في فيلمه «ركلات» الذي يقام ضمن تظاهرة «الشاب والاختلاف الثقافي» بدمشق يحاول المخرج الهولندي ألبرت تير هيردت رصد مشكلة العرب المغاربة في هولندا، وصعوبة الاندماج في المجتمع الهولندي، والفكرة الخاطئة التي يمتلكها كل طرف عن الآخر.
في البداية تنطلق كاميرا ألبرت تير هيردت لترسم مشهداً عاماً لمدينة أمستردام بجماليتها الآسرة التي تخفي وراءها ـ على ما يبدو ـ صورة قاتمة، حيث تنتقل الكاميرا سريعاً لتنقل أحداث شجار نشب بين عدد من الشباب العرب المغاربة والهولنديين ينتهي بهم في مركز الشرطة الذي يبدو أنه مشابه إلى حد ما مثيلاته في العالم العربي، وخاصة صورة الملكة الهولندية التي يصر المخرج على إظهارها.
وتنتقل الكاميرا بعد ذلك لتعرّف بشخصيات الفيلم بتناقضاتها الحادة، حيث يستمر الشاب الهولندي مغربي الأصل «سعيد» في نجاحاته على حلبة الملاكمة أمام حشد كبير من الهولنديين ذوي الأصول المتعددة، فيما يخوض شقيقه «رضوان» ـ مغني الراب الهاوي ـ مع زميله حوارات عقيمة تكشف حجم التشتت والصراع النفسي الذي يعاني منه الشباب المغاربة في هولندا والذي يقود بعضهم إلى التطرف الديني والعنصري تجاه الآخر.
غير أن ذروة الفيلم والحدث الأبرز الذي تبنى عليه بقية أحداث الفيلم تتجلى في فعل إطلاق النار الذي يقوم به شرطي هولندي أبيض على رضوان لاشتباهه بحالة سرقة يقوم بها الأخير، فيما تمتنع زميلته الشرطية السمراء ذات الأصول المغربية من إطلاق النار.
الحادثة السابقة التي تؤدي لمقتل رضوان تقسم المجتمع الهولندي إلى طرفين متناقضين، حيث يؤكد رجال الشرطة أن زميلهم أطلق النار دفاعاً عن النفس لاعتقاده بأن الميكروفون الذي كان يحمله رضوان هو عبارة عن مسدس، فيما يرى مجتمع المهاجرين أن الحادثة تأتي في إطار عنصري، مستندين إلى بعض العبارات التي كان يرددها الشرطي حول المغاربة.
أهمية الفيلم تأتي من كونه يكشف بشكل دقيق حساسيّة العلاقة التي تجمع بين الهولنديين البيض والمغاربة، حيث نكتشف فيما بعد جهل الطرفين ببعضهما وخاصة في حديث بعض الفتيات الهولنديات البيض عن الهولنديين المهاجرين ذوي الأصول المتعددة، وفي جهل إحداهما للجنسية الأصلية لمحدثها.
يسعى المخرج في الفيلم إلى تأكيد حجم الفارق الكبير في الثقافة والتقاليد بين الطرفين وخاصة فيما يتعلق بالحرية الجنسية، حيث يرفض الشاب الهولندي ذوي الأصول المغربية الزواج من حبيبته عندما تخبره بأنها ليست بكراً، فيما يعتبر الزوج الهولندي الأبيض أن علاقة زوجته برجل آخر أمر طبيعي.
هذا الفارق الكبير يمنع قيام علاقات ناجحة بين الطرفين، حيث يعتبر الأهل المهاجرون التحاق ولدهم بالجيش الهولندي خِدمة في جيش الأعداء، فيما ينعت بعض الشباب المغاربة «سعيد» بالخيانة لأنه يقيم علاقات مع فتاة هولندية ويرفض أن يأخذ الثأر لأخيه.
كما أن المخرج يعود ليؤكد الجانب العنصري في طبيعة العلاقة بين الطرفين، حيث يلجأ الشرطي الأبيض الذي قتل الشاب رضوان إلى إظهار تسجيل يردد فيه الأخير كلمات ذات طابع عنصري، فيما يحاول أحد المخرجين الهولنديين البيض الاستعانة بفتاتين من أصول مهاجرة لاستخدامهما في مشهد مع بعض الكلاب، مستفيداً من أن الأخيرتين لا تستطيعان تقديم شكوى ضده كونهما لا تملكان أوراقاً رسمية للإقامة.
لكنه بالمقابل يطلق دعوة للتعارف بين الطرفين بشكل أكبر، حيث تلجأ فتاة بيضاء للدخول إلى مجتمع المهاجرين لتتعرف على أحد الشباب وتقيم معه علاقة لاحقاً.
غير أن النهاية تأتي ـ كما البداية ـ متناقضة وضبابية حيث يفقد «سعيد» السيطرة على أعصابه في حلبة الملاكمة، فيوسع غريمه ضرباً بطريقة وحشية تظهره وكأنه ينتقم من المجتمع الهولندي الذي قتل أخيه، لكنه يعود لاحقاً ليقيم علاقة مع فتاته البيضاء التي هجرها قبل فترة، فيما تتوطد علاقة الفتاة البيضاء الأخرى بصديقها المهاجر.
دمشق ـ حسن سلمان
