تواصل أسعار المساكن انخفاضها، في العديد من أنحاء العالم، والعجز في السداد يواصل ارتفاعه. وبالتالي يتضرر المستهلك، وتتزايد عتمة الأزمة الائتمانية أكثر من أي وقت مضى. وراجعت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية تنازليا توقعات النمو، وقالت في بيان «الاقتصاد يتباطأ بسرعة بالغة».
وعلى الرغم من التحسن النسبي الذي شهدته أسواق الأسهم العالمية خلال الأسبوع الماضي إلا أن الاضطرابات الأخيرة تثير مخاوف من حدوث المزيد من الكساد في الاقتصاد العالمي، وتضع النظام الاقتصادي العالمي في مجمله في محل تساؤل كبير. ويستبعد المحللون أن تسهم الإجراءات الأخيرة التي اتخذها الاحتياطي الفدرالي الأميركي في إنعاش الاقتصاد الأميركي. وبعد أن برزت مؤشرات على احتمال حدوث تحسن خلال الفترة المقبلة بعد تقارير أشارت إلى أن الفدرالي الأميركي وبنك انجلترا المركزي يشاركان في محادثات حول إمكانية استخدام أموال عامة في شراء أوراق مالية مضمونة بالرهون العقارية لتخفيف حدة الأزمة الائتمانية العالمية، نفى البنكان ذلك.
وقال بنك انجلترا انه يدرس عددا من الخيارات الأخرى غير المحددة لمعالجة الاضطرابات المستمرة في أسواق المال رغم تدخل البنوك المركزية بضخ مليارات الدولارات في الأسواق لزيادة السيولة وخفض أسعار الفائدة. وكانت صحيفة فاينانشال تايمز قد ذكرت أن البنوك المركزية في أوروبا والولايات المتحدة تجري مباحثات حول إمكانية شراء الأوراق المالية المضمونة بالرهون العقارية في محاولة لحل الأزمة الائتمانية العالمية. وقال متحدث باسم بنك انجلترا «تنظر بنوك مركزية من بينها بنك انجلترا في سبل لتخفيف حدة التوتر.
لكن البنك ليس من البنوك التي تقترح خططاً تقتضي أن يتحمل دافع الضرائب لا البنوك المخاطر الائتمانية». وأضاف «لكننا نؤكد أننا ندرس عددا من الخيارات الأخرى. إلا أنه من السابق لأوانه الخوض في التفاصيل».
وفي ذات الإطار قال مسؤول كبير بمجلس الاحتياطي الاتحادي «المجلس ليس مشتركا في مباحثات مع بنوك مركزية أجنبية من أجل تنسيق شراء الأوراق المالية المضمونة بالرهون العقارية».
وقالت الصحيفة دون الإفصاح عن مصادرها أن المحادثات في مرحلة أولية وإنها جزء من تبادل واسع للآراء حول معالجة الاضطرابات التي تشهدها أسواق المال. وأضافت أن بنك انجلترا أكثر البنوك تحمسا فيما يبدو لبحث فكرة شراء الأوراق المالية المضمونة بالرهون العقارية وان هذه الفكرة تنطوي على استخدام المال العام لدعم الأسواق.
وحتى الآن تبدي البنوك المركزية استعدادها فقط لتقديم قروض بضمان الأوراق المالية بدلا من شرائها. وهوت قيمة هذه الأوراق وسط أزمة ائتمانية بسبب تخلف أعداد كبيرة من أصحاب الرهون العقارية عالية المخاطر في الولايات المتحدة عن سداد التزاماتهم.
وبدأت تظهر العديد من المؤشرات على خطورة الأزمة، وقال رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالى السابق آلان جرينسبان إن الأزمة المالية هي «الأكثر فتكاً» منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وفي ذات السياق ذكر أستاذ جامعة هارفارد مارتن فلدشتاين، رئيس المكتب الوطني للبحث الاقتصادي السابق، أخيراً انه يعتقد حالياً أن الولايات المتحدة تمر حاليا بحالة كساد وقد يكون كساداً «شديداً».
ويقول الخبراء إن أزمة الائتمان التي اندلعت في شهر أغسطس الماضي شهدت اكبر ضحاياها الأسبوع الماضي بالبيع الاضطراري لشركة (بير ستيرنز)، مؤكدة بذلك تفاقم ضغوط النظام المالي. فقد شهد بنك بير ستيرنز، خامس اكبر بنك استثماري في الولايات المتحدة، تلاشي قيمته السوقية بالكامل بين ليلة وضحاها.
