من اللحظة الأولى وحتى الختام، تابع الجمهور في قاعة مسرح «قصر الإمارات» باليه «بحيرة البجع» لفرقة البولشوي الروسية الشهيرة، وهم في أعلى حالات التركيز والاستمتاع والإعجاب. هذا العرض العالمي المبهر أقيم الليلة قبل الماضية في إطار فعاليات مهرجان أبوظبي الخامس للموسيقى والفنون، بحضور معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وعدد كبير من المسؤولين والسفراء وأعضاء السلك الدبلوماسي في الدول، وحشد من عشاق فن الباليه.

وجاء الأداء الشيق لفناني فرقة البولشوي، بكل ما قدموه من حركات راقصة، دليلاً على حرفية منقطعة النظير، تميز فيها أعرق مسرح في أوروبا، فالعرض أحيط بديكور فخم يتناسب والقصة، ترجمت بموسيقى بيتر إليتش تشايكوفسكي، الذي كان قد كتبها في العام 1875، وعندما شهد التمارين الأولى قال لأخيه: «من الممتع مشاهدة الراقصين والراقصات في المستقبل، يتطلعون لإمكانية الدوران والالتفاف، والقفز». والآن بعد مرور زمن طويل على عرض «بحيرة البجع» للمرة الأولى، قاد بافيل سوروكين أوركسترا البولوشي التي تعد أقدم أوركسترا في العالم كونها تأسست في العام 1776.

وكما كانت يداه تتحركان بخفة ساحر، كان الراقصون والراقصات على المسرح يؤدون العرض، بخفة حتى يخيل للمشاهد أنهم يحلقون في فضاء ما أو أن الراقصات تحولن فجأة إلى بجعات، حتى بات العرض كله أشبه بلوحات بصرية تتغير بتغير الدقائق، وساعد على ذلك الإضاءة المسلطة على أجساد الراقصين. سيغفريد بين «أوديل» و«أوديت».

توزع العرض على فصلين يوحي المشهد في بداية الفصل الأول، بالحزن الوشيك الحدوث، غير أن الحال يتغير، عندما نجد أنفسنا في قلعة قديمة، حيث يحتفل الأمير سيغفريد ببلوغه سن الرشد، تقدم أمه التهنئة، وأصدقاؤه، ورجالات البلاط، ويتوج ملكاً في موسيقى مهيبة، تحيط به الفتيات، فيتجاهلهن لحلمه بحب نقي ومثالي.. وعند مغادرة الضيوف يبقى سيغفريد وحده في الغسق الداهم، ويرى ظلاً بجانبه، إنه المصير العبقري والشرير، فتطغى على قلبه الكآبة أثناء حلمه بالحب المثالي.

وفي المشهد الثاني من هذه القصة الأسطورية، يجد سيغفريد نفسه بعد أن أغواه القدر، أمام بحيرة غامضة، يرى في ضوء القمر، بضع بجعات من بينهن أوديت، التي يعتقد أنها أجمل من شاهد في حياته، وأنها حبه المثالي لذلك يقسم أن يكون مخلصاً لها للأبد.

وفي المشهد الثالث من الفصل الثاني، تخبره أمه اختيار زوجة من الفتيات الموجودات في القلعة، لكن صورة أوديت كانت مستحوذة عليه، و رقصه مع الفتيات كان من دون طائل. فجأة يصل القصر فارس غريب مع فتاة ساحرة الجمال وبضع بجعات سوداء، إنه القدر وابنته أوديل التي تبدو في عين سيغفريد مثل أوديت تماماً، يهرع نحو «أوديل» وقد أدهشه الشبه الكبير بينهما، وكان هذا ما خطط له القدر لاختبار قوة حبه، يدرك سيغفريد خطأه فيسرع يائساً خلف صورة أوديت.

ويعود سيغفريد في المشهد الرابع والأخير، إلى البحيرة في الليل ليطلب الغفران، لكن في الوقت الذي تسامحه، يرسل القدر عاصفة قوية تجبرهما على الفراق، لم يعد سيغفريد المنهك، قادراً على الاحتفاظ بصورة أوديت، وعند بزوغ الفجر، يصبح وحيداً مرة أخرى على شاطئ بحيرة أحلامه المفقودة.

أبوظبي ـ عبير يونس