مرت الذكرى السنوية الثالثة على رحيل الفنان أحمد زكي مساء أول من أمس، ذلك «النمر الأسمر» الذي طالما أمتع جماهير السينما المصرية والعربية، برشاقة أدائه وإتقانه الهائل لأدواره، وتعمقه الشديد في الشخصية التي يؤديها، وهو الأمر الذي مكنه من تجسيد عدد من الشخصيات البارزة، تركت عظيم الأثر على مصر والعالم العربي مثل الرئيسين الراحلين أنور السادات وجمال عبد الناصر، وعميد الأدب العربي طه حسين.
وأخيراً وقبل وفاته شخصية العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ. وبالمناسبة ذاتها، عرضت قناة «أم بي سي » الليلة قبل الماضية فيلم «حليم» في أول عرض على القنوات المفتوحة. «حليم» يروي قصة حياة المطرب الأسطوري عبد الحليم حافظ، من خلال ميلودراما مباشرة عن سيناريو لمحفوظ عبد الرحمن. وتصل مدته إلى ساعتين ونصف الساعة، ويمتلئ بكل أنواع الأغنيات التي غناها العندليب الأسمر. وتبدأ أحداث الفيلم في مستشفى «كينجز كوليدج» بالعاصمة البريطانية لندن، حيث يرقد الفنان عبد الحليم حافظ (أحمد زكي) على فراش الموت، ويتذكر مع صحافي يدعى «رمزي» كل الأحداث التي مرت عليه عن طريق «الفلاش باك»، فيتذكر علاقاته الإنسانية والعاطفية ورحلته الطويلة مع الفن، وتظهر علاقته بـ «نوال» (منى زكي) ابنة قرية الحلوات التي ساعدها كثيراً ووقف بجانبها حتى التحقت بكلية الطب في القاهرة، بينما هي تعيش قصة حب له من طرف واحد.
كما تظهر علاقته بفتاة تدعى «جيهان» (سلاف فواخرجي) وهي الفتاة التي التقى بها على شواطئ الإسكندرية وظل يحبها حتى ماتت، وتظهر أيضاً علاقاته برواد الموسيقى والكلمة من أمثال كمال الطويل ومحمد الموجي ومحمد عبد الوهاب وعبد الرحمن الأبنودي ومصطفى وعلي أمين ومجدي العمروسي وصلاح جاهين، ولحظات الانكسار بعد نكسة 67 ولحظات السعادة بعد انتصار أكتوبر.
الفيلم يقوم على حيلة درامية - تعتبر حسب المفهوم الخاص في السينما - من أكثر الحيل الدرامية ضرراً. هذه الحيلة تتلخص في جعل محور الفيلم حواراً إذاعياً يجريه المذيع رمزي مع الفنان الشهير في مرحلة متأخرة من حياته أي قبيل أن يُودّع الحياة. مذيع يحاور ويشرح ويروي ويتدخل ويوجه، ويذكر المطرب بمحطات في حياته ومواقف كثيرة له، بل واتهامات عديدة وجهت إليه.. أي أننا نتلقى الفيلم عملياً، من خلال الحكي والشرح والحوار، في حين تحاول الصورة تقديم بعض «الترجمة» لبعض الأحداث مع التركيز بشكل رئيسي على الأغنيات والأفلام.
هذا الشكل القائم على الحوار المكتوب، الذي يكشف عن محاور أساسية ونقاط، يرى صناع الفيلم أنها محورية في حياة عبد الحليم، قد يكون أقرب إلى المسلسلات الإذاعية أو التلفزيونية، غير أنه يصبح في السينما مدعاة للشعور بالملل بل والافتعال.
قوالب مصطنعة
ويبدأ الفيلم بداية لا توحي بأننا سنشاهد فيلماً جاداً. فنحن نرى عدداً من الشخصيات - سواء كانت معروفة أو غير معروفة- تتحدث باقتضاب وفي قوالب مصطنعة عن عبد الحليم. وكأننا أمام مقدمة برنامج تلفزيوني من برامج المنوعات. والحقيقة أن أسلوب تصوير الفيلم: حركة الكاميرا الدائرية من زوايا مضطربة، والإضاءة المباشرة، تجعل الفيلم يبدو مثل الأغنيات المصورة للعرض في التلفزيون والفيديو أي ما يعرف خطأ بـ «الفيديو كليب».
صعوبة الأداء
كان أحمد زكي حقاً يرغب في القيام بدور عبد الحليم، بعد أن أدى شخصيتي الرئيسين أنور السادات وجمال عبد الناصر، فقد كان يعتقد أن القدرة على محاكاة شخصيات شهيرة إلى حد التقمص، هو نوع من التحدي بالنسبة للممثل، وهذا شأنه بالطبع. غير أن الحقيقة تظل أن زكي لم يكن يستطيع محاكاة شخصية عبد الحليم حافظ التي ارتبطت في ذهن الجمهور بالرقة المبالغ فيها أحياناً، خصوصاً في أحاديثه ومقابلاته عبر الأثير أو شاشة التلفزيون. وكان أهم ما يميز عبد الحليم هو صوته الرقيق المتلون الذي يمكنه التعبير من خلاله عن كل انفعالاته.
وكانت هناك ولا شك درجة من درجات التصنع، وهو ما يرصده الفيلم، الذي يصور كيف كان حليم يصر على أن يقدم للناس، الصورة التي يريدونها عنه، وليست صورته الحقيقية. إلا أن أحمد زكي الذي خذله تدهور صحته في أيامه الأخيرة، أثناء فترات التصوير الشاق على مراحل عبر المرض، لم يكن لديه صوت قادر على الأداء فكان يكافح لإخراج صوته، وهو ما يتضح في الفيلم بشكل يثير الشفقة حقاً. ويتحمل منتج ومخرج الفيلم مسؤولية النتيجة السيئة للتجربة بشكل عام.
التراث الغنائي
ولعل ما أنقذ الفيلم بشكل ما، الاستعانة بابن أحمد زكي «هيثم» للقيام بدور عبد الحليم في معظم مشاهد الفيلم باستثناء المشاهد القليلة التي أداها أحمد زكي للمطرب في حفل «قارئة الفنجان» الذي انفعل فيه على جمهوره، وفي كل مشاهد الحديث الإذاعي الطويل الممتد عبر الفيلم.
ولجأ المخرج إلى طريقة خاصة غير مألوفة في الاستعانة بالتراث الغنائي المصور من أفلام عبد الحليم حافظ الشهيرة، وبدلاً من إعادة تصوير ما يناسبه من أغنيات تلك الأفلام، حافظ على الأغنيات الأصلية في الأفلام القديمة وعلى الوجوه النسائية مثل شادية وغيرها، لكنه استبدل - عن طريق التكنولوجيا الرقمية- صورة عبد الحليم بصورة هيثم أحمد زكي.
ويعد هذا العمل في العرف السينمائي العالمي اعتداء فظاً على التراث السينمائي المصور، حتى لو كانت الشركة المنتجة قد حصلت على حق الاستغلال التجاري لأفلام عبد الحليم على هذا النحو الذي لا يقره أي عرف من الأعراف.
ومن الناحية الفنية، فشلت الفكرة تماماً، فلا الجمهور شعر بمصداقية هذا اللون من التحايل، ولا الممثل الجديد تمكن من محاكاة أداء حليم المميز في تلك الأفلام.
شخصيات نمطية
ومن ناحية أخرى، يعالج الفيلم كثيراً من الشخصيات التي لعبت دوراً رئيسياً في حياة بطله، بطريقة كاريكاتورية نمطية ساخرة، مثل شخصية الموسيقار محمد عبد الوهاب. هنا نرى عبد الوهاب بخيلاً يهرب من توقيع شيك لنفقات علاج شريكه في الإنتاج الفني عبد الحليم، يؤثر دائماً السلامة، لا يستطيع إسداء النصح كلما لجأ حليم لاستشارته.. وسطي يفضل إمساك العصا من منتصفها.
ويتوقف الفيلم طويلاً أمام العلاقة بين عبد الحليم وثورة 23 يوليو، وعلاقته بالعسكريين، ويقول إن حليم كان على نحو ما - صنيعة ضباط السلطة، في حين أن موهبة حليم هي التي فرضت نفسها على الجمهور بقوة، ربما حتى يومنا هذا وبعد أكثر من 30 عاماً على وفاته، ولم تكن أي سلطة تستطيع فرض مطرب غير موهوب على الناس.
الأغنيات الحماسية
ويخصص الفيلم مساحة زمنية لمرحلة الأغنيات السياسية الحماسية التي كان يكتبها صلاح جاهين ويلحنها كمال الطويل ويغنيها حليم، عاماً بعد عام في أعياد ثورة يوليو.
ويحاكم الفيلم حليم من خلال الحديث الصحافي الدخيل في الفيلم، ويحمله مسؤولية تضليل الجمهور، بل ويجعله يغني من ناحية «يا أهلا بالمعارك» وغيرها من الأغنيات الحماسية، في حين نرى لقطات تسجيلية لرئيسة وزراء إسرائيل في ذلك الحين غولدا مائير تعلن عبر الإذاعة الإسرائيلية تدمير المطارات المصرية ولقطات للأسرى المصريين في سيناء، وغير ذلك..
ويتوقف الفيلم أمام هذه اللقطات بإصرار وبتخصيص مساحة كبيرة لها، يجعل عبد الحليم حافظ مسؤولاً عن هزيمة 1967، وهو استنتاج تؤدي إليه العلاقة الذهنية بين اللقطات، وهو مقصود من جانب صناع الفيلم، وإن كان يبدو مضحكاً في السياق التاريخي الصحيح.
ويخصص الفيلم أيضاً، حيزاً كبيراً لعلاقات حليم العاطفية مع فتاة من أسرة ثرية أراد أن يتزوجها، لكن تم رفضه وأهانه، ثم مع سعاد حسني التي ترددت في قبول الزواج منه، وتحولت علاقتهما إلى صداقة، وأيضاً مع فتاة تبناها وأنفق عليها واعتقدت هي أنه يحبها، وكادت أن تفقد حياتها بعد محاولتها الانتحار لرفضه الزواج منها.
والغريب أنك لا تعرف ما إذا كان المبدأ الأساسي في السينما، أي مبدأ الاقتصاد في السرد، له أي اعتبار عند صناع هذا الفيلم، لأنك سترى أن الفيلم مصنوع بطريقة المسلسلات، دون أدنى إحساس بالزمن.
إلا أن المتفرج في نهاية الفيلم يتساءل: لماذا أصر الراحل أحمد زكي على القيام بدور يتناقض تماماً مع مظهره الخارجي ومع سنه وصوته وشخصيته؟
ومهما حاول، يظل حليم الأصل أبقى وأقوى من تلك الصورة الباهتة غير المكتملة التي انتهى إليها فيلمنا هذا.
فيلموجرافيا
تاريخ العرض: 2006
الإيرادات: 1994910 جنيهات مصرية
بطولة: أحمد زكي - هيثم زكي
منى زكي - سلاف فواخرجي
جمال سليمان - عزت أبو عوف
صلاح عبد الله - سميرة عبد العزيز - سهير رجب - يوسف الشريف - محمد شومان
إخراج: شريف عرفة
إنتاج: شركة «غود نيوز»
قصة: محفوظ عبد الرحمن
مدير التصوير: أيمن أبو المكارم
مونتاج: داليا الناصر
موسيقى: عمار الشريعي
توزيع: الشركة العربية للإنتاج والتوزيع.
دبي ـ أسامة عسل