وكانت قيمته حوالي 5. 3 مليارات دولار لدى إغلاق السوق يوم الجمعة قبل الماضي، ثم بيعت الشركة بعد يومين لجى بى مورجان تشيس مقابل 236 مليون دولار فقط، وبذلك يكون البنك قد خسر نحو 3. 3 مليارات دولار من قيمته الحقيقية. ودفع الاحتياطي الفيدرالي 30 مليون دولار لتيسير عملية البيع، وهى خطوة أكدت المخاطر التي يواجهها النظام المالي حسبما يقول المحللون.
ويتساءل بعض المحللين الآن: إذا انتهى بير ستيرنز، وهى شركة معروفة في وول ستريت، دون قيمة، فماذا يعنى ذلك بالنسبة للمؤسسات الأخرى المضطربة في الولايات المتحدة؟ وهل يمكن حدوث إخفاقات أخرى فيما بعد؟. وفي الأسابيع الأخيرة، أعلن الاحتياطي الفيدرالي سلسة من برامج القروض قصيرة الأجل الطارئة للمؤسسات المالية، يساوى إجمالها حوالي 400 مليار دولار.
يقول المحللون إن أحدا لا يعرف كم مؤسسة مالية ستحصل على القروض، أو كم يحتاجون، ولا أحد يعرف كم سيخسر الاحتياطي إذا فشل المقترضون في تسديد قروضهم وإذا كانت النقود ستأتي في النهاية من دافعي الضرائب بسبب انهيار نظام الدولة المالي.
ـ ويرى المحللون أن أي تحرك بشأن الأوراق المالية المعززة بالرهونات العقارية سوف يتطلب مشاركة الحكومات لان من يدفعون الضرائب سوف يتعرضون لمخاطر ائتمانية. وليس هناك مؤشراً على أن الحكومة الأميركية قد تقبل هذا الحل. وفي منطقة اليورو سوف يتطلب الأمر موافقة 15 حكومة منفصلة.
ومن القضايا التي يناقشها صناع السياسة والمصرفيون القواعد الدولية الجديدة التي شددت من قبضة الأزمة الائتمانية بسبب المطالبة بتقييم الأصول عند مستواها الأدنى الحالي وليس على أساس القيمة الاسمية.
لكن من الأفكار التي يتمسك بها البنك المركزي الأوروبي أن التبادلات بين سوق وآخر ليست الملامة في الضعف الشديد في الحسابات الختامية للبنوك بل أسعار الأوراق المالية المعززة بالرهونات العقارية التي انخفضت إلى مستويات ترفع معدلات الديون السيئة بشكل رهيب.
وإذا كانت للسلطات العامة أن تشتري أوراقاً مالية معززة بالرهونات العقارية بالشكل الكافي بدلا من الإقراض فقط بضمانها كما تفعل الآن، وبأسعار اقل من القيمة الاسمية لكن أعلى من الأسعار الحالية، فسوف تفتح بابا جديدا في أسواق الأوراق المالية المعززة بالرهونات العقارية.
ولا يعتقد المركزي الأميركي انه قد حان الوقت لاتخاذ مثل تلك الخطوة وخفض أسعار الفائدة. كما يعتقد أن أميركا لم تنفذ منها الخيارات قبل التدخل من الحكومات واتخاذ خطوات فورية عاجلة لا يزال متاحا حتى الآن بعيداً عن هذا التدخل.
وتشمل تلك الخطوات الفورية الاستخدام الجريء للحساب الختامي للبنك الاحتياطي الفيدرالي لتعزيز السيولة في الأسواق. ويقول المحللون إن الحكومة الأميركية لديها أفق واسع لتعزيز دفع الأسواق بشكل غير مباشر من خلال الإدارة الفيدرالية للمنازل أو مؤسستي فاني وفريدي ماك. ولا توجد في بريطانيا تلك المؤسسات.
وقد يكون هذا سبب في أن البنك المركزي هو الأكثر حرصا على التدخل المباشر. والحكومة البريطانية تورطت بشكل كبير في شراء أوراق مالية متعلقة الرهونات منذ سبتمبر بعد تأميم نورثيرن روك بنك الإقراض العقاري.
وليست البنوك المركزية هي التي تفكر فقط في أن أسعار الأوراق المالية المعززة بالرهونات العقارية منخفضة جدا وتشكل مستوى مرتفع من الديون السيئة. فإن بعض الصناديق الأميركية تستثمر كميات بسيطة من الأموال في أسواق الرهونات. وقال روبرت جنتزيل المتحدث باسم صندوق معاشات بنسلفانيا إن بعض الأوراق المالية التي انخفضت قيمتها كانت أوراقاً قوية بالفعل.
البنوك الصينية تتصدع وتفقد تماسكها
يعلن غدا الثلاثاء بنك الصين المحدود وبنك الصين التجاري الصناعي اكبر مصرفين مقرضين في الصين لهما علاقة بأزمة الرهن العقاري الأميركية، نتائجهما التي يظهر منها مدى خسائرهما من علاقتهما بأزمة الائتمان الأميركية العالمية حيث أثرت تلك الأزمة على البنوك الصينية كما أثرت على البنوك العالمية.
وتقول صحيفة وول ستريت جورنال إن البنوك الصينية كانت اقل تعرضا بصفة عامة للتراجع العالمي وأثار أزمة الرهن الأميركية. لكن بنك الصين المحدود قد يكون استثناء من ذلك حيث تأثرت أرباحه مقارنة بأرباح البنوك الصينية الأخرى وهو معروف تاريخيا بالاستثمار في الخارج.
وتوقعت وول ستريت جورنال أن يعلن بنك الصين عن تراجع كبير في أرباحه مقارنة ببنك الصين التجاري الصناعي. وقد كانت التوقعات أن يسجل بنك الصين أرباحا في 2007 ترتفع بنسبة 25% على العام السابق له غير أن هذه النسبة اقل كثيرا من أترابه في الصين التي توقعت أرباحا بنسبة 50%.
وقال تشارلين تشيو المديرة في فيتش الصين للتصنيف إن هذا لا يعد مشكلة كبيرة مقارنة بما يجري في أنحاء العالم للمؤسسات المالية الأخرى. وأضافت تقول إن عام 2007 كان عاما رائعا من حيث أداء نمو الأرباح والعائدات بالنسبة لغالبية البنوك الصينية.
وكشف بنك الصين عن معاناته من أزمة الائتمان العالمية حتى سبتمبر فقط. ويعتقد المحللون أن استثماراته قد تدهورت وفقدت الكثير من قيمتها خلال الربع الأخير من العام ولذلك ينتظرون ليروا إذا كان البنك سجل ديونا معدومة خلال تلك الفترة.
وسوف يؤدي ذلك إلى خفض أرباحه. وكان لدى البنك أصول بقيمة 8 مليارات دولار تتعلق بأزمة الائتمان العالمية حتى سبتمبر . ويعتقد المحللون أن دخل البنك سوف ينمو بنسبة تتراوح بين 1 25 % رغم أن رئيس البنك شياو قانغ قال إن البنك سوف يسجل ارتفاعا في أرباحه عن عام 2007.
ويشعر المحللون بقلق اكبر حول أداء البنوك الصينية في العام الجاري. وتحصل البنوك الصينية على قدر كبير من الأرباح والعائدات من الفوائد والرسوم وقد زاد كل منهما في العام الماضي. وساعد ارتفاع القروض إلى الشركات على تحقيق نسبة قياسية من العائدات من الفوائد. لكن التوقعات للعام الجاري متشائمة.
ويرى البنك المركزي أن يحد من سرعة النمو بسبب ارتفاع معدلات التضخم وسوف يؤدي ذلك إلى خفض عائدات البنوك من الفوائد. والمتوقع أيضا أن تنخفض عائدات البنوك الصينية من الرسوم وأيضا من نشاط الإقراض. وسوف يؤدي تراجع الاقتصاد الأميركي إلى تزايد هذا الانخفاض في العائدات إذا بدأ المقترضون يتعثرون في السداد.
وفي التحليل النهائي سوف ترتفع نسبة الديون المعدومة رغم أن تلك مؤشرات تتأخر ولا تظهر إلا بعد أشهر من التراجع الاقتصادي. وقد ارتفعت نسبة الديون السيئة لدي بنك الصين وبنك الصين التجاري الصناعي وبنك البناء والتعمير وبنك الاتصالات والبنك الزراعي بنسبة 05. 8% في الربع الثالث من العام الماضي مقابل 83. 7% في الربع السابق له وكانت اكبر نسبة لدى البنك الزراعي.
تدهور الدولار يفاقم قضية التضخم
بات التضخم يشكل تحديا كبيرا للدول الخليجية مع ارتفاع مداخيلها بسبب الزيادة غير المسبوقة في أسعار النفط وانخفاض قيمة عملاتها الوطنية مع تراجع سعر الدولار، حسبما ذكر خبراء اقتصاديون.
ودفع الوضع في دول مجلس التعاون الخليجي إلى عقد اجتماع في المنامة اليوم الاثنين سيستمع خلاله مسؤولو السعودية والكويت والبحرين وقطر والإمارات وسلطنة عمان إلى نصائح من صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي حول كيفية مواجهة هذه المشكلة. وقال الخبير الاقتصادي البحريني احمد اليوشع «إن جزءا غير قليل من أسباب التضخم تعود إلى انخفاض قيمة العملة الوطنية بسبب تراجع الدولار».
