غدت دبي بمثابة محطة التقاء للأموال والسلع والأفكار على طريق الحرير الجديد الواصل بين منطقتي الشرق الأوسط والشرق الآسيوي، وتألق نجمها جنبا إلى جنب مع مدن أخرى متألقة مثل بكين ومومباي وطوكيو والدوحة وكوالالمبور وسنغافورة وهونج كونج والرياض وشنغهاي، وتعادل هذه المدن التي يطلق عليها في الوقت الراهن «الرابحون الإقليميون» مراكز استراحة القوافل على طريق الحرير القديم والتي تراجعت مكانتها وخبو دورها تحت وطأة التغييرات الجيوسياسية.

ولا يؤدي طريق الحرير الجديد إلى تنشيط الاقتصاد فحسب، ولكنه يساهم أيضا في تغيير المشهد الجيو- اقتصادي والجيو- سياسي ويرسم أيضا ممرا نحو المزيد من التكامل بين المنطقتين الآسيوية والخليجية، بل يشكل كذلك تحالفا ضمنيا من شأنه أن يعلب دورا مهما في إعادة تشكيل أسواق المال في العالم.

وقاد التطور والازدهار الاقتصادي الذي تشهده الدولة، وتأسيسها بيئة أعمال ذات مواصفات عالمية، إلى تألق مكانتها كأحد مراكز التجارة الصاعدة على طريق الحرير الجديد.

وهو من شأنه أن يساعد في تحقيق طموحات الاقتصاد الصيني في توسيع قاعدة أسواق منتجاته عبر الاستفادة من الفرص التي يوفرها سوق الإمارات الذي يرتبط بأسواق الدول العربية التي تصل طاقتها الاستهلاكية أكثر من 300 مليون نسمة بالإضافة إلى خدمة الأسواق المجاورة وخاصة منطقة الشرق الأوسط وهذا ما جعل الإمارات أفضل شريك تجاري للصين.

وقد تضاعفت التجارة بين الشرق الأوسط والصين إلى 240 مليار دولار منذ عام 2000، وعلى أرضية هذا الازدهار التجاري بين المنطقتين، تشغل الإمارات مكانة الشريك الأكبر للصين في منطقة الشرق الأوسط، وتشير التقديرات إلى أنه من المتوقع أن يصل حجم التبادل التجاري بين الجانبين إلى 18 مليار دولار نهاية العام الحالي 2007 مقابل 2، 14 مليار دولار في العام 2006 أي بنمو يتراوح بين 20-25.

ولم تعد العلاقات التجارية بين الصين والإمارات تقتصر على النفط، بل أصبحت أكثر تنوعا وباتت تتوسع أكثر في مختلف المجالات، حيث تصدر الصين اليوم سلعا تجارية عديدة خصوصا في مجال الالكترونيات كما أن الشركات الصينية تجد العديد من الفرص التجارية في المنطقة خصوصا الهيدروكربونية والبيوتيك والخدمات الطبية والمنتجات المصرفية والمالية ومن المتوقع أن تشهد التدفقات التجارية بين البلدين المزيد من النمو، عندما يتم التوصل إلى اتفاق للتجارة الحرة بين مجلس التعاون الخليجي والصين.

وتشير الإحصاءات الصادرة عن إدارة الإحصاء التابعة لـ «دبي العالمية» إلى أن حجم التجارة غير النفطية بين دبي والصين حققت نموا مطردا خلال السنوات الخمس الأخيرة، ووصلت إلى ذروتها خلال العام 2007، حيث قفزت بنسبة 47 % مقارنة مع عام 2006 مرتفعة بواقع 7, 22 مليار درهم (حوالي 18, 13 مليار دولار) من 4, 48 مليار درهم (حوالي 18, 6 مليارات دولار )، وهو ما عكس ارتقاء العلاقات الاقتصادية بينهما والتي تعززت عبر تنامي الحركة الاستثمارية بينهما في العديد من القطاعات الرئيسية.

