي تلاعب أو تأخير.
كما أن كل شركات دور العرض في المنطقة هي شركات مساهمة وليست شركات أفراد وهي بالتالي خاضعة لنظم تدقيق محاسبي مشددة لا يسمح لها حتى لو أرادت ان تغير من الإيرادات أو عدد التذاكر المباعة، فقد جرى العرف ان يرسل به تقرير يومي عن طريق البريد الإلكتروني إلى الشركات صاحبة هذه الأفلام.
فوات الوقت
بسبب الأسلوب المتخلف في التوزيع والإصرار على البيع القطعي بالجملة لمجموعة من الأفلام لمجمل دول منطقة الخليج تدخل شركات التوزيع المصرية في مساومات عقيمة مع من يرغب في شراء هذه البيعة وتكون النتيجة بالطبع هي فوات الوقت وضياع المواسم المهمة وتأخير عرض الأفلام وعدم الاستفادة من الحملات الإعلانية التي تسبق وتواكب عرض هذه الأفلام.
فالطرف الذي يشتري هذه الأفلام للمنطقة يهمه ان يحصل عليها بسعر مناسب بعد ان يكون قد اطلع على مدى نجاحها الجماهيري في السوق المصري ويعتبر أن عملية التأخير في الشراء تمثل عامل ضغط على أصحاب هذه الأفلام قد يدفعهم للقبول بالسعر الذي يعرضه خوفاً من تسرب هذه الأفلام على اسطوانات الـ DVD.
تعنّت الأسعار
وتعتبر شركات التوزيع المصرية مالكة هذه الأفلام ان التأخير في عرضها خليجيا لا يسبب أي ضرر لمصالحها حيث انها لا تهتم إلا بالحصول على السعر الذي حددته لهذه الأفلام بغض النظر عن تحقيقها لإيرادات جيدة من عدمه في دول المنطقة .
وهكذا يتم التضحية بمبلغ يقدر بحوالي 800 مليون جنيه مصري سنوياً نتيجة للتأخير وضياع المواسم، كما ان بيع مجموعة مهمة من الأفلام لشركة توزيع واحدة يدفع هذه الشركات للتعنت في أسعار وشروط إعادة توزيع هذه الأفلام على دول المنطقة والدخول في سلسلة جديدة من المساومات العقيمة التي تضيع مزيداً من الوقت وتتسبب في زيادة التأخير.
قفزة إنتاج
ويبدو أن عام 2008 سيشهد جملة تغييرات في سياسة عرض الأفلام العربية في صالات سينما السوق الخليجي، خصوصا بعد موسم 2007 الذي يعتبر عن حق عام الانطلاق للسينما العربية عموماً، فقد قفز إنتاج صناعة السينما المصرية ليقترب من حاجز الخمسين فيلماً وهو الرقم الذي يعتبر متوسط انتاج هذه الصناعة في سنوات تألقها، فقد أنتجت السينما المصرية .
وعرضت 48 فيلماً روائياً طويلاً بلغ إيرادها في السوق المحلي 230 مليون جنيه وهو ما يزيد بنسبة 15% عن إيرادات العام السابق، وكانت ابرز الظواهر في انتاج هذا العام عودة الصناعة لإنتاج الأفلام الضخمة عالية الميزانية وهو الاتجاه الذي قادته شركة جود نيوز في أفلام مثل عمارة يعقوبيان ومرجان أحمد مرجان وليلة البيبي دول الذي يجري تصويره الآن، وأهم ما يميز هذه الأفلام هو قيام عدد كبير من النجوم ببطولتها وعدم الاكتفاء بنجم وحيد.
أفلام مختلفة
رسخ هذا العام أيضاً انحسار سيطرة أفلام الكوميديا الشبابية على شباك التذاكر لصالح مجموعة متنوعة من الأفلام المختلفة التي تجمع بين أفلام الحركة والأفلام الرومانسية والغنائية والاجتماعية وحتى السياسية مثل فيلم هي فوضى ليوسف شاهين وحين ميسرة لخالد يوسف وغيرها، وقد تصدر فيلم عادل إمام مرجان أحمد مرجان قائمة الإيرادات محققاً 24 مليون جنيه يليه فيلم مطب صناعي لأحمد حلمي .
حيث حقق 20 مليون جنيه وهو نفس الرقم الذي حققه فيلم عمر وسلمى لتامر حسني ومي عزالدين ثم فيلم آخر لأحمد حلمي هو كده رضا الذي حقق 18 مليون جنيه، أما نجما الشباك للسنوات الماضية محمد هنيدي ومحمد سعد فلم يحقق فيلماهما مكانة بارزة في قائمة الإيرادات، فحقق كركر محمد سعد 14 مليون جنيه في حين لم يحقق عندليب الدقي أكثر من 9 ملايين ونصف المليون جنيه.
المغرب العربي
أما السينما المغاربية فقد شهدت هي الأخرى طفرة حقيقية في عدد الأفلام المنتجة والعروض هذا العام حتى اعتبرها بعض المتابعين سنة السينما في الثقافة المغربية بلا منازع، كما حظي مهرجان مراكش في دورته التي أقيمت في الشهر الأخير من العام الماضي باهتمام وتقدير بالغين حيث استطاع أن يستقطب عدداً من كبار صناع الأفلام سواء في لجان تحكيمية مثل مارتن سكورسيزي أو في ندواته مثل ميلوش نورمان ونجوم عالميين مثل ليوناردو دي كابريو، وقد انتجت السينما المغربية في عام 2007 (15) فيلماً روائياً طويلاً.
لكن المشكلة التي لا تزال هذه السينما تعاني منها هي محدودية سوقها الإقليمية في المنطقة العربية، حيث يقتصر الأمر على دول الجوار بالإضافة بالطبع للسوق الفرانكوفونية في فرنسا وبعض الدول الإفريقية، وهو نفس الحال تقريباً الذي تعاني منه السينما الجزائرية التي انتجت 14 فيلماً روائياً طويلاً. أما السينما التونسية التي أنتجت أربعة أفلام فقد كان الحدث الأبرز بالنسبة لها هو تكريم مخرجها الكبير نوري بوزيد من قبل مؤسسة بن رشد للفكر الحر لعام 2007 في برلين.
لبنان وسوريا
في الجهة الأخرى من مشرق العالم العربي شهدت السينما اللبنانية أيضاً طفرة حقيقية في عدد الأفلام المنتجة والتي وصلت إلى ستة أفلام والأهم من ذلك النجاح الجماهيري والنقدي الذي حققته، خصوصاً فيلم سكر بنات الذي عرض في بعض دول الخليج وسبق وحصل على عدد من جوائز المهرجانات السينمائية التي شارك فيها .
وفيلم تحت القصف الذي فاز بجائزة مهرجان دبي للسينما العربية، أما بقية الأفلام فهي المشهد الأخير وخلص لبرهان علوية وفيلم أبو رياض وأخيراً فيلم غنوجة بيّا. وعلى الجانب الآخر حققت السينما السورية أيضاً عدداً مماثلاً من الأفلام هي خارج التغطية وأيام الضجر والهوية ودمشق يا بسمة الحزن وحسيبة وسبع دقائق إلى منتصف الليل.
دبي ـ أسامة عسل

