ذكرت دراسة استطلاعية أجراها الباحث الإماراتي عبد الله الطابور أن أحد أسباب العزوف عن المسرح، تعود إلى إحساس غالبية المواطنين بأن العروض التي تقدم لا تعالج قضاياهم، بينما يعتقد المقيمون بأن المسرح خالٍ من المضمون، ولابد من نهوض جماهيري للوصول إلى مسرح حي يدلو بدلوه في قضايا وهموم الناس بصورة متنوعة ومحترفة في الوقت ذاته. «البيان» التقت عدداً من الممثلين والمخرجين المسرحيين على هامش فعاليات الدورة الثامنة عشرة أيام الشارقة المسرحية، وسألتهم حول أهمية الجمهور بالنسبة للعرض المسرحي.
يرى المخرج العراقي قاسم محمد أن ندرة الجماهير المتتبعة للحركة المسرحية في الوقت الراهن، تعود إلى النمطية في الأداء، إذ لم تتحول حقائق الحياة المعاصرة إلى مشهد فني. وكما يقول هيغل: «الفن هو تحويل الفكرة إلى شيء محسوس».. والمطلوب هنا تجديد العلاقة من المتلقين عبر عروض أكثر جرأة وحداثة، وإما أن تندثر ظاهرة المسرح أو تزدهر بتنوع الفرق المسرحية التي تشكلها.
دور الفرق المحترفة
وأكد محمد في ورقة عمل أعدها عن الفرق المسرحية المعاصرة أن على الفرق المحترفة البحث عن الحياة المعاصرة ويومياتها، عبر أنساق التنمية والغوص في أعماق اليومي، والخروج به من الحيز الضيق إلى مجاله الشامل من الحياة الإنسانية.
وذكر أن قضايا انتشار المسرح والترويج له في حياة المجتمع، يلعبان دوراً كبيراً في انتشار الفرق المسرحية المحترفة، وبشكل خاص في البلدان التي ما زال المسرح فيها وليداً ودول الخليج نموذج على هذا الحال، حيث لم يكتمل ولم ينضج المسرح والمسرحي بصورة متكاملة لتتمكن الحركة المسرحية من نشر وعي المسرح وضرورته في حياة الإنسان، وفي حياة المجتمع الكبير. مشيراً إلى أن الترويج للمسرح المحلي سواء بوسائل المعرفة أو بأخرى مبتكرة، هو أحد أهم الهموم التي تقع على عاتق المسرحيين، ليلعبوا دورهم في إرساء أسس تطوير المسرح المحترف وديمومته، مما لا يعطي مجالاً لأي تراجع أو تلكؤ أو نكوص أو انتكاس لحركة المسرح.
الجماهير المختارة
وأبدى الفنان المسرحي محسن السعدون تخوفه من تنامي ما اسماه بظاهرة الجماهير المختارة أو النخبوية إذا جاز التعبير، مؤكداً أن العروض التي تقدم لا يحضرها إلا من تتم دعوتهم من أصحاب الشأن والمعنيين من مؤلفين وممثلين ومخرجين، وهنا مكمن الخلل. وأشار السعدون إلى أن تكوين فرق مسرحية محترفة، ليس بالأمر الصعب لأن الفنانين القادرين على العطاء كثر، لكن الإشكالية الحقيقية من وجهة نظر السعدون هي الجمهور وتنمية الذائقة الجمالية بالعمل المسرحي لديه.
متسائلاً عن قيمة أي عمل مسرحي إن لم تكن هناك جماهير تتفاعل وتشاهد، وما فائدة المسرح إن لم يكن الجمهور قاصداً المسرح لإيمانه بأنه مسرح جاد ومؤثر ومغير، فالمسرح لا يمكن أن يقوم من دون جمهور ومن دون مجموعة إبداعية تؤدي دورها وتطرح الإشكاليات بجرأة ووضوح في الرؤية، محاولة من خلال فنها التصدي للسلبيات.
وقال السعدون: «من دون الجمهور تصبح الظاهرة المسرحية ذاتها بلا قيمة، لأن الجمهور هو الذي يمنحها الخصوبة والحياة، وللأسف الجمهور الذي يحضر العروض جمهور «مختار» وليس جمهوراً محباً للفن مقبلاً عليه، لذا يجب أن يكون هناك تواصل بناء مع الجمهور، إذ لا يمكن بأي شكل من الأشكال عزل المسرح عن المجتمع، لأنه معبر عنه وخارج منه وعائد إليه.
لوركا والجمهور والمسرح
واعتبر المخرج محسن العلي أن واقع الحال يكشف أن المسرح ما عاد يعني إلا فئة قليلة من الناس، واصفاً الجمهور ب«المنسي المظلوم». وأشار إلى أن التواصل مع الجمهور، ومعالجة مواضيع من صلب اهتمامه تعكس بالمقابل اهتماماً بهذا الفن، لأن الجمهور إذا عرف أن ما يعرض يعالج قضاياه ومجالات اهتمامه، فسيكون مشدوداً إليه منجذباً لما يقدمه.
ويبدأ المخرج التونسي المنصف السويسي حديثه بمقولة الشاعر الأسباني فيديريكو غارسيا لوركا:» إن الشعب الذي لا يساعد مسرحه شعب يكاد أن يموت أو قد مات فعلاً، مشدداً من واقع خبرته الطويلة بأن الفرق المسرحية تحتاج إلى مجتمع يساندها، وآليات استراتيجية وخطط وبرامج تفعل المسرح، وتضع الخطوط العامة لمسرح المدينة.
واعتبر السويسي أن الفرق المسرحية إذا لم تحقق جماهيرية من خلال نخبويتها، فإنه لا يمكن إطلاق اسم فرقة عليها، داعياً إلى إيجاد وسائل لتحسين العلاقة بين المسرح والجمهور، وبث الرغبة لديه لمتابعة الأعمال المسرحية.
ويحدد الممثل المسرحي خالد البنا أسباباً عدة لابتعاد الجماهير عن متابعة العروض المسرحية، أولها العامل الجغرافي للدولة، وصعوبة التنقل من إمارة إلى إمارة لحضور العروض، نظراً لضغوطات الحياة العملية اليومية والازدحام الشديد. فيما يشدد على غياب الوعي، بأهمية المسرح نظراً لعدم وجود ما يعرف بالمسرح المدرسي، الذي من شأنه أن يربط النشء بهذا الفن الراقي وربط ذويهم من خلال متابعتهم الأعمال التي يقدمها أبناؤهم، مضيفاً أن الإقبال الجماهيري غير مرضٍ البتة، ولفت إلى أن القنوات الفضائية وشبكة الانترنت، زاحمت العمل المسرحي ودفعته إلى الوراء.
ودعا البنا الفنان المسرحي لأن يتحمل مسؤولية الاستحواذ على اهتمام الجمهور، فالصورة الصادقة والأداء المبدع هما أقل ما يستطيع أن يقدمه الفنان للمتفرجين، لافتاً إلى أن المتفرج يشارك في خلق عرض مسرحي ناجح، إذا كانت القضية المطروحة تهم شريحة المتلقين، داعياً مؤلفي النصوص دراسة ما يريده الناس، لأنه بغير التواصل ومجاراة الأحداث ستقابل العروض بالرفض.
عروض اليوم
يقدم اليوم في قاعتي المعهد العالي للفنون المسرحية في الشارقة، عرضان مسرحيان الأول بعنوان «دهن عود» لمسرح الشارقة الوطني، ويقام عند الساعة السابعة مساء، بينما يقام الثاني هو بعنوان «ميادير» لفرقة المسرح الحديث في التاسعة مساء.
الشارقة ـ نورا الأمير
