يبدو أن الأزمة المالية العالمية الخانقة، دخلت مرحلة أصبحت فيها عصية على الحل، بحيث إن رجلاً بحنكة «بن برنانكي» رئيس البنك الاتحادي الفيدرالي وكما قالت صحيفة «هيرالد تريبيون» لا يستطيع أن يلوح بعصاه للخروج بحل سحري يقود إلى انفراج قريب للأزمة مهما بلغ عدد المرات التي يخفض فيها سعر الفائدة.

وكال المديح لوول ستريت، والحل الوحيد لإنهاء الأزمة، كما صرح هو شخصياً يكمن في وضع حد للفقاعة الإسكانية. وفي آخر محاولة لاحتواء الأزمة المتفاقمة، توقع تقرير صحافي أن تدخل الولايات المتحدة مرحلة من الركود الاقتصادي خلال الربع الثاني من هذا العام وهي تنوء تحت ثقل ما سيكون أسوأ انهيار إسكاني في التاريخ. ونقلت صحيفة التلغراف البريطانية عن «جورغن المسكوف» رئيس الوحدة الاقتصادية التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إنه لو واصل بناء المساكن تراجعه خلال الفترة المتبقية من العام فإن قطاع الإنشاءات السكنية سيشكل أكبر انهيار في تاريخ المنظمة. وتوقع «المسكوف» أن يبلغ نمو الاقتصاد الأميركي بنسبة 1. 5 في المئة خلال الشهور الثلاثة الأولى من العام قائلاً: لا أحد يدري أين ستتجه التنمية، صفراً أو تحت الصفر والمؤشر غير مهم، طالما أن الوضع في غاية السوء.

وفي آخر محاولة لاحتواء الأزمة المالية، التي عصفت بالاقتصاد الأميركي انبرت الشركات المدعومة من الحكومة للعب دور في إنقاذ سوق الرهن العقاري. فالمجلس الاتحادي للتمويل السكني، الذي يشرف على 12 بنك إقراض إقليمياً.

يوشك على التصويت على مقترح من شأنه زيادة كمية السندات المدعومة بالرهن التي لا تستطيع البنوك احتجازها مقابل رساميل وهذا التعديل المقترح سيسمح للبنوك بشراء ما قيمته 160 مليار دولار من السندات المدعومة بالرهن، وهي السوق التي كانت عرضة للضغط وتفضل السيولة.

في غضون ذلك أعلنت الهيئة التنظيمية لكل من فاني ماي، وفريدي ماك الشركتان اللتان ترعاهما الحكومة، عن خفض في الشروط الخاصة بالرساميل وقالت ان خطوتهما ستفتح الطريق أمامهما لتوفير 200 مليار دولار، إضافية لتمويل الرهونات العقارية ما يعادل عشر الإقراض السكني المتوقع هذا العام.

وسينفق الجزء الأكبر من تلك الأموال في شراء سندات مدعومة بالرهن، تضمنها الشركتان، ويحملها مستثمرون آخرون أو متعاملون، كثير منهم بحاجة للسيولة النقدية ويسعون لبيع رهوناتهم.

وقالت صحيفة وول «ستريت جورنال» إن الخطوة المزدوجة تظهر حجم التدابير التي اتخذتها الحكومة الاتحادية والكيانات المرتبطة بها لاحتواء الأزمة الإسكانية وكانت الإجراءات الأخيرة لوزارة الخزانة والبنك الاتحادي الفيدرالي ومنها إنقاذ «بير سترنز» وضعت واشنطن في واجهة محاولة إيجاد حلول سوق الائتمان الفاسدة والاقتصاد المتزايدة سوءاً.

وفي هذا السياق قال «دانييل مود» الرئيس التنفيذي لـ «فاني» في إيجاز صحافي «إن هناك فرصاً لشراء السندات المدعومة بالرهن الآن، بأسعار مناسبة». وبدوره قال جيمس «لوكهارت» مدير مكتب الإشراف على المشاريع السكنية الفيدرالي الذي يتولى الإشراف على فاني وفريدي إن خفض الاشتراطات الخاصة بالرساميل ستقدم دفعة قوية لسوق الرهن العقاري.

