كانت فعلة قبيحة تلك التي تجرأت عليها إحدى شركات المقاولات قبل عامين في إحدى مدن الدولة عندما ألقت مخلفات إنشاءات من طمي ونشارة خشب ومواد صلبة تشمل بقايا حديد وقطع صغيرة من الخشب وأكياس البلاستيك بكميات كبيرة على شاطئ كورنيش المدينة إلى جوار فندق ومقابل مبنى حكومي، الأمر الذي أدى إلى تلوث المنطقة.
حيث ظهرت بقعة كبيرة في مياه البحر بعد أن جرفتها مياه المد والجزر إلى داخل البحر، مما جعل كثيرين من مرتادي الشاطئ يتخوفون من هذه البقعة خشية أن تؤدي إلى ضرر في البيئة أو خطر على حياة مرتادي الشاطئ... كان ذلك تصرفاً بعيداً عن الحضارة تناقلته إحدى وسائل الإعلام وكان التصرف الأكثر إيلاماً عدم تحرير أية مخالفات أو تنبيه لتلك الشركة مع انه يندرج في إطار التصرفات الضارة بالبيئة والمسيئة للمنظر الجمالي لشاطئ تلك المدينة.ربما يرى البعض بأن توجيه اللوم إلى تلك الشركة وغيرها ممن يتخلصون من مخلفات البناء سواء بتركها في موقع العمل أو بطمرها في مواقع مجهولة أمر لا يكفي لاسيما عندما لا تكون هناك مواقع محددة لطمر ذلك النوع من النفايات أو آلية لإعادة تدويره. ولكن يبدو ان تلك المشكلة لم تعد قائمة مع تنبه الجهات المعنية إلى ضرورة مواجهة التحدي الذي تمثله مخلفات البناء في بلد تحولت أغلب مدنه إلى ورشة عمل كبرى للمشاريع العمرانية بقيمة أعمال دخلت حيز التنفيذ بلغت تريليون دولار.
ويقول المهندس حسن مكي رئيس قسم خدمات النفايات ببلدية دبي في دراسة شاملة عن تدوير النفايات وتحدياتها »يجب ان نعي بأن مخلفات المباني والإنشاءات لها تأثيرات بيئية مختلفة فعلى سبيل المثال شغلها حيزاً كبيراً وتأثيرها على المياه الجوفية إضافة إلى عملية نقلها وما تسببه من تلوث للهواء، وكذلك فان عدم إعادة استخدام هذه المواد يعد هدراً للعديد من الموارد الطبيعية. وتبلغ كميات مخلفات البناء ملايين الأطنان سنوياً (75% من مجموع النفايات الصلبة) في حين لا توجد رسوم على التخلص ولا توجد حالياً تشريعات لاستغلال هذه المواد بصوره مفيدة في مشاريع أخرى (كطبقة قاعدية في الشوارع كما هو مطبق في العديد من الدول). وكما حصل لاحقاً بتوقيع عقد مع شركة »الإمارات للتدوير« لكن البلدية درست هذه المشكلة انطلاقاً من عاملين أساسيين هما تكلفة النقل والتخلص، وتسويق هذه المواد آخذين في الاعتبار المشكلات المصاحبة مثل مواصفات وجودة المواد المعاد تدويرها ومدى قبولها، بالإضافة إلى توجيه قطاع الإنشاء نحو تطبيق مبادئ الإنتاج النظيف.
وبعد دراسة القضايا السابقة فان الخيارات التي طرحت حينها:
٭ فرض رسوم للتخلص من هذه المواد وذلك لتشجيع عملية الفرز من المصدر وإعادة تدوير المواد المفيدة في الصناعة مرة أخرى.
٭ خصخصة عملية إعادة تدوير المخلفات الإنشائية.
٭ استخدام تقنية تكسير المخلفات الإنشائية وفصل المواد التي يتم الاستفادة منها حسب حجمها ونوعها لإعادة استخدامها في قطاع الإنشاءات المختلفة.
8 ملايين طن
ويبدو ان الذي تحقق خصخصة عمليات تدوير المخلفات الإنشائية بإعلان مجموعة الرستماني في دبي، إطلاق شركة »الإمارات للتدوير« المتخصصة في تدوير ومعالجة نفايات أعمال الإنشاء والهدم في دبي، بتكلفة تتجاوز 65 مليون درهم في ابريل الماضي.
وستتمكن شركة »الإمارات للتدوير« من خلال مصنعها المقام في منطقة اللسيلي على طريق العين ـــ جبل علي من تدوير أكثر من 8 ملايين طن من نفايات أعمال الإنشاء والهدم التي تُطرح في دبي سنوياً وتحويلها إلى مواد يمكن استخدامها في أساسات الطرق والمشاريع الإنشائية الجديدة.
ويومها قال المهندس حسين ناصر لوتاه، مدير عام بلدية دبي بالوكالة، ان البلدية قامت بمناولة 10.5 ملايين طن من نفايات أعمال الإنشاء والهدم خلال عام 2006، مشيراً إلى أن هذا النوع من النفايات يشكل 75% من إجمالي المخلفات السنوية في دبي.
وقال: »نسعى في بلدية دبي منذ سنوات، إلى حل شامل يتيح لنا الاستفادة من هذه النفايات وخفض معدلاتها، بما يدعم أهدافنا من أجل مستقبل أكثر إشراقاً لدبي. ويسرني القول إننا وجدنا ذلك الحل مع إطلاق مجموعة الرستماني لشركة »الإمارات للتدوير«.
تشجيع على المزيد
وأضاف: »يجمعنا هدف مشترك وهو الارتقاء بالمعايير الحياتية ومستوى رفاهة المجتمع. ونأمل بأن نشهد المزيد من هذه المبادرات التي تعزز دور القطاع الخاص في حماية المجتمع وتطويره«.
من جهته، نسب مروان الرستماني، رئيس مجلس إدارة مجموعة الرستماني، الفضل في ولادة هذه المبادرة المهمة، إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، حفظه الله.
وقال: »عندما كشف صاحب السمو النقاب عن خطة دبي الاستراتيجية 2015، أكد أن بيئة دبي تشكل أولوية قصوى في مسيرة التنمية المستمرة، وأعطى توجيهاته الكريمة بالمحافظة عليها نظيفة آمنة. كما أبرز سموه ضرورة تطوير قوانين البيئة بما ينسجم مع أعلى المعايير العالمية، وإعطاء الأولوية للقضايا البيئية عند وضع سياسات وبرامج التنمية المستدامة، ورفع مستوى الوعي البيئي«.
وأضاف: »في إطار هذه التوجيهات السديدة، تلتزم شركة »الإمارات للتدوير« بالنهوض بدورها في تحقيق هذا الهدف على أكمل وجه من خلال عملياتها وفي علاقاتها مع المجتمع. وإنه ليشرفنا أن نلعب مثل هذا الدور بما يسهم في المحافظة على بيئتنا نظيفة وآمنة وبما يبقي دبي المكان الأمثل للعيش في الحاضر والمستقبل«.
تحسين البيئة
وأضاف »تؤكد مجموعة الرستماني التزامها بمواصلة هذا النهج من خلال إطلاق شركة »الإمارات للتدوير« التي ستساهم في تحسين وتطوير بيئة مدينتنا الحبيبة ودولتنا العزيزة لما فيه خير شعبنا. فتدوير مخلفات مشاريع الإنشاءات سيحمي المجتمع ويضمن لأطفالنا بيئة نظيفة وصحية في المستقبل«.
وأوضح حسن الرستماني، نائب رئيس مجلس إدارة مجموعة الرستماني، ان الشركة الجديدة تجسد نموذج أعمال جديداً في دبي، وقال: »تنتج دبي حمولة ما يتراوح بين 2500 ــــ 3000 شاحنة من مخلفات أعمال الإنشاء والهدم يومياً، أي أكثر من 35 ألف طن.
ويمكن تدوير أكثر من نصف هذه النفايات وتحويلها إلى مواد يمكن استخدامها مجدداً في أعمال قطاع الإنشاءات ذاته، وهذا ما نسعى إلى تحقيقه في »الإمارات للتدوير«.
وأضاف: »ما نقدمه نموذج جديد للأعمال، نموذج ينطوي على قيمة كبيرة اقتصادياً وبيئياً، ويوحد جهود القطاعين العام والخاص في سبيل تحقيق المصلحة العامة. وسنعمل على تكرار هذا النموذج من الأعمال في الإمارات الأخرى والمنطقة في الوقت المناسب«.
أحدث التقنيات
وأشار روبيرتو بيازيزو، مدير عام شركة »الإمارات للتدوير«، أن منشأة التدوير المجهزة بأحدث التقنيات، ستعمل طبقاً لأرقى الممارسات العالمية، ووفقاً لمعايير الجودة المعتمدة في المملكة المتحدة والولايات المتحدة وأوروبا.
وقد تم تصميم المنشأة الجديدة بطريقة تتيح لها تصنيف وفصل وتكسير وغربلة ومعالجة النفايات الإسمنتية والإسفلتية والخشبية والبلاستيكية، وتحويلها إلى كتل صلبة بثلاثة أحجام يمكن استخدامها في أساسات الطرق، وكمادة أساسية في الخرسانات الجاهزة، وفي عمليات الردم.
وقال بيازيزو: »ستقوم شركة »الإمارات للتدوير« بتزويد شركات التطوير والمقاولات بمنتج وفير وعالي الجودة ومنخفض التكلفة وصديق للبيئة. كما أنه لا توجد عيوب تمنع استخدام هذه المواد المكررة، فهي قوية وآمنة وذات جودة عالية شأنها كأي بديل حالي في السوق إن لم نقل إنها أفضل«.
ويعتبر تدوير النفايات من أهم الممارسات العالمية التي يطبقها العديد من الدول حول العالم ابتداءً من اليابان وانتهاءً بكندا. ويقام مصنع الإمارات للتدوير على عمق 20 متراً تحت سطح الأرض بما يضمن الحد الأدنى من الضجيج وانبعاث الغبار الملوث، مع بناء خارجي حسن المظهر.
وبالإضافة إلى الكسارات وأنظمة المراقبة وغيرها من التقنيات التي توفرها أبرز الشركات العالمية، سيتم تزويد المنشأة بوحدات خارجية لمنع الغبار، ووحدات دعم متنقلة إلى جانب المنشأة الثابتة.
آلية العمل
وتعمل شركة »الإمارات للتدوير«، المشروع المشترك بين مجموعة الرستماني وشركة »جنرال وورك« الإيطالية لتطوير البنية التحتية، وفق استراتيجية »BOOT« (بناء تشغيل امتلاك تحويل) وذلك بالتعاون مع بلدية دبي.
وسيتم تطوير المنشأة على مرحلتين متتاليتين، تشمل الأولى تهيئة الأرض وبناء المكاتب والمباني الخاصة بالإدارة وسكن العمال، وشراء وحدات الدعم المتنقلة. أما المرحلة الثانية، فتشمل شراء المعدات وتجميع المنشأة الرئيسية.
70% من مخلفات الإنشاءات إسمنت وإسفلت التي يمكن إعادة تدويرهما
يطلق المهتمون بين الحين والآخر دعوات تتلخص بضرورة اعتماد إجراءات فعالة ومستدامة لإدارة المخلفات في ضوء الزيادة المضطردة في حجم المخلفات الناجمة عن قطاع البناء الذي ينمو بصورة سريعة في المنطقة.
وتأتي هذه الخطوة في إطار المساهمة في تطبيق استراتيجية حكومة الإمارات والتي تضمنت بنوداً محددة تتعلق بحماية البيئة وتحقيق التنمية المستدامة.
ويقول مارك ج. سيدورن، مدير عام قسم خدمات إدارة المخلفات (WMS) في »دلسكو«: »لقد حقق قطاع البناء في جميع أنحاء المنطقة نمواً ملحوظاً، مما شكل بالتالي المزيد من التحديات المتعلقة بعمليات التخلص من المخلفات، حيث أصبح من الضروري معالجة هذه المسألة نظراً لأن الإدارة غير السليمة للمخلفات يمكن أن تترك آثاراً مدمرة على البيئة والصحة العامة في المنطقة«.
وأشار سيدورن: »يتعين علينا العمل باستمرار لتدارك العدد المتزايد لأماكن إلقاء المخلفات التي تحتاج إلى تدوير. ويعمل فريق جمع المخلفات الخاص بنا على مدار 24 ساعة يومياً.
وفي هذا الصدد أجرينا محادثات مع السلطات المختصة لتحديد طرق مبتكرة أخرى لتحسين الكفاءة والإنتاجية في قطاع البناء«.
يذكر أن قطاع البناء يخلف أحجاماً كبيرة من المخلفات يومياً، الأمر الذي قد يؤدي إلى تفاقم هذه المشكلة خاصة في مواقع الإنشاءات التي تعمل على مدار 24 ساعة في اليوم.
كما أن الإسمنت والأسفلت يشكلان حوالي 70% من هذه المخلفات، فيما يتكون الباقي من الأخشاب والبلاستيك التي من الممكن إعادة تدويرها.
وتساهم بعض المشاريع، مثل مصانع إعادة تدوير المخلفات التي أنشأتها مؤسسة الرستماني وبلدية دبي، بشكلٍ كبير في تحسين أداء إدارة المخلفات. وهناك خطط لإيجاد مصانع تحويل المخلفات إلى طاقة، مما يعود بفائدة أكبر على المجتمع، حيث يتمثل الهدف النهائي في التمكن من إعادة تدوير جميع نفايات البناء«.
إضاءة
تعد عملية نشر التوعية بشأن أهمية التخلص السليم من مخلفات البناء أحد الجوانب المهمة في مسألة إدارة المخلفات. وتقوم شركات متعددة بتشجيع المؤسسات على تدريب موظفيها حيال الفرز السليم للمخلفات الإنشائية، مما سيساهم بشكلٍ كبير في تسهيل التخلص منها وإعادة تدويرها.
وتعتبر عملية جمع المخلفات من التحديات البيئية الرئيسية التي تواجهها منطقة الخليج وخاصة في مواقع البناء، بالإضافة إلى تأثير حركة المرور خلال ساعات الذروة والتي تعيق عملية إدارة المخلفات.
تحقيق ـ مشرق علي حيدر


