في خضم المخاض العسير، الذي مر به «وول ستريت» والذي جعل العالم يقف مشدوهاً، حابسا أنفاسه راحت المشكلة التي دكت أكبر معقل اقتصادي في العالم، تمتد إلى ما وراء حدود المناطق التي منيت بأفدح الخسائر من الانفجار الذي أصاب القطاع العقاري، مثل كاليفورنيا، وفلوريدا ونيفادا، وراحت تداعياته تتسلل بعمق لتصيب مناطق جديدة من الولايات المتحدة لتنخر في السلع التي كانت تبدو عصية منذ شهور مضت.

وقال تقرير لصحيفة «انترناشونال هيرالدترييون» في وصفه للحال المزرية التي وصل إليها الاقتصاد الأميركي، إن توسع رقعة التباطؤ الاقتصادي، المتمثل في انهيار أسعار المنازل، وما هو أقرب إلى الشلل في النظام المالي، غدت مخاوف من أن ما يعتبره الاقتصاديون الآن، كساداً حتمياً، قد ينتهي نهاية مؤلمة، وهذه بالتأكيد أخبار مفجعة للاقتصاد العالمي، الذي يعول في العادة، على المستهلك الأميركي في شراء الالكترونيات اليابانية ويخشى بعض الخبراء الاقتصاديين، من أن يعمر هذا الركود.

فترة طويلة، ويلحق الضرر بالعمال، ورجال الأعمال، أكثر من كسادين سابقين، شلا الاقتصاد الأميركي عام 2001، لثمانية أشهر بين عام 1990 و 1991 ويقول هؤلاء الخبراء، هذه المرة، إن كسادا يخبو فيه النشاط الاقتصادي، على امتداد فترة زمنية طويلة، ويزداد فيه معدل البطالة على نطاق واسع، قد تترسخ جذوره أكثر عمقاً في القادم.

وفي هذا الصدد، قال «مارك زاندي» كبير الخبراء الاقتصاديين في موديز ايكونومي دوت كوم «إنه من غير الصعب رسم سيناريو كئيب، خصوصاً في وضع ساد فيه الارتباك النظام المالي، وليس هناك بارقة أمل في إعادة ترتيبه من جديد». وأضافت الصحيفة، أن هناك أجزاء في الولايات المتحدة، مازال الحديث فيها عن كساد، خارج نطاق البحث.

فمازالت كبائن الدرجة الأولى في الطائرات مكتظة، وكذلك النوادي الرياضية وبوتيكات ملابس الأطفال، ومبيعات الألبسة، فيما ظلت البطالة، نسبياً دون مستوى 8. 4 في المئة لكن بالرغم من جهود البنك الاتحادي الفيدرالي غير العادية، للحيلولة دون انتشار انهيار «بيرستيرنز» إلى مؤسسات مالية أخرى، فإن الخطر مازال ماثلا من احتمال إقدام البنوك علي التشدد في تقديم تمويلاتها، وإفراغ الاقتصاد من الرساميل.

وفي هذا النطاق، قال «مايكل داردا» كبير الاقتصاديين في «إم كي ام بارتنرز»، إن غياب الثقة بين المقرضين والمقترضين، سيؤدي إلى انقطاع الصلة، مضيفاً بأن ذلك «ما هو حاصل الآن». وكان «داردا» من بين آخرين ولوقت قريب، يتشبث بالفكرة القائلة، إن الولايات المتحدة قادرة على استحداث فرص كافية، للإبقاء على دوران عجلة الاقتصاد، غير أن القطاع الخاص، واصل تخلصه من الوظائف على امتداد ثلاثة شهور متوالية، مما زرع اليأس في صدر «داردا».

الذي عبر عن ذلك قائلا: «سنكون محظوظين بالخروج من هذا المأزق، دون الوقوع فيما يبدو أنه كساد». وكانت «فيديكس» التي تميل عمليات توصيلها العالمية، حسب اتجاه الاقتصاد، صعوداً أو هبوطاً، ذكرت أن أرباحها انخفضت فعليا في الولايات المتحدة محذرة من أنها تتوقع مزيداً من الانخفاض في شهور قادمة دون أرباحها المضادة التي لا تقل عن خانتين.

وأشار «ألان جراف» كبير المسؤولين الماليين في «فيديكس» إلى أنها لا تتوقع تحقيق ذلك «فالجو غائم بالنسبة للجميع هنا» وعلى الصعيد ذاته قالت «هيرالدتربيون» إن هناك جيوباً من الازدهار مازالت قائمة في البلاد.

فالمزارعون ينعمون بأسعار قياسية لغلالهم، مع اعتماد الايثانول وسيلة لتعبئة خزانات الوقود، وفي ضوء رفع الدخول في الصين والهند وغير مكان، للطلب على اللحوم. هذا إلى جانب أن الدولار الضعيف يساعد المصدرين، وتجار التجزئة الذين يغازلون السياح الأجانب.

ومن ناحيتها قالت «إيسترن ماونتن سبورتس» شركة الألبسة الخارجية، إن مبيعاتها ازدادت بنحو الثلث هذا الشهر، مقارنة مع السنة التي سبقها في مخازنها في نيويورك، مرجعة ذلك إلى قدوم الأوروبيين. وأكدت الصحيفة أن تلك المناطق التي عانت من الركود يمكنها الإفادة من المساعدة القادمة في الطريق، حسبما قال اقتصاديون، حيث إن تأثيرات خفض أسعار الفائدة ستظهر في وقت لاحق من العام، مشجعة التجار على التوسع والاستئجار.

كما أن شيكات الفوائد المرتجعة التي سترسل بالبريد، من قبل الحكومة ربيع هذا العام، قد تحرك الإنفاق أيضاً وبالرغم من المخاوف، من زيادة احتمالات الركود الحاد، فإن «زاندي» مازال يميل إلى الإجماع القائل بأن الاقتصاد قد يشهد انكماشاً محدوداً، خلال النصف الأول من العام الجاري 2008، ثم لا يلبث أن يسترد عافيته متوسعاً مع ضخ المزيد من الأموال في شرايينه ومن شأن ذلك أن يحد من أضرار ذلك النوع من الكساد المحدود الذي ضرب الاقتصاد في وقت سابق من العقد.

وبالنسبة للولايات المتحدة ككل، فإن البيانات الأخيرة تشير إلى أن الاقتصاد يتردى بوتيرة متسارعة، فمن سبتمبر إلى يناير انخفض معدل أسعار المساكن، بنسبة 6%، مقارنة بعام سابق. أما الثقة الاستهلاكية فحدث ولا حرج، فهي في تراجع، فالقطاع الخاص ألغى 26 ألف وظيفة في شهر يناير، أتبعها بنحو 151 ألف وظيفة في شهر فبراير، في حين استمر غير العاملين في بطالتهم، وفقاً لإحصائيات وزارة العمل.

والآن راح الشعور بالضيق يتسرب إلى مدن وبلدات كانت حتى وقت أخير تبدو بعيدة عن متناول اليد، فسوق العقارات في سياتل أخذت تتباطأ، لكن الأسعار ظلت نسبياً على ثباتها، لكن رغم ذلك فإن المبيعات في «باسفيك سابلاي» شركة أجهزة الكمبيوتر في ضاحية كابيتول هيل، تراجعت ما بين 5 ـ 10% في الأشهر القليلة الماضية، الأمر الذي دعا مايكل جو المدير العام للمتجر إلى القول إن ثمة إحساساً عاماً بالحذر.

وعلى النطاق ذاته فإن تركيز سيسترز التي تبيع الهدايا كالصابون والشوكولاته إلى محلات ومتاجر في نورث ويست باسفيك، في الولايات المتحدة، شهدت انخفاضاً في طلبياتها في الأشهر الأخيرة بحدود الخمس، حسبما قال تيم كرفلنغ الشريك الثاني للمتاجر. وفي أكلاهوما سيتي خسرت «آنت بتباتس كيترنغ» خُمس عملياتها التجارية في الشهرين الماضيين، نظراً لخفض حفلات الزفاف التي تبلغ 25 ألف دولار إلى احتفالات أقل كلفة.

وفي نورث كارولينا زادت «باور كيربرز» التي تصنّع المعدات التي تحّول الإسمنت المسلح إلى أفاريز، من صادراتها إلى الخارج، غير أن المبيعات المحلية تدنت بمقياس الربع، خلال الشهرين الأوليين من العام، حسبما قال ادابك مسنجر، رئيس الشركة، وكانت في منتصف شهر فبراير سرحت ستة من بين 80 عاملاً في مصنعها بالقرب من كارولينا.

ومن جهة أخرى توقع كثير من المحللين الاقتصاديين أن يتراجع الإنفاق الاستهلاكي الإجمالي خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام. وفي سياق متصل قالت صحيفة «هيرالدتربيون» إن ما يتكون على شاكلة مرحلة الكساد الثانية من عام 2000، هو نتاج انهيار في قمم المساكن التي تلعب دوراً مؤثراً للغاية في التحويلات الشخصية للأميركيين، أكثر من سوق الأسهم، فقد استدان الأفراد مقابل القيم المتزايدة لعقاراتهم، لشراء سيارات وإرسال أبنائهم إلي الجامعات.

وكما يحاول الخبراء الاقتصاديون تقييم المحيط الذي يرتسم خلال الركود المطل برأسه، فإن كثيرين يرون تماثلاً مع تساوي 1990 و1991. فقد كان الدولار حينذاك ضعيفاً كما هو الحال الآن، وبدأت المتاعب مع انحدار شديد في أسعار المساكن، أعقبته خسائر جسيمة لمقرضي الرهن.

وقد أدت أزمة المدخرات والقروض إلى طفرة شراء كلفت دافعي الضرائب 240 مليار دولار، في شروط تعديلات تضخمية، وقادت إلى انكماش حاد في الائتمان، واستمر الركود ثمانية أشهر أقل بقليل من معدل الركود الذي يعود إلى عام 1946، وفقاً للمكتب الوطني للدراسات الاقتصادية.

غير أن الركود هذه المرة قد يدوم فترة أطول، طبقاً لبعض الاقتصاديين، نظراً لأن القوى المتكالبة هذه المرة أشد بأساً من مقاومتها، بالرغم من أن واشنطن كانت أكثر نشاطاً واستباقاً في خفض أسعار الفائدة، وإعادة شيكات الضرائب واتخاذ إجراءات لكبح التراجع الاقتصادي.

الشركات الكبرى تبحث عن مكاسب وسط ركام الانهيارات

ترى الشركات الكبرى في وول ستريت والتي هزها انهيار أسواق الرهن العقاري والأزمة الائتمانية فرصا سانحة لتحقيق مكاسب وسط ما خلفته الأزمة من ركام. فقد أعلنت بنوك الاستثمار جولدمان ساكس ومورجان ستانلي وليمان براذرز عن انخفاض حاد في الأرباح الفصلية الأسبوع الماضي بسبب الأزمة الائتمانية التي قلصت قيمة مجموعة متزايدة من الاستثمارات في الرهون العقارية وقروض الشركات وغيرها من الأصول.

وفي حين حذر المديرون الماليون لهذه المؤسسات من أن الأسواق ستظل متقلبة لفترة من الوقت فقد شددوا على أن القوى التي تعمل على بقاء الأسعار منخفضة لن تدوم. وقال ديفيد فينير المدير المالي لدى جولدمان في مؤتمر بالهاتف مع المستثمرين «السوق تسعر الكثير من الأصول عند مستويات أقل كثيرا من المستويات التي تنبع من أسلوب التقييم وفقا للعوامل الأساسية.

وقال إن السبب يرجع إلى عوامل فنية ستنحسر في نهاية الأمر. وأضاف إذا شاهدنا فرصا طيبة فسنستغلها بكل تأكيد. لكنه امتنع عن الخوض في التفاصيل. وأدت النهاية المفاجئة لازدهار سوق الإسكان في الولايات المتحدة العام الماضي الى انسحاب المستثمرين من الكثير من أسواق الدين. واضطر أصحاب الرهون العقارية عالية المخاطر والقروض التي تمت بها صفقات اشترى فيها مستثمرون حصص شركائهم في شركات وكذلك أدوات الدين الجديدة الغريبة الى خفض قيمة تلك الأصول لانخفاض عدد المشترين وتراجع الاهتمام بها.

وقد تبخرت استثمارات تبلغ نحو 200 مليار دولار من بنوك على مستوى العالم الأمر الذي أدى إلى انخفاض أرباح البعض واضطر آخرون مثل بنك الاستثمار بير ستيرنز الى الاستسلام. وكذلك سعت بنوك وول ستريت الى إتباع سياسات متحفظة ودفاعية من خلال الاحتفاظ بالسيولة. ومع ذلك فان الرسالة القادمة من المديرين الماليين في وول ستريت تشير الى أن هذه البنوك مستعدة للمغامرة.

وقالت ايرين ارتشر محللة الأسهم المالية لدى ثرايفانت فاينانشال التي تدير استثمارات قدرها 75 مليار دولار قالوا لنا ان السوق ستكون صعبة ومع ذلك تحت كل هذا يختبئ الذهب. كل ما يتطلبه الأمر هو صبر المستثمرين وصبر الإدارة لإخراجه. وقد تركت اضطرابات الأسواق أثرها على وول ستريت. ففي الأسبوع الماضي أعلن بنك جولدمان أنه مني بخسائر قدرها مليار دولار بسبب الرهون العقارية ومليار دولار أخرى من خلال خفض قيمة ائتمانات.

لكن بنك ليمان شأنه شأن جولدمان قال ان الأوقات العصيبة قد تولد بعض الصفقات والاستثمارات المربحة. فقد قالت ايرين كالان المدير المالي نحن ننظر الى هذه التعديلات في القيم... على أنها ذات طبيعة مؤقتة. وأضافت أن الانخفاض الكبير في قيمة الرهون العقارية والقروض حفزته عوامل فنية كثيرة قد لا تعكس القيمة الكامنة.

وقالت في مؤتمر عبر الهاتف ان البنك اشترى بعض الرهون العقارية السكنية في الأشهر الأخيرة بما فيها رهون تزيد درجة المخاطر فيها عن درجة الأمان وذلك بعد انخفاضها بشدة في الأزمة الائتمانية الأخيرة. ويوم الاثنين أسست شركة إدارة الاستثمارات بلاك روك وشركة هايفيلدز كابيتال مانجمنت لصناديق التحوط ومديرون سابقون بشركة كانتريوايد فاينانشال شركة لشراء قروض عقارية سكنية انخفضت قيمتها بشدة.

وقد أطلقت جولدمان - التي اشترت في العام الماضي شركة ليتون لون سيرفيسنج ال.بي. من شركة سي. باس - عدة صناديق لشراء الديون المتعثرة وقالت انها مستعدة لمواصلة شراء المزيد من الرهون العقارية. ويقول كولم كيلير من منظور فني كانت المعنويات متشائمة بصفة خاصة. لكن ظهرت بعض الدلائل على قيام لاعبين من خارج أسواق الائتمان بشراء أصول ائتمانية. ولم يذكر تفاصيل.

وقال كيلير ان هناك فرصا في الأسواق لكنه أضاف أن بنكه ينوي مواصلة الإبحار بالقرب من الشاطئ بعد أن مني بخسائر قدرها 4. 9 مليارات دولار نتيجة تعاملات في الرهون العقارية.

الدول النامية لن تتأثر بالتراجع

أكدت دراسة لمؤسسة مورجان ستانلي أن الدول النامية لن تتأثر بالتراجع الاقتصادي الأميركي برغم انه تم تأجيل إصدارات أولية في العالم النامي قيمتها 4. 27 مليار دولار خلال الأشهر الستة الماضية.

وقال التحليل ان التراجع الاقتصادي الأميركي سوف يكون له تأثير هامشي على دول الاقتصاد الصاعد في العام الجاري. وتوقع المحللون من مورجان ستانلي ان يتراجع نمو دول العالم النامي الى 8. 6 % في العام الجاري مقابل 6. 7 % في العام الماضي مما يثبت ان هناك نوعا من المرونة في هذه الاقتصاديات، في الوقت الذي من المتوقع فيه أن يبلغ نمو الدول المتقدمة في المتوسط 4. 1% حتى نهاية العام الجاري مقابل 55. 2 في العام 2007.

وقال جوناثان جارنر رئيس قسم استراتيجيات أسهم الأسواق الصاعدة في مورجان ستانلي إن نظرية الانفصال التي تفيد بأن الأسواق الصاعدة نضجت وتطورت إلى الحد الذي لا تعتمد فيه على الاقتصاد الأميركي ومنعزلة عن التراجع الاقتصادي العالمي أثبتت أنها صحيحة.

وأضاف جارنر إن الانفصال المذكور يحدث ضد إجماع آراء خبراء الاقتصاد لان الغالبية العظمى منهم لا يزالون يعتقدون أن الاقتصاد الأميركي هو عصب الحياة بالنسبة للاقتصاديات الصاعدة. فإذا عدنا إلى التسعينات نجد ان هذا كان حقيقيا الى حد ما لكن عندئذ كانت مناطق صغيرة أمثال هونغ كونغ ودول مثل سنغافورة وتايلاند تصدر إلى الولايات المتحدة. لكن الأمر يختلف كثيرا عندما تلجأ أسواق صاعدة ذات أعداد سكان كبيرة إلى اقتصاد السوق (أمثال الصين والهند).

وأوضح ان هذا التراجع الاقتصادي يختلف لان صادرات الأسواق الصاعدة تنمو بنسبة 20% سنويا فيما الكساد الذي حدث من قبل صرب الصادرات من تلك الدول. وتصدر الأسواق الصاعدة فيما بينها والى بعضها والى الاتحاد الأوروبي أكثر مما تصدر إلى أميركا .

لكن ستيفين بوب خبير الاستراتيجيات العالمية والوسيط في كانتور فيتزجيرالد للاستثمار من بين الذين لا يزالوا يعتقدون أن أميركا تؤثر في الاقتصاد العالمي بصفة عامة. وقال إن أسهم الأسواق الصاعدة تأثرت بالمناخ التراجعي الأميركي. وأوضح أن إصدارات الأولية تراجعت في الأسواق النامية وان هذا انعكاس لأوضاع الأسهم العالمية والتأثير الشديد لأميركا على البورصات العالمية والحالة النفسية فيها.

ترجمة: وائل الخطيب