يعتبر مركز «سوق التنين للتسوق» أكبر تجمع تجاري من نوعه في العالم خارج الصين والذي يستقطب أكثر من 365 ألف زائر على مدار السنة وبمعدل 10 آلاف تقريبا في اليوم الواحد من مختلف الجنسيات المقيمة في دبي أو السياح الذين يقصدون الإمارة من أجل التسوق، وهو أكبر مركز للمنتجات الصينية خارج بلاد التنين إذ يضم مجموعة واسعة ومتنوعة من المحال التجارية وصالات العرض والمطاعم والمستودعات،.

وقامت شركة نخيل العقارية بتطوير سوق التنين الذي كرس نفسه خلال فترة قصيرة من الزمن كسوق رائدة للمنتجات الصينية في الدولة ومنطقة مجلس التعاون الخليجي، كما ساهم أيضا بشكل ملموس في اقتصاد دبي من خلال زيادة الاستثمار الخارجي المباشر من قبل تجار التجزئة الصينيين. كما أدى ازدياد حركة البضائع عبر موانئ دبي إلى زيادة في مستوى التجارة بين الدولة والصين.

ويوجد بالإمارات - بحسب تقديرات احمد جامع القيزي مدير الإدارة الاقتصادية باتحاد غرف التجارة والصناعة في نوفمبر من العام الماضي- أكثر من 180 ألف صيني، وتتخذ الكثير من الشركات الصينية الإمارات مركزا لنشاطها العالمي والإقليمي كما يوجد بالصين 370 شركة إماراتية في الوقت الذي تم تسجيل أكثر من 300 علامة تجارية، فيما تتواجد أكثر من 1000 شركة صينية بالدولة، لافتا إلى وجود إمكانيات هائلة يمكن استغلالها وتطويرها وتوسيع آفاقها لخدمة المصالح المشتركة خاصة في المشروعات الاقتصادية والتجارية وقطاع التقنية.

ويرتبط اتحاد غرف التجارة والصناعة بالدولة منذ العام 2002 باتفاقية تعاون مشترك مع المجلس الصيني لترويج التجارة الدولية والاتفاقية تهدف إلى تشجيع المؤسسات التجارية ورجال الأعمال في كل من الإمارات والصين لتبادل الزيارات والمشاركة في المعارض التي تقام في البلدين والدخول في مشروعات استثمارية مشتركة أو أحادية، وتنصب المساعي على تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية من خلال استغلال الفرص المتاحة والمستقبلية المتوقعة حال توقيع اتفاقية التجارة الحرة بين دول المجلس والصين.

ازدهار التدفقات الاستثمارية

وتزدهر التدفقات الاستثمارية بين الدولتين في مختلف المجالات والقطاعات، وصارت الكثير من الشركات الإماراتية تضع السوق الصيني ضمن خريطة توسعاتها العالمية، وذلك، بعدما كان هذا السوق ولفترة طويلة خارج دائرة حسابات القطاع الخاص.

الشحن البحري

من جانب، وقعت شركة موانئ دبي العالمية خطاب نوايا تتولى بموجبه تطوير مشروع الجزيرة الصناعية ـ المرحلة 2 ـ محطة الحاويات في تيانجن، الذي يعتبر من المشاريع الهامة في الصين باستثمارات تصل إلى 500 مليون دولار أميركي.

ويتضمن المشروع، الذي يقام في منطقة بوهاي بشمال الصين، خططا لبناء محطة على مساحة 140 هكتارا، مع رصيف بحري بطول 1400 متر، وقدرة مناولة سنوية بواقع 2, 2 مليون حاوية. وقد بدأت فعلا عملية استصلاح الأرض التي سيقام عليها المشروع الذي سيبدأ عملياته في العام 2011 حسب البرنامج الموضوع.

وسيكون مشروع التطوير هذا مشروعا مشتركا بين مجموعة ميناء تيانجن وموانئ دبي العالمية من خلال شركتها التابعة موانئ دبي العالمية تيانجن القابضة المحدودة.