وتهدف الخطة التي تحظى بتشجيع من قبل مسؤولين كبار في وزارة الخزانة، جزئياً إلى خفض أسعار فائدة الرهن أمام العملاء أو على الأقل الحيلولة دون ارتفاعها. وكانت تلك الفوائد ارتفعت بصورة حادة في بعض الأحيان.

وأشارت الصحيفة إلى أن الفوائد على الرهونات ترتفع عندما يطالب المستثمرون في السندات المدعومة من قبل قروض كهذه أقساط فائدة أعلى لتعويض ما يعتبرونه مخاطر متزايدة. ومما زاد البلة طيناً، أن بعض البنوك والصناديق التحوطية وغيرهم من حملة سندات الرهن العقاري طرحوها في الأسواق، للوفاء باحتياجات الدائنين للسيولة النقدية، البنوك المركزية تسارع للتدخل.

وعلى الصعيد ذاته فإن البنوك المركزية على جانبي الأطلسي دخلت في نقاشات مطولة لدراسة جدوى القيام بعمليات شراء واسعة النطاق للسندات المدعومة بالرهن العقاري، كحل محتمل لأزمة الائتمان، وتتضمن تلك الحلول، حسبما قالت صحيفة «فاينانشيال تايمز» استخدام الأموال العامة لدعم الأسواق.

كأداة مالية رئيسية واستعادة الثقة بوضع حد لحلقة البيع القسري المفرغة، وتدهور الأسعار، وضعف الميزانيات العامة. وأضافت الصحيفة إن النقاشات بحد ذاتها تظهر عمق المخاوف المسيطرة حول سلامة النظام البنكي. كما أنها تظهر مدى التحول في النقاش السياسي في الآونة الأخيرة.

في ضوء امتداد الأزمة إلى أصول رهن رئيسية في الولايات المتحدة، وطالت «بير ستيرنز» بنك الاستثمار الأميركي. ويبدو أن بنك انجلترا الأكثر تحمساً لاستجلاء الفكرة، أما البنك الاتحادي الفيدرالي فهو منفتح من حيث المبدأ، على أن فكرة التدخل في سوق سندات الرهن العقاري، مبررة في بعض الأحوال، لكن كملجأ أخير فقط، في حين يبدو البنك المركزي الأوروبي أقل تحمساً للفكرة.

حيث إن أي خطوة لشراء السندات المدعومة بالرهن ستتطلب تدخلاً حكومياً لأن دافعي الضرائب سيتحملون مخاطر ائتمانية، ولا توجد هناك مؤشرات، على أن الإدارة الأميركية تحبذ مثل هذه الخطوة، في حين انها تتطلب موافقة 15 حكومة في منطقة اليورو كل على حدة.

وفي السياق ذاته قالت صحيفة فايننشيال تايمز إن قيام الجهات الحكومية بشراء والاحتفاظ بعدد كاف من السندات المدعومة بالرهن، بدلاً من الإقراض مقابلها، كما فعلت حتى الآن بأسعار تقل عن قيمتها الاسمية، وفوق أسعارها الحالية، فإنها ستضع سابقة في سوق السندات المدعومة بالرهن.

ويرى البنك الاتحادي الفيدرالي إن الأمور لم تصل بعد إلى الحد الذي يتطلب اتخاذ إجراء دراماتيكي، ويعتبر النقاشات الدائرة مع نظرائه مجرد سبر للأفكار وليس صياغة مقترحات سياسية حاسمة.

ويقول محللون إن الحكومة الأميركية تمتلك مجالاً واسعاً لدعم الأسواق بصورة غير مباشرة عن طريق إدارة الإسكان الفيدرالية أو فاني ماي وفريدي ماك، بينما تفتقر بريطانيا لمثل تلك المؤسسات.

والذي قد يكون أحد الأسباب لتحمس بنك انجلترا المركزي لتحري التدخل المباشر، وقد انهمكت الحكومة البريطانية فعلاً في شراء الرهون منذ شهر سبتمبر الماضي، مع لجوئها مؤخراً إلى تأميم نورثرن روك، بنك الإقراض الرهني.

اختبارات قوية لأعصاب المستثمرين

قالت صحيفة «فاينانشيال تايمز» إن الحكاية بدأت بعملية البيع السريعة لبنك «بير سترنز» أحد أكبر المؤسسات في وول ستريت، والتدخل غير المسبوق للبنك الاتحادي الفيدرالي.

الجمعة 14 مارس: بدأ النهار واعداً بأرقام تضخم أميركية لشهر فبراير أفضل من المتوقع.

وقلما يجد المتعاملون وقتاً لردة الفعل على البيانات المقدمة، حتى هزتهم أخبار «بير سترنز» المشؤومة وقبل بدء تداولات نيويورك أعلن الاحتياطي الفيدرالي أنه سيفتح نافذة الخصومات للوسطاء، وقال البنك إن في وسع سترنز اقتراض سندات خزانة مقابل أصوله الرهنية المضروبة، مستخدماً جي بي مورجان كوكيل له.

وكان هدف الاتحادي الفيدرالي إقراض سترنز دين الخزانة في سوق إعادة الشراء (ريبو) نقداً، ودعم رأسماله، وقد عجز سترنز عن جمع الأموال من أي أصول غير سندات الخزانة، حيث فقد منافسوه الثقة في مصداقية الائتمانية، وقد انخفض سهم البنك بنسبة 53% ليصل إلى 85. 26 دولاراً قبل إقفاله على 30 دولاراً، بتراجع نسبته 47%.

الأحد 16 مارس: تسربت أنباء في المساء عن أن جي بي مورجان سيشتري بيرسترنز بدولارين للسهم، أو 236 مليون دولار. وقد تبين أن «سترنز» لن يستطيع الصمود بمفرده، وكان تركيز الاتحادي الفيدرالي منصباً على إنقاذ النظام البنكي العالمي.

الاثنين 17 مارس: تواصلت عمليات البيع في أوروبا وفي لندن انخفض مؤشر فاينانشيال تايمز 100 بنسبة 217 نقطة أو قرابة 4%، ليقفل على ÷4414.5، وهو أدنى مستوى له منذ نوفمبر 2005.

وما لبث أن انخفضت أسهم «بيرستيرنز» 5. 90 لتصل إلى مستوى متدن وهو 84. 2 دولار للسهم، وبالمقابل تراوح سهم جي بي مورجان عند 3. 10% ليقفل على 31. 40 دولاراً.

الثلاثاء 18 مارس: تحسنت الأجواء، بعد إعلان ليهام وجولد مان ساكس أن أرباحها للربع الأول انخفضت أقل من المتوقع، وانتشرت الأخبار لترفع سعر سهم ليهام إلى 49. 46 دولاراً أكثر من ضعف سعره يوم الاثنين، وهو 25. 20 دولاراً.

وفي الظهيرة حدث الاجتماع المقرر للجنة السوق الفيدرالية المفتوحة، وأعلن البنك الاتحادي الفيدرالي خفض سعر الفائدة 75 نقطة أساسية. وكانت المحصلة انخفاض سندات الخزينة إلى أقل من 60. 0% من 92. 0%.

الأربعاء 19 مارس: بعد الترنح الذي أصاب وول ستريت كانت لندن تأمل في بداية جيدة، غير أن شيئاً من ذلك لم يحدث، فبعد نصف ساعة من التداول انخفض سهم بدس، أكبر بنوك الإقراض الرهني البريطانية، في تراجع حر وسط إشاعات بأنه يبحث عن تمويل طارئ، مما دعا البنك المركزي البريطاني «بانك أوف انجلند» لنفي عقده اجتماعاً طارئاً لمناقشة دعمه لبنوك معينة.

