«يحمل المستقبل ثماراً طيبة وإنجازات مبشرة للعلاج الجيني وهو في طريقه إلى التطور» ..هكذا بادرتنا الباحثة العراقية الدكتورة لحاظ الغزالي التي تسلمت عن أفريقيا والدول العربية جائزة «لوريال - يونسكو» في حفل أقيم أخيراً بمقر اليونسكو في العاصمة الفرنسية باريس.

وتعد لحاظ الغزالي من القياديين في علم الجينات ومن الرواد في الأبحاث الجينية في المنطقة العربية، إذ عملت على نشر الوعي والمعرفة لأكثر من 17 عاما في الدول العربية، لاسيما لكثرة التزاوج بين الأقارب وظهور الأمراض الوراثية في هذه المنطقة، وتعرفت على العديد من الأمراض الجينية الجديدة، كما ساهمت في تحديد العديد من مواصفات الأمراض الوراثية على المستويين الإكلينيكي والجزيئي.

التقينا الدكتورة الغزالي أستاذة علم الجينات وطب الأطفال واستشارية علم الجينات في قسم الأطفال في كلية الطب بجامعة الإمارات، وتحدثت حول أهمية هذا العلم وأثره على مستقبل البشرية، لجهة إنقاذها من الكثير من الأمراض الوراثية.

واستهلت كلامها بالقول: «درست الطب في جامعة بغداد، واخترت الطب بالتحديد لأنني كنت متفوقة في مادتي العلوم والرياضيات. وأول ما تبادر لي عندما تخرجت من كلية الطب هو التخصص في طب الأطفال، لأنني أحب التعامل معهم، وخلال مرحلة التخصص كنت في بغداد، ولاحظت من خلال مراقبتي الأطفال الذين تحضرهم أمهاتهم إلى المستشفيات أنهم يعانون من أمراض وراثية وتشوهات وتخلف عقلي، وللأسف لم يكن هناك أحد متخصص في علم المورثات. وكان يقتصر تشخيص حالة هؤلاء الأطفال بأنهم «معاقون» أو مصابون بتشوهات».

وتتابع قائلة: «عندما كنت أسأل أهل هؤلاء الأطفال عن سبب تلك الإصابات، لم يكن على لسانهم أية إجابات لها تفسير علمي. وكانت تلك الصور تؤثر في جدا، خاصة عندما أرى الأهل يتعذبون، من دون أن يلمسوا أية حلول لأطفالهم. وشجعني ذلك للدخول في مجال علم الجينات لأعرف التفسيرات العلمية لكل تلك الأمراض الوراثية والسبب العلمي لتلك الأمراض».

التخصص في لندن

عام 1976، توجهت إلى لندن للتخصص، وبداية كان لا بد من التخصص في مجال طب الأطفال حتى يمكنني الولوج إلى علم الوراثة أو الجينات. وهكذا أكملت دراسة طب الأطفال وانتقلت بعدها إلى دراسة طب الوراثة، وتخصصت في مجال علم الجينات السريري، الذي يتمثل برؤية المرضى وتشخيص حالاتهم للوقوف عليها وتوجيه النصائح الضرورية لأهل المريض.

وللأسف لم أعد إلى العراق لمساعدة الناس هناك، وأقمت في الإمارات، ولاحظت أن المشكلات ذاتها التي كنت أراها في العراق موجودة هنا. وبدأت بدراسة حالات الأمراض الوراثية في الدولة، حتى يمكننا اكتشاف الخطأ الوراثي المسبب للحالة المرضية».

الأمراض الوراثية علاجها صعب

توضح الدكتورة لحاظ الغزالي أن أول خطوة في التشخيص محاولة معرفة الأمراض الوراثية وأعراضها، والخطوة التالية محاولة اكتشاف الخطأ الوراثي. وتقول: «اكتشفنا الكثير من الأخطاء المسببة للمرض الوراثي. وفي الوقت الحاضر نود معرفة الأمراض الوراثية ومدى تأثيرها حتى نبحث عن إمكانية لإيجاد علاج. لكن في العادة يكون علاج الأمراض الوراثية صعباً جدا، وغير موجود، ليس هنا فحسب بل في العالم كله.