وتضم تيانجن حاليا خامس أكبر ميناء حاويات في الصين، حيث يقوم هذا الميناء بمناولة 8, 4 ملايين حاوية في السنة، وتعتبر الجزيرة الصناعية ـ المرحلة 2 ـ واحدا من المشاريع الكبرى في خطة التنمية الاقتصادية الصينية. وتقوم موانئ دبي العالمية حاليا، في إطار مشروع مشترك مع مجموعة ميناء تيانجن، بتشغيل محطة حاويات تيانجن أوريينت في ميناء تيانجن.

وتفيد الإحصاءات الصادرة عن إدارة الإحصاء التابعة لـ «دبي العالمية» أن (دبي العالمية) تعتبر من كبار المستثمرين في الصين من خلال استثماراتها في مينائي شينداو وشنغهاي، وتسعى إلى توسيع استثماراتها لتشمل مجالات أخرى غير الموانئ.

وبحسب تقرير نشرته جريدة «وول ستريت» في سبتمبر الماضي، بلغت قيمة المحفظة الاستثمارية لدبي العالمية في آسيا ما يزيد على مليار دولار، وتتطلع إلى استثمار مليارات الدولارات في قطاعات التصنيع والعقارات والتمويل، استنادا إلي إستراتيجية استثمارية تتميز باتساع النطاق والجرأة، ونقلت الجريدة عن سعود باعلوي، رئيس مجلس إدارة مجموعة دبي، ذراع الاستثمارات العالمية لدبي القابضة قوله إن شعورنا حتى الآن أننا أنجزنا المرحلة الأولى فقط.

وتخطط شركة موانئ دبي العالمية لرفع طاقة ميناء الحاويات في الصين بنسبة 30%، هذا العام نظرا للنمو المتسارع في حجم تجارة البلاد، وتعتزم الشركة إضافة أربعة أرصفة حاويات في كل من ميناء كوينج داو، شرق الصين، وميناء تيانجين، وقد استوردت الصين 10 ملايين حاوية نمطية عام2007 عبر موانئ هونج كونج.

وقال كريس تشانج مدير موانئ دبي العالمية في الصين «لا تزال الشركة لاعبا جديدا في السوق الصينية وسوف تستمر في التوسع»، وتسعى موانئ دبي العالمية الى رفع طاقتها الإنتاجية على صعيد العالم إلى 90 مليون حاوية نمطية صغيرة بحلول عام ،2017 صعودا من 48 مليون حاوية حاليا .

استهداف السوق الصينية

وتخطط الكثير من الشركات الإماراتية للاستفادة من النمو السريع والضخم للاقتصادي الصيني، عبر تعزيز تواجدها المباشر في هذا السوق، ونسج علاقات مشاركة مع الشركاء المحليين.

وتأتي هذه الخطط ضمن اتجاه عام يسود الدول الخليجية التي تشهد الطفرة النفطية الثانية، الأمر الذي أدى إلى فائض كبير في الميزانية، وهو ما حفز الدول الخليجية على النظر إلى الأسواق الآسيوية لتوظيف هذه الأموال ضمن استثمارات ومشاريع في الهند والصين، ومن ثم، تحقق الاستثمارات الخليجية في الدول الآسيوية مستويات غير مسبوقة، وصار المستثمرون الخليجيون يتوجهون بأنظارهم إلى الصين والهند وماليزيا واندونيسيا وباكستان.

وتفيد تقديرات المصرفية أنه بإمكان دول مجلس التعاون الخليجي استثمار ما يزيد على 250 مليار دولار في آسيا على مدى السنوات الخمس المقبلة، وهو ما يعادل تقريبا حوالي ثلث تدفقات الخارجية لرؤوس الأموال الخليجية، وهو ما يعبر عن تألق مكانة شرق آسيا في الإستراتيجيات الاستثمارية لمدراء الاستثمار في منطقة الخليج.

ومن جانب، أعلنت مجموعة دبي التابعة لـ «دبي القابضة» والتي تمتلك حصصا مؤثرة في كبريات الشركات الآسيوية على غرار شركة توماس كوك الهند المحدودة ثاني أكبر شركات السياحة في الهند وبنك إسلام في ماليزيا، عن تخطيطها لاستثمار ما يزيد على 5, 2 مليار دولار في الهند والصين خلال العامين المقبلين، وأعرب سعود باعلوي، رئيس مجلس إدارة مجموعة دبي، ذراع الاستثمارات العالمية لدبي القابضة في سبتمبر الماضي عن اعتقاده بأن الاستثمار في السوق الصيني سيشكل المحرك الرئيسي لخطة المجموعة لزيادة استثماراتها في الأسواق الصاعدة بنسبة 30%.

وعلى نفس المنوال، وضعت شركة دبي انترناشيونال كابيتال نصب عينيها على السوق الصيني، وهو ما يتضح في الأقوال الواردة على لسان سمير الأنصاري رئيسها التنفيذي، حيث صرح في 24 فبراير 2008 أن السوق الأميركية لم تعد تتمتع بالجاذبية بعد، نظراً لأنه من المحتمل أن تتراجع هناك أسعار الأصول، ولفت إلى أنه من المتوقع رؤية المزيد من عمليات التصحيح هناك خلال النصف الأول، وهو ما يجعلنا نتطلع بنشاط إلى السوق الصيني، خصوصاً الهند والصين، وبشكل خاص في قطاع التصنيع.

وفي السياق نفسه، أعلنت شركة بروج للحلول البلاستيكية المبتكرة والقيمة في أغسطس من العام الماضي عن تخطيطها لإنشاء مجمع لها في الصين لتصنيع منتجات البولي بروبيلين عالية الأداء لاستخدامها في تطبيقات قطاع السيارات والأجهزة الكهربائية، ومن المقرر إنشاء المجمع الجديد في منطقة شنغهاي والذي تصل قدرته الإنتاجية إلى 50 ألف طن سنويًا مع إمكانية لتوسعات إضافية في المستقبل.

الاتصالات الفضائية

وفي خطوة كبيرة تعزز من نجاح خطة أعمالها لمنطقة شرق آسيا، وقعت شركة الثريا للاتصالات الفضائية في إبريل من العام الماضي اتفاقية تزويد الخدمة مع الشركة الصينية للاتصالات الفضائية الدولية المحدودة، وهي شركة تابعة للشركة الصينية للاتصالات الفضائية وهي واحدة من شركات الاتصالات الست الرئيسية في الصين والتي تملك ما يقارب من 200 مؤسسة تجارية وتوظف حوالي 000، 20 شخص.

تدفقات العمالة

تعتبر تدفقات العمالة من أحد مجالات التعاون المزدهرة بين آسيا من جانب ودول مجلس التعاون الخليجي من جانب آخر، حيث تشكل العمالة الوافدة حوالي 88 % من إجمالي قوة العمل في الإمارات، وترتفع هذه النسبة إلى 95 % في إمارة دبي، ويحفز مثل هذا الوضع ليس فحسب على انتقالات أكبر لرؤوس الأموال بين المنطقتين، بل يعزز التفاعل الثقافي بينهما، وتفيد تقديرات وزارة العمل أن عدد العمال الصينيين في الدولة يبلغ حاليا بـ 80 ألف عامل، ومن المقدر أن يرتفع هذا العدد خلال العامين المقبلين إلى أكثر من مئتي ألف عامل.

وفي نوفمبر من العام الماضي، تم بمقر وزارة التجارة الصينية في بكين التوقيع على مذكرة تفاهم بين حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية الصين الشعبية. وتتضمن مذكرة التفاهم 16 مادة وملحقاً تشتمل على الشروط الأساسية للاستخدام.

ومن أهم بنود مذكرة التفاهم أن يتم استخدام شركات القوى العاملة الصينية كوسيط رئيسي للاستخدام للقوى العاملة الصينية في الخارج وبين أصحاب العمل بدولة الإمارات »وهي شركات حكومية تعمل تحت إشراف وزارة التجارة الصينية وتقدم المعلومات والوثائق عن القوى العاملة الصينية«. كما تتضمن المذكرة جميع البنود التي اشتملت عليها مذكرات التفاهم التي وقعتها الدولة مع الدول الآسيوية وعددها سبع مذكرات تفاهم حيث تعتبر مذكرة التفاهم مع الصين المذكرة الثامنة.

دبي ـ «البيان»: