شارك مسرح الشارقة الوطني في المسابقة الرسمية لأيام الشارقة المسرحية هذا العام، بعرض «دهن عود» عن نص الكاتب أحمد أبو رحيمة وإخراج محمد العامري في ثاني تعاون بينهما بعد مسرحية «آه قلبي» ، التي قدمت لصالح المسرح ذاته . و«دهن عود» هو أحد أنواع العطور المحلية، التي تستخدم في مناسبات كثيرة، ففي حالات الفرح تستخدم لتدل على معنى الاحتفالية ، وفي حالة الموت أيضا يتم تطييب الميت، وقد حرص أبورحيمة على الجمع بين الأمرين في نص أهدى الحب والموت في آن معاً.
يميل نص الكاتب أحمد أبو رحيمة لتحقيق حالة إنسانية يؤكد من خلالها على بعض العلاقات العالقة بين الرجل والمرأة، والتي تعود للحياة كل حين على إثر أي خلاف ينشأ بينهما، لذا يميل في هذا النص لتأكيد حضور الذكر والأنثى في المجتمعات العربية، والتي تلقي بظلالها على العلاقات النبيلة، وهنا يجب أن نشير إلى أن نص أبو رحيمة الذي أتخمه بكم كبير من الذكريات، كان محرضاً على الفعل الدرامي.. هذه الذكريات تلقفها المخرج العامري كمادة جاهزة محرضة على الفعل الفني، وبنى من خلالها الشكل الفني للعرض.
النص يقدم رؤية حياتية غاية في الشاعرية والشعرية في آن معاً، يقبض على لحظات خاصة في حياة اثنين رجل وامرأة ربما كانا زوجين، ولكنهما في حالة خاصة يتجردان من صفات كثيرة ليكونا ذكراً وأنثى، وحدهما يلتقيان على خشبة مسرح دفع بها المخرج أمتاراً إلى الأمام.
ليكون ذلك اللسان الممتد لمسافة مريحة إلى الصالة السرير الذي سيجمع ذكراً وأنثى، من دون أن يكون هناك جمع حقيقي لهما في العمل، لأن النص يبني أحداثه على ذاكرة مشتهاة، ولا يقدم حلولاً جاهزة ، فالنص يقبض على الحدث الواقعي، ويعالجه في عالم من الخيال والافتراضات والروحانيات التي تهيم على وجهها في مختلف الاتجاهات.
حلول المخرج كانت تكميلية لرؤية النص، بل تراه قام ببناء جديد على الحدث الدرامي، وبالتالي يعتبر اللسان الممتد حتى مراحل متقدمة من الخشبة شكلاً من أشكال التعاطي مع النص إبداعياً. والمعروف عن العامري أنه لا يقدم عملاً فنياً من دون أن يكون فيها رؤية غرائبية من حيث الشكل، وهذه الغرائبية الحرفية اعتمد فيها على عناصر السينوغرافيا بشقها الإبداعي من حيث اللون ولعبة الظل والنور والصوت.
وثمة تشكيلات حركية، ربما فعلها العامري كحل إخراجي ، حتى لا يقع العمل في مطب الحديث والكلام من دون أفعال مسرحية مباشرة، وهذا حل وجهد اخراجي موفق. وأخيراً، لا بد من الإشادة بسيف الغانم ممثلاً وبأشجان كأنثى حلقت في سماء العمل، واستحق الاثنان تصفيق الحاضرين وتشجيعهم على عرض أضاء أيام الشارقة المسرحية.
«ميادير» .. رائحة الهزيمة مرت من هنا
حقق المخرج المسرحي أحمد الأنصاري انتصاراً لافتاً في مسيرة الأيام المسرحية، حينما عالج نص الكاتب إسماعيل عبدالله بعنوان «ميادير» وقدمه تقديماً إبداعياً في قراءة مفعمة بالقهر وروح الهزيمة، كان النص جديراً بعرضها من خلال نماذج اجتماعية إنسانية تنتمي إلى مجتمعات مهزومة أيضاً بفعل المال والفقر والفهم الخاطئ للدين.
حين استمعت إلى قصة ولادة هذا العرض، الذي قدم تحت مظلة جمعية الشارقة للفنون الشعبية والمسرح، من قبل إسماعيل عبدالله ومرعي الحليان وأحمد الأنصاري استغربت أن يخرج للنور في وقت قياسي لا يتجاوز العشرة أيام. لا مجال للتراجع بعد الإعلان عنه، ولا وقت للتفكير بأشياء جديدة تدعم اللحظات الفنية في العرض، بل لا بد من المواجهة.
وإذا كنا نشيد بجهود الرجال في ولادة هذا العرض، فإن رغبة لدينا أن يكون هناك متسع من الوقت يسمح بتقديم عرض احتفالي بالهزيمة كهذا، ولولا اعتماد الأنصاري على طاقم فني خبير، لما أتيح لهذا العرض أن يرى النور. . لا يمكن قراءة هذا العرض بحيادية أو بمعزل عن كل إخفاقات العالم التي يعيشها العرب الآن، من جراء تورطهم في معارك الغير على أراضيهم ، لا يمكن أن تستبعد فعل السياسة.
وأنت ترى جثة جندي أميركي تقفز لضيوف البحر الخمسة، وهم يبحرون في بحر لا حدود له ،لا تستطيع ان تقف متفرجاً عادياً، وأنت تراقب هذا الكم من الرؤية المستقبلية لحالنا وحالهم وانتحارنا وحياتهم. خمسة أصدقاء .. أو هم «أعدقاء»، اجتمعوا على متن قارب تتنازعهم الأهواء، وقد أملوا ببعض صفقات غسيل الأموال التي يضمن البحر سريتها.
وحينما بدأت تفوح رائحة الفضيحة، بعد ان صار كل فرد يحكي عن أسرار الآخر، كان لا بد من دخيل جديد على العرض على حياتهم، وقد نخرها السوس من الداخل، فكيف يحدث هذا وسط البحر. المؤلف وجد ما يشحن به العرض من جديد جثة رجل تجعل القوم يختلفون حول ما يفعلونه بها، ومن بعيد يلوح الجنون، وقد بدأ يفرض إيقاعه على القسم الثاني من العرض، المتدين يطالب بدفنه شرعاً لذا يقترح أن يحمله معه في القارب، والآخرون يميلون لإلقائه أو حرقه بالماء، ولكن حينما يكتشفون أنه جثة جندي مارينز تتغير الحلول وآلية التعاطي مع الموضوع.
العرض لم يأت على سيرة إن كان أميركياً أم لا ، يبدو الخوف وقد سيطر على الموقف فقد اعتقدوا أنهم مراقبون بأقمار صناعية، حيث لن ينفع معهم أي هروب وعلى مبدأ «بيدي لا بيد عمر»، يبدأ كل واحد فيهم بالقفز من القارب والانتحار تباعاً، فيما تظل الجثة لوحدها على متن القارب.
قدم شخصيات العرض ممثلون محترفون وهم :حسن رجب ومرعي الحليان وإبراهيم سالم ومحمد إسماعيل وموسى البقيشي، وثمة ملاحظات بسيطة يمكن أن تقال جراء الاستعجال في العمل، ولكن هذا لم يؤثر على جودة العمل، وعلى نشوة النصر التي حققها في آخر أيام المهرجان.