وأشار خصوصا إلى البحرين، موضحا ان «نحو أربعين في المئة من أسباب التضخم فيها تعود لانخفاض قيمة الدينار البحريني بسبب تراجع الدولار». ورأت دراسة نشرتها الأمانة العامة لاتحاد الغرف التجارية في دول مجلس التعاون في ديسمبر ان «توفر السيولة الذي يصاحبه عرض ثابت من السلع والخدمات.
وانخفاض قيمة العملات الوطنية جراء تراجع الدولار» سببان رئيسيان للتضخم. وأشارت إلى ان «إجمالي واردات دول الخليج قفز من 5. 154 مليار دولار عام 2003 إلى نحو 376 مليار دولار في 2007 بنسبة زيادة قدرها 143%».
وأكد اليوشع ان «معدلات نمو حجم النقد في دول الخليج تتجاوز أحيانا نسبة 20%»، موضحا ان «هذا ينعكس على الطلب الذي ينعكس بدوره على الأسعار». وقالت دراسة اتحاد الغرف التجارية ان نسبة التضخم في دول المجلس ارتفعت منذ 2001 وحتى 2006 بنسب متفاوتة ليسجل اقلها في السعودية (3. 2%) ثم الكويت والبحرين (3%) .
ثم عمان (2. 3%) والإمارات (1. 10%) وأعلاها في قطر (8. 11%). أما الأرقام المتعلقة بالتضخم في 2007، فلم تتوفر بعد، لكن تقديرات تتحدث عن 11% في الإمارات و12% في قطر بينما أعلنت السعودية ان نسبة التضخم بلغت 1. 4% في 2007.
ورأى اليوشع ان «الادعاء بأن أسعار النفط هي السبب وراء التضخم سبب غريب وعجيب»، مؤكدا انه «لم يثبت حتى الآن وجود صلة بين ارتفاع أسعار النفط والتضخم». لكن دراسة اتحاد الغرف التجارية قالت ان أهم تأثير لانخفاض الدولار هو «تراجع القيمة الحقيقية للعوائد النفطية للدول المصدرة بالدولار وارتفاع كلفة الواردات الخليجية من الدول التي انخفض الدولار مقابل عملاتها مثل الاتحاد الأوروبي واليابان والصين».
وأضافت ان «تراجع الدولار أدى إلى التأثير في الاقتصاد الوطني (الخليجي) بسبب ربط العملات الخليجية بالدولار». واثار انخفاض قيمة الدولار دعوات إلى فك الارتباط بالدولار، الأمر الذي قامت به دولة خليجية وحيدة هي الكويت في مايو 2007.
ويتفق واضعو الدراسة واليوشع على ان «تقليل حجم السيولة» و«خفض الإنفاق الحكومي» و«رفع سعر الفائدة وجملة من من السياسات المالية والسياسات النقدية» توفر الوسائل الممكنة للحد من إجراءات التضخم. إلا ان اليوشع يرى ان الخيارات المطروحة محفوفة بالمحاذير ونجاح بعضها يتطلب قرارا جماعيا لدول الخليج الست.
وقال ان «رفع سعر الفائدة احد الحلول، لكن ارتباط عملات دول الخليج بالدولار يجعل السلطات النقدية غير قادرة على اتخاذ هذه الخطوة لأنها تريد خفض أسعار الفائدة بعد تراجع قيمة عملاتها».
وأضاف ان «محاولة التحكم في حجم السيولة سلاح ذو حدين»، موضحا انه «في عهد (رئيسة الوزراء البريطانية السابقة) مارغريت تاتشر و(الرئيس الأميركي الأسبق) رونالد ريغان تبنوا سياسة تخفيض معدل السيولة».
وتابع «لكن ذلك تم على حساب النمو الاقتصادي الذي تراجع مع ارتفاع حجم البطالة»، مشيرا إلى وجود خيارات أخرى من بينها «إعادة النظر في الارتباط بالدولار». لكنه أوضح ان الأمر لا يعني «بالضرورة فك الارتباط بالدولار، بل رفع قيمة العملة الوطنية» مؤكدا «لكن شريطة ان يكون هذا قرارا جماعيا وليس وطنيا».
وأكد اليوشع ان «رفع قيمة العملات الخليجية يجب ان يكون قرارا جماعيا لينجح ويفضل أيضاً ان يشمل هذا القرار الكويت التي فكت ارتباط عملتها بالدولار وسلطنة عمان التي انسحبت من الاتحاد النقدي الخليجي».
وأشارت الدراسة إلى ان تقارير صندوق النقد الدولي «تتوقع انخفاض معدلات التضخم في معظم دول الخليج عام 2008 تطبيقا للوحدة النقدية المقرر طرحها في 2010»، و«استكمال الكثير من المشاريع الإسكانية، ما سيسهم في تخفيض الإيجارات».
ترجمة: أشرف رفيق