وفي العادة نركز بالنسبة للطب الوراثي السريري، على الوقاية من المرض غالبا أكثر من العلاج، لأن العلاج صعب». وتؤكد د. الغزالي أنه بالوقاية وحدها يمكن أن نتفادى المرض الوراثي، وإذا عرفنا المرض الوراثي، نقوم عادة بدراسة الأحوال الصحية للأشخاص غير المصابين في العائلة الواحدة، ونحاول استكشاف ما إذا كان هؤلاء حاملين ذلك المرض الوراثي أم لا. فإذا كان أحد هؤلاء حاملاً للمرض الوراثي ويريد أن يتزوج من شخص، خصوصا من العائلة، ننصحه بإجراء فحوصات جينية، فإذا كان يحمل تلك الأمراض الجينية الوراثية، نوجه له النصح ونبين له خطورة الزواج من العائلة الواحدة.

وتقول الدكتورة الغزالي :«إن الأمراض الوراثية تبدأ من أحد الأجداد وينتقل إلى الأحفاد، ففي الدولة على سبيل المثال هناك زيجات كثيرة بين الأقارب، وهو ما يضاعف احتمال انتقال المرض الوراثي إلى الأبناء. والحقيقة أننا جميعا قد نكون حاملين لأخطاء وراثية، ولكن لا ندري عنها أي شيء لأنها موجودة عند الزوج والزوجة في الوقت ذاته. وقد يجتمع الخطأ الوراثي عند الطفل، إذا كان هناك الخطأ الوراثي ذاته لدى الزوجة والزوج. وتتعاظم احتمالات إصابة الطفل بذاك الخطأ الوراثي لدى الزوجين القريبين لأنهما ينحدران من جد واحد».

30 ألف جينة

تقول الدكتورة لحاظ: «إن العلماء أحصوا وجود 30 ألف جينة في جسم الإنسان، طبقاً للخارطة الوراثية. ولكن لا أستطيع إعطاءك رقماً دقيقاً حول عدد الجينات الحاملة للأمراض الآن. وأكرر القول إن إيجاد أدوية لعلاج الجينات الحاملة للأمراض الوراثية مسألة بالغة الصعوبة حتى الآن. أما الطريقة التي يجدون بها علاجا في الوقت الحاضر، والتي يسمونها «جين ثربي» أو علاج المورثات، لا تخلو من مشكلات مثل السرطان، فهناك الكثير من الأطفال الذين يخضعون لعلاج المورثات قد توفوا.. ولكن العلماء يحاولون الآن إيجاد طرق أخرى للعلاج».

نظام لتسجيل التشوهات لدى المواليد

تتحدث الدكتورة لحاظ الغزالي عن «السكري» الذي تدخل فيه عوامل وراثية عدة وأخرى تتعلق بالمحيط مثل نوعية الطعام والكسل وعدم القيام بتدريبات رياضية. وتشير إلى أنها أسست نظاما جديداً لتسجيل حالات التشوهات عند حديثي الولادة في الدولة وهو يعد الأول من نوعه في الوطن العربي ومنح عضوية المركز الدولي للأمراض الجينية في روما.

وتقول د. الغزالي إنها ساهمت في تعريف أكثر من 15 جينا متنحيا وفي إيجاد 7 خرائط جينية لأمراض مختلفة، وقدمت معلومات مهمة عن المواصفات الإكلينيكية وتاريخ العديد من الأمراض الوراثية، فسمي اثنان من هذه الأمراض باسمها تكريما لها.

جائزة «لوريال ـ يونسكو»

الدكتورة لحاظ الغزالي واحدة من السيدات الخمس الحاصلات على جائزة لوريال يونسكو « من أجل المرأة والعلم» لعام 2008، وقد استقبلهن أخيراً في قصر الإليزيه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، حرصاً منه على تكريم المرأة في أعلى المستويات العلمية، ولأهمية تشجيع المرأة على العمل في مجال العلوم والبحث العلمي. وكانت لجنة رفيعة المستوى يترأسها علماء حائزون على جائزة نوبل اختارت الفائزات، وأصبحن سفيرات يقتدى بهن في مجال البحث العلمي.

دبي ـ محمد نبيل سبرطلي