مدينة بعلبك.. من أحب الوجهات السياحية إلى قلوب السائحين الذين يفدون على لبنان ليس فقط لما تتمتع به من أثار ومزارات سياحية وتاريخية وثقافية، بل من أجل ما تزخر به من مطاعم وفنادق توفر لكل من يزورها ضالته بعد أن يحتسي جرعة ثقافية وحضارية وتاريخية مشبعة من أقدم المدن اللبنانية.

تقع بعلبك على بعد 85 كيلومتراً إلى الشرق من بيروت فوق أعلى مرتفعات سهل البقاع، وعلى مفترق عدد من طرق القوافل القديمة التي كانت تصل ساحل البحر المتوسط بالبر الشامي وشمال سوريا بفلسطين. وقد استفادت عبر تاريخها الطويل من هذا الموقع المميز لتصبح محطة تجارية هامة ومزاراً دينياً مرموقاً. وبعد أن ملك الرومان المنطقة في أواسط القرن الأول ق.م. أنشأ الإمبراطور «أوغسطس» مستعمرتي بيروت وبعلبك عام 15 ق.م. ونظراً لأهمية المدينة على الصعيدين الاقتصادي والديني، أسس أوغسطس لمشروع عظيم يجعل من بعلبك واجهة دعائية تبرز صورة روما وعظمتها وقدرتها بين صفوف التجار والحجاج الذين يقصدونها فينشرون تلك الصورة في أوطانهم.

كان ذلك جزءاً من سياسة الدولة في ترسيخ السيطرة الرومانية على المنطقة. وكان من أبرز نتائج تلك السياسة أن ارتفعت معابد بعلبك العملاقة التي يمكن اعتبارها من عجائب العالم القديم، لاسيما وأن العمل فيها استمر زهاء نيف وثلاثة قرون من الزمن وتعاقب على تحقيقه وتمويله عدد لا يستهان به من كبار أباطرة الرومان.

وتكتسي معابد بعلبك الصبغة المعمارية الرومانية من حيث الشكل والزخارف. ومع ذلك هناك بعض السمات المحلية، لاسيما وأن الرومان كانوا يحرصون على عدم استعداء السكان المحليين في المسائل الدينية. ف«جوبيتر» الروماني لم يكن أكثر من غلاف لـ «حدد»، رب الرعود والبروق المحلي، و«الزهراء» الرومانية لم تكن إلا وجهاً من أوجه الآلهة الأم السورية، وكذلك «عطارد» الذي لم يكن إلا صورة لإله بعلبكي شاب كان يهيمن على الزروع والقطعان التي كانت تشكل ثروة بعلبك في تلك الأيام.

رحلة تاريخية

عملت عوامل الطبيعة والبشر عملها في معابد بعلبك، وتعرضت للزلازل والتخريب والتجوير طيلة القرون الوسطى والعصور الحديثة، غير أنها ظلت تستوقف الرحالة والزوار وتثير الإعجاب وتغذي الأساطير. ولم تخرج هياكلها من سباتها إلا في عام 1898، عندما زارها «غليوم الثاني» إمبراطور ألماني ووجه إليها، بموافقة الدولة العثمانية، بعثة علمية عملت على إجراء مسح علمي شامل فيها.

بالإضافة إلى بعض أعمال الحفر والترميم. ثم قام المهندسون والأثريون الفرنسيون بمتابعة هذه الأعمال طيلة فترة الانتداب الفرنسي على لبنان، وهي أعمال لا تزال المديرية العامة للآثار اللبنانية تقوم بها منذ تاريخ نيل لبنان الاستقلال وحتى اليوم.

أقيمت معابد بعلبك على تل أثري يعود إلى أواخر الألف الثالث ق.م. على الأقل، وعلى الرغم من الغموض الذي يشوب تاريخ الموقع، بسبب عدم إجراء الحفريات التي توضح تعاقب المستويات السكنية التي يتألف منها التل، فإنه يكاد يكون من المؤكد أن قمة التل أعدت في غضون الألف الأول ق.م.

في غضون الحقبة الإغريقية التي أعقبت فتوحات «الاسكندر» (333 ـ 64 ق.م.)، وبدفع من بطالسة مصر الذين ملكوا المدينة فترة من الزمن، تأثرت عبادات بعلبك بتأثيرات اللاهوت الشمسي الذي كانت مدينة «هليوبوليس» المصرية عاصمته التاريخية، فاصطبغت آلهتها بصفات شمسية وتحول اسمها إلى «هيليوبوليس» أو «مدينة (الإله) الشمس».

وجرى آنذاك تعديل على مخطط «المشرف» من خلال توسيع الحرم القديم وإنشاء دكة عند طرفه الغربي بهدف إقامة هيكل على الطراز الإغريقي فوقها. بيد أن هذا الهيكل لم يبصر النور. ولا تزال بعض البنايات العمائرية التي تم الكشف عنها تنبئ ببعض جوانب هذا المشروع.

بدأ العمل في بناء الهيكل الكبير في أيام الإمبراطور «أوغسطس» في أواخر القرن الأول ق.م. وكان الانتهاء منه في أواخر عهد الإمبراطور «نيرون» (37 ـ 68 ب.م.) أما البهو الكبير، بأروقته وإيواناته ومذابحه وأحواضه، فقد بدأ العمل فيه وانتهى في غضون القرن الثاني ب.م. وقد شهد القرن الثاني أيضاً بدء العمل ببناء الهيكل الصغير المنسوب إلى الإله «باخوس». أما القرن الثالث، وفي عهد الأسرة الساويرية (193 ـ 235 ب.م.) على وجه التحديد، فقد شهد إقامة الرواق المقدم والبهو المسدس. ويبدو أن الأعمال الأساسية التي تناولت هذين الصرحين، وكذلك الهيكل المستدير المنسوب إلى «الزهرة»، قد تم إنجازها في أواسط نفس القرن.

بيد أن جميع أعمال الزخرف والنقش وغيرها من الترتيبات الثانوية لم تكن بعد قد انتهت في بدايات القرن الرابع عندما قام الإمبراطور «قسطنطين» الكبير بإعلان مرسوم «ميلانو» الشهير عام 313 الذي اعترف بالمسيحية ديانة رسمية في الدولة، فتعطل العمل في معابد بعلبك، بعد مرور أكثر من ثلاثة قرون على البدء به.

وما أن شارف القرن الرابع على الانتهاء حتى كان الإمبراطور «ثيودوسيوس» يغلق المعابد ويدمر مذابحها التي كانت تعتبر أقدس مقدساتها، ويقيم على أنقاضها، في وسط البهو الكبير، كنيسة عظيمة، لا تزال آثار محاريبها محفورة في الدرج المؤدي إلى الهيكل الكبير، وقد كانت في حينه تتجه صوب الغرب.

وعلى أثر الفتح العربي عام 363 م. تحولت هياكل المدينة إلى «قلعة» وهو الاسم الذي ما زالت تحمله حتى اليوم. وتوالى الزمن على بعلبك، فانتقلت من يد الأمويين إلى العباسيين فالطولونيين والفاطميين والأيوبيين إلى أن نهبها المغول واستردها منهم المماليك عام 1260، فعرفت في أيامهم فترة عز ورخاء.

آثار بعلبك

يتألف مجمع بعلبك الديني من ثلاثة صروح رئيسية هي: معبد «جوبيتر» الكبير والمعبد الصغير المنسوب إلى «باخوس» والمعبد المستدير المنسوب إلى «الزهرة». وهناك بقايا معبد رئيسي رابع كان يقوم فوق تلة «الشيخ عبد الله» إلى الجنوب من المدينة.

معبد «جوبيتر»

قد تكون صورة أعمدة بعلبك الستة من بين أكثر الصور رسوخاً في الأذهان. فهذه الأعمدة التي يبلغ ارتفاع كل منها 22 متراً، بما في ذلك قواعدها وتيجانها، تعطي فكرة عن الهيكل الذي كانت تشكل جزءاً من رواقه الخارجي.

كان المعبد الكبير مكرساً لعبادة الثالوث البعلبكي في صيغته العلنية التي لم تكن ممنوعة على أحد. وكان هذا المجمع الضخم يتألف من أربعة أقسام رئيسية هي: الرواق المقدم، وكان يشكل المدخل العمائري، يليه البهو المسدس، فالبهو الكبير فالهيكل.

يتألف الرواق المقدم من بنية أشبه ما تكون ببوابة محصنة أقيم على طرفيها برجان يصل بينهما رواق يرتكز على صف من اثني عشر عموداً من الغرانيت، وأمامهما درج عظيم تحيط به بنية نصف دائرية ذات مقاعد حجرية كانت معدة لإقامة بعض الاحتفالات التمهيدية. وكان هذا الرواق مزيناً بالتماثيل وكان في جداره الداخلي ثلاثة أبواب، بينها أدراج لولبية يصعد منها إلى سقف الرواق والبهو المسدس الذي يليه.

تفضي أبواب الرواق المقدم الثلاثة إلى البهو المسدس، وهو فناء مكشوف للشمس تحيط به ستة أروقة ترتكز على ثلاثين عموداً من الجرانيت. وفي نهاية القرن الرابع أو بداية القرن الخامس، سقف البهو بقبة نحاسية مطلية بالذهب بعد تحويله إلى كنيسة. ويستفاد من بعض المصادر أن هذه القبة قد اقتلعت من موضعها ونقلت إلى بيت المقدس لتنصب على الصخرة.

أما البهو الكبير فيبلغ طوله 134 متراً وعرضه 112 متراً ويحتوي أهم البنى الدينية وأقدسها وقد حل في غضون القرن الثاني محل المشارف التي أقيمت في الموضع عينه في الفترات السابقة. ونظراً لكونه يقوم على تل اصطناعي يمثل تراكم المستويات السكنية التي تعاقبت في الموقع، فقد عمد المهندسون إلى تدعيمه مخافة أن ينهار بعض أجزائه أو ينزلق بعضها الآخر تحت وطأة الأثقال التي كان من المفترض أن يحتملها.

وتمثلت عملية التدعيم هذه بإقامة أقبية ضخمة لحصر جوانبه الشرقية والشمالية والجنوبية، فيما كانت دكة الهيكل تحصره من الجهة الغربية. وبالإضافة إلى وظيفتها هذه، كان من شأن تلك الأقبية أن تستعمل كممرات سفلية ومستودعات وإسطبلات، فيما استعمل ظهرها لحمل الأروقة والإيوانات المحيطة بالبهو. ويبلغ عدد هذه الإيوانات اثني عشر إيواناً، أربعة منها على شكل نصف دائرة وثمانية على هيئة مستطيل، وجميعها مزين بمشكاوات كانت مأهولة بالتماثيل.

وترتفع في وسط البهو الكبير بنايتان رئيسيتان، إحداهما تتمثل بالمذبح، وهي الأقرب إلى الهيكل، فيما تتمثل الأخرى ببرج ضخم لم يبق منه إلا بعض مداميكه السفلى. ويشكل هذا البرج أقدم أبنية البهو عهداً، إذ أنه يعود إلى النصف الأول من القرن الأول، أي إلى الفترة التي كان يجري فيها بناء الهيكل الكبير.

ويبدو أنه كان بمثابة منصة عملاقة يرتقيها الحجاج لأداء بعض الفرائض أو لمشاهدة ما يجري حولهم من طقوس. ويقوم على جانبي البرج عمودان منفردان، أحدهما من الغرانيت الأحمر والآخر من الغرانيت الرمادي.

ويحيط بالبرج والمذبح الذي يليه حوضان خصصا لمياه التبريك والوضوء. وقد دمرت هذه المعالم في نهاية القرن الرابع لتقوم مكانها كنيسة الإمبراطور «ثيودوسيوس».

عدا اجتياز الرواق المقدم والبهو المسدس والبهو الكبير، يجد الزائر نفسه عند أعتاب الهيكل الكبير، وقد وصله بعد اجتياز عدد من المراحل التي كانت تفرضها أصول العبادات السامية القديمة. ويبلغ طول الهيكل 88 متراً وعرضه 48 متراً، وكان يقوم على دكة عظيمة يبلغ ارتفاعها 20 متراً فوق أرض المدينة الرومانية المجاورة وسبعة أمتار فوق أرضية البهو، وقد بنيت بحجارة ضخمة، من بينها ثلاثة أحجار في حائطها الغربي وقد ذاعت شهرتها منذ القدم. ويبلغ طول الواحد من هذه الحجارة 20 متراً وعلوه 4 أمتار وسماكته 3 أمتار.

ويصعد إلى الهيكل بدرج عظيم ذي ثلاث مساطب. وكان يحيط به رواق من أربعة وخمسين عموداً يعلوها إفريز مزخرف تزينه رؤوس الثيران والأسود، أو هيكل «باخوس»، بمحاذاة الهيكل الكبير يقوم هيكل آخر بني في غضون القرن الثاني ب.م. ويمتاز بكونه من أفضل الهياكل الرومانية حفظاً ومن أبدعها نقشاً وزخرفاً على الإطلاق.

ويرتفع الهيكل على دكة يبلغ ارتفاعها خمسة أمتار ويصعد إليه بدرج عظيم يتألف من ثلاث وثلاثين درجة.

وبعكس المعبد الكبير الذي كان مكرساً لعبادة الثالوث البعلبكي من خلال إقامة الشعائر العامة والعلنية، فإن الهيكل الصغير كان مكرساً لإقامة بعض الطقوس المسارية التي لا يشترك فيها إلا المسارون الذين تفقهوا في الأسرار. وكانت هذه الطقوس والعبادات تتمحور حول إله بعلبك الشاب الذي كان يشرف على نمو النبات والقطعان حسب المعتقدات العتيقة السائدة في ذاك الوقت.

ولما كانت قد أسبغت عليه من ثم صفات شمسية، فإن عبادته كطفل إلهي في كنف الثالوث البعلبكي قد ارتبطت ارتباطاً وثيقاً في أذهان المؤمنين بمسألة الولادة والنمو والذبول والموت مع الأمل ببلوغ حياة أخرى. وكانت الطقوس تتضمن في ما تتضمن تناول بعض المخدرات، كالخمرة والأفيون، لتمكين المؤمنين من بلوغ النشوة المقدسة.

وهذا ما يفسر وجود نقوش تمثل الكرمة وسنابل القمح وعناقيد العنب وجراء الخشخاش وبعض المشاهد المستوحاة من حلقات النشوة على بوابة الهيكل وفي داخله، الأمر الذي حدا ببعضهم لأن ينسبوا هذا الهيكل إلى الإله «باخوس».

وعند زاوية الهيكل الجنوبية الشرقية برج من عصر المماليك، وقد بني في القرن الخامس عشر ليكون مقراً لنواب السلطنة في بعلبك، ولا يزال الهيكل والبرج الملاصق له يعرفان حتى اليوم ب«دار السعادة»، أو هيكل «الزهرة».

إلى الجنوب الشرقي من «القلعة» يقوم هيكل صغير مستدير لا مثيل له لتصميمه في جميع أنحاء العالم الروماني على الإطلاق، وقد بني في غضون القرن الثالث. وكان هذا الهيكل مكرساً لتكريم الألهة التي تمثل مدينة بعلبك وتشفع بها أمام آلهة المدينة العظام.

وهذا ما يفسر توجيه المعبد باتجاه المعبد الكبير وتحويله في العصر البيزنطي إلى كنيسة على اسم القديسة «بربارة» التي تعتبر شفيعة المدينة، وتقول التقاليد المحلية فيها إنها ولدت واستشهدت في بعلبك. ولا يزال أهالي بعلبك يطلقون اسم «البربارة» على هذا الهيكل حتى اليوم. وعلى مقربة من هذا الهيكل، بقايا هيكل آخر يرجع تاريخه إلى بدايات القرن الأول ب.م.، وكان مكرساً لعبادة آلهة الفنون والآداب.

إعداد: أشرف رفيق