لم يستطع المخرج الإماراتي الشاب محمد العامري التحليق خارج حدود وطنه. هذا الوطن الذي رسمه وحمل اسمه بالحب والجهد والإبداع، وهو يقدم لنا تجربة مختلفة خلال المسابقة الرسمية لأيام الشارقة المسرحية بعنوان «وهبص» من تأليفه أيضاً وبطولة الفنان مرعي الحليان.
يبدو العامري كمؤلف وكمخرج مهتماً بالخروج من الدائرة التي وضع فيها أو التي رسمه الآخرون فيها، ولأجل ذلك غامر بديكور شاهق بلغ سقف المسرح، إن لم يكن سقف العالم، وبدأ بسرد قصة يحكي بها عن أولئك الذين يعيشون بعيداً عن هذا السقف، وفي مكان آخر من العالم حيث لا أحد يذكرهم أو يهتم لأمرهم.
وهنا ثمة مفارقة تنشأ بين من يعيش في الأعلى ومن يعيش في الأسفل، مع عدم إمكانية تحقيق تواصل بينهما حتى لو كانت النوايا بريئة، وقد يكون التسلق للقمة في غير زمانه أو مكانه، وهكذا تصبح إمكانية العودة للأسفل صعبة ومليئة بالمخاطر.
وحين جرب بطل المسرحية مرعي الحليان الصعود إلى الأعلى من أجل تسليم المرأة محفظتها التي أضاعتها، لم يعد يعرف كيف ينزل بعد أن غامر بالصعود، ووجد نفسه معاقباً على جرم لم يقترفه، لأنه أضاع أو احتفظ ببعض بطاقات الأسماء المهمة في حياة تلك السيدة.
طبيعة الشخصيات التي اختارها العامري، لا توحي بأن هذا يحدث في البيئة الإماراتية على الرغم من أن لهجة الشخصيات هي كذلك، إذ لا وجود لأبناء الرصيف هنا، بل إن تلك الأشكال التي تكتسب طابعاً غرائبياً غير موجودة أساساً، بل ربما كانت قريبة الصلة من أجواء الرواية الروسية.
على كل ثمة آفاق واضحة للتجريب المسرحي في هذا العمل، من خلال الخروج عن مألوف ما أو تجريب صيغة جديدة في المسرح. وحيال هذا الأمر، يجب أن لا يكون المتلقي أو الناقد بتلك القساوة التي تجعل المخرج الشاب محمد العامري أسير توجه واحد أو شكل واحد في الإخراج، بل يجب تشجيعه بأن يقدم تجارب درامية من تأليف غيره، ليكون عينا مثالية تتابع كل ما يستحق أن يظهر على الخشبة.
قدم مرعي الحليان دوراً محورياً في هذا العرض، وأحسب أن الحليان يتعامل مع الشخصية التمثيلية التي يقدمها كمخرج حينما يكون ممثلاً، ويدخل أعماقها كممثل حينما يكون مخرجاً، لذا يمكننا القول إن علاقته بالمسرح متماسكة وتحمل هوية خاصة، وهذا ما جعل المشاهدين يدركون هذا ويصفقون له على الرغم من إشكاليات، ربما يتسع الوقت في مكان آخر للحديث عنها، وهي تتعلق بطبيعة الدور ونوعه في ظل ظروف عمل تجريبي كهذا.
«وهبص » عرض إشكالي ينتمي إلى مسرح المؤلف والمخرج الذي سبق وتابعناه كثيرا في هذه الدورة من أيام الشارقة المسرحية، يمكن أن يكون له ايجابيات وسلبيات في الوقت عينه.. وللعامري الحق في التجريب وفق ما يجعله قريباً من إبداعه الذي عرفناه به.
«خيول الريح» عرض فرقة مسرحية خورفكان المسرحية من تأليف وإخراج ناصر كرماني، قدم بصيغة احتفالية نوعية تجمع ثلاثة ممثلين رئيسيين هم جمال الجسمي ومحمد الصم وعبد الله سعيد، ترافقهم جوقتا الكومبارس والموسيقيين.
العرض مضى باتجاه رسم معالم الاحتفالية التي أرادها كرماني، محاولاً تكريسها لمناقشة قضايا إشكالية ذات صلة بالواقع الخليجي والعربي عموماً، وهذه قد تكون طريقة احتفالية غير شعبية للنخبة في أجواء سيطرت عليها الوخزات السياسية والاجتماعية والإنسانية.
وربما يخطئ من يقول إن هذه احتفالية شعبية لأنها أبعد ما تكون عن هذا حتى لو كان هناك مقهى وجوقة عازفين ومشجعين، لأن الأفكار التي نوقشت في العرض، النخبة وحدها تستطيع أن تتواصل معها وتعرف إلى أين ستؤدي.
المخرج بدأ العرض من الصالة رغبة منه بدفع المشاهدين إلى لعبة المشاركة، وأنهى العرض بالطريقة ذاتها. وما بين البداية والنهاية كانت الفرقة تقدم ما لديها، وقد عرف أعضاء الفرقة كل حسب عمله للمشاهدين كل باسمه الحقيقي، هذه ربما خديعة من قبل المخرج بأن يقول كل ما يريد على لسان شخصيات حقيقية وموجودة في الواقع.
ثرثرة وكلام فائض وقصص من هنا وهناك، وماذا بعد.. ثمة من كان يريد الخروج من الصالة منذ البداية، ولكنه فضل عدم فعل ذلك، لأن العرض يوحي بأن هناك ما يرغب أن يحكي عنه وثمة من خرج، والبقية ربما اقتنعت أن العرض فيه ما يشدها إليه.
العمل يبدو مكتوباً بعناية، ولكن كم الثرثرة الموجودة فيه أتعب المشاهد، وأعتقد أن ناصر كرماني تعامل بحرفية مع هذا العمل، إذ ليس هناك ترهل وقتي بالمشاهد المسرحية، بل هناك ترهل عام من الشكل الفني الذي اختاره المخرج المؤلف.
سبق أن تابعنا للمخرج عملا آخر، ربما كان فيه قدر أكبر من المتعة والحرفية والحب، وكانت القضايا المطروحة ملحة بالأسلوب الفني ذاته المتبع هنا، ولكن يبدو أن ثمة تبايناً واضحاً بين كلا العملين.
«خيول الريح» عرض احتفالي بالفكرة والشخصيات والحدث الذي يغيب ويحلق في فضاءات متعددة، ثم يعود إلى المشاهد بشكل ما يفرغ ما في دخله، ولك أن تختار أن تنصت لكلام طويل من اجل جملة ما، أو لا تنصت وفي كلا الحالين ستخسر أو تربح وفقاً لعلاقتك بالعمل.
فؤاد الشطي.. رأيان دفعة واحدة
لم يستطع الكاتب والناقد المسرحي الكويتي فؤاد الشطي الانتظار طويلاً، ليقول رأيا منفصلاً في عرضين مختلفين وفي ندوتين متلاحقتين، بل قال رأيه دفعة واحدة في المسرحيتين ثم خرج.
وهذا أول ظهور له في الندوات، ويعرف أن الشطي إشكالي في تناوله نقدياً للعروض المسرحية التي يقول رأيه فيها.
غياب لافت للضيوف المصريين
على الرغم من تواجده في حفل الافتتاح، إلا أن أحدا لم يلمح الفنان يحيى الفخراني بعد ذلك، وكذلك الدكتور اشرف زكي نقيب الفنانين المصريين، بينما تغيبت الفنانة القديرة سهير المرشدي عن الحضور إلى «الأيام» أصلاً.. وهكذا يكون رصيد الوفد المصري «صفر» في التواصل مع العروض والفعاليات المصاحبة.
المفكرة
تتواصل فعاليات أيام الشارقة المسرحية في دورتها الثامنة عشرة بعروضها المتنوعة، حيث يقدم في القاعة الأولى على مسرح المعهد العالي للفنون المسرحية بالشارقة القديمة الساعة السابعة مساء اليوم عرض بعنوان «فانوس» لمسرح دبا الفجيرة، وفي الساعة التاسعة، يقام في القاعة الثانية عرض فرقة مسرح عجمان الوطني بعنوان «صرخة».
الشارقة ـ جمال آدم