وفي نيويورك، حدثت صدمة في أسعار السلع، حيث انخفض خام نايمكس 94. 4 دولارات للبرميل، ليصل إلى 48. 104 دولارات، وهو أكبر تراجع في يوم واحد منذ 17 يناير 1991، وتراجع الذهب 5. 58 دولاراً ليصل إلى 70. 944 دولاراً للأوقية أكبر انخفاض في يوم واحد منذ أكثر من 28 عاماً.

الخميس 20 مارس: عمليات البيع الواسعة للسلع قادت إلى تراجع أسهم المعادن، بما فيها أسهم أنجلو أميركان التي انخفضت بنسبة 1. 8%، وانخفض مؤشر داو جونز، للسلع أكثر من 11% خلال الأسبوع، وكسب ستاندارد أند بورز 18% منذ تراجعه إلى يوم الاثنين، كما ارتفع ستاندارد أند بورز 500 قرابة 6%.

ضياع ألوف الوظائف في أميركا

نقلت صحيفة «هيرالد تريبيون» عن مصادر عليمة أن «سيتي جروب» تنوي تسريح 2000 من موظفيها العاملين في قطاع الصيرفة الاستثمارية وتداول الأسهم في نهاية الشهر الحالي، وكانت الشركة ذكرت في شهر يناير أنها ستلغي 4200 وظيفة معظمها في بنك الاستثمار التابع لها.

وسترفع التسريحات الجديدة عدد الوظائف الملغاة في بنك الاستثمار التابع لسيتي جروب إلى 6 آلاف وظيفة أو قرابة عشرة في المئة من قاعدة موظفيها، ويبلغ عدد العاملين في الشركة حول العالم 320 ألف موظف.

وقالت المصادر ذاتها إن معظم التسريحات ستتم في المكاتب الرئيسية للبنك في نيويورك ولندن، بالرغم من أن أسواقاً أخرى في أوروبا وآسيا قد تخسر وظائف منها. وقد تسلم بعض المصرفيين خطابات تسريح بالفعل.

فيما سيتم إبلاغ آخرين في الأسابيع القادمة وكانت الحكومة الأميركية أعلنت إلغاء 63 ألف وظيفة في شهر فبراير، فيما يمكن اعتباره أسرع فقدان للوظائف منذ خمس سنوات. وأقوى دليل، حتى الآن، على دخول البلاد مرحلة الكساد.

وفي هذا الصدد، قال «جاريد بير نشتاين» الخبير الاقتصادي في معهد السياسة الاقتصادية في واشنطن، إنه لم ير قط تقريراً خاصاً بالوظائف أشد قتامة منذ الكساد الأخير، مشيراً إلى أن سوق العمل أصبحت أكثر تأثراً بعدوى الأزمة الاقتصادية من غيرها.

وقال تقرير صحيفة «هيرالد تريبيون» إن تقرير الوظائف كشف عن هزات كبيرة في سوق العمل على مستوى البلاد، وكانت شركات المقاولات والصناعات التحويلية التي كان الأشد تضرراً من انهيار سوق الإسكان، الأكثر عرضة لانخفاض عدد الوظائف، والذي عمت آثاره طيفاً واسعاً من القطاعات التجارية المختلفة، بما في ذلك أسواق الجملة والمكاتب ومنافذ بيع التجزئة زاد الضغوط على جيوب المستهلكين.

وكانت الحكومة الأميركية عدلت من تقريراتها لشهر يناير ليصل ضياع الوظائف إلى 22 ألف وظيفة في أول تراجع للوظائف خلال أربعة أشهر، وبذلك فإن معدل البطالة مال نحو الانخفاض إلى 8. 4 في المئة الشهر الماضي من 9. 4 في المئة خلال شهر يناير، وفي هذا الصدد قال «بير شتاين» لو أضفنا عدد الأشخاص المسرحين من العمل الشهر الماضي فإن معدل البطالة سيصل إلى 1. 5 في المئة، بدلاً من 8. 4 في المئة.

ترجمة ـ وائل الخطيب