المسرح.. مسارح، كما أن الجمهور جماهير، ولعله لكل مسرح جمهوره أو لكل جمهور مسرحه، من هذه البديهيات نريد أن نتساءل.. هل يمكن للمسرح كما للفنون الأخرى عدم التأثر بغياب الجمهور؟ وهل يستقيم الوجود المسرحي خارج دائرة الاتصال الحي والمباشر دون أي وسيط؟
بمعنى آخر، ماذا يكون المسرح من دون التفاعل الفاعل بين المرسل والمتلقي.. بل هل يتحقق الهدف الأعلى من الوجود المسرحي بغياب قطب من قطبي اللعبة المسرحية.. ألا يتحول فعل المرسل إلى أمر عبثي في غياب المتلقي.. وكيف يمكن الحديث عن وجود مسرحي مؤثر في انعدام التأثير والتأثر والتآثر؟
إن المسرح منذ الأزل كان وسيبقى فن الجماهير، ولعل مدلول كلمة مسرح لا يمكن أن يتم إلا إذا شاهد ذلك المسرح «المشهد» مشاهد.
إن المسرح لقاء، احتشادي، احتفالي، طقسي، بين المواطن، الفنان، المرسل، وبين المواطن المشاهد المتلقي.
يتم اللقاء حول المواطنة تأملاً فكرياً عبر صياغة جمالية بقدر ما تمتع وتؤنس، هي حوار وتعبير عن مواقف تجاه الواقع لنحت المصير المشترك عبر قناة الاتصال والتواصل الحي الحميمي، بيني وبينك، أنا وأنت الآن. وهنا تلد هي لحظة المسرحة أو التمسرح فهل هناك مسرح بلا مسرحة؟
إن الطرح الفكري والصياغة الدرامية والمعالجة الجمالية، وكل ما يتصل بوسائل ووسائط الإبلاغ والتبليغ. يبقى أمراً لا معنى له كتابة أدبية كان أو كتابة مسرحية.. أداءً وتعبيراً درامياً سمعياً أو بصرياً صوتياً أو حركياً في الاستخدامات المتعددة لمكونات الشيفرة، ومقومات الخطاب الجمالي ما لم يرسل المرسلون مجتمعين رسائلهم إلى من يفكون رموز «الشيفرة»، بما لديهم من تربية فنية وحس جمالي ووعي فكري تتيح لهم إمكانية ولوج عالم «الشيفرة» الفنية.
كما نحرص على تكوين المرسل بصفة مستمرة وكما نحرص على إتقانه خطابه الفني بحيث يحقق المتعة على الصعيدين الحسي والفكري، يجب أن نحرص وأن نعنى بتكوين الجمهور المسرحي بل يجب أن نؤسس لوجود جمهور مسرحي أو لنقل جماهير مسرحية لمسارحنا التي أصبحت تصرخ في واد غير ذي زرع ولا مجيب.
لا يمكن ادعاء نهضة مسرحية أو حتى وجود مسرحي بمعناه ومبتغاه إلا إذا كان لمسرحنا جمهوره.. جمهوره بمعنى الوفاء والانتماء والميل والرغبة والإحساس بالضرورة المسرحية، ومنها الحاجة إلى المسرح وبالتالي التقاليد المسرحية.
مخرج مسرحي تونسي